الأخبار اللبنانية

رفيق الحريري.. الفرصة الضائعة

بدعوة من النادي الثقافي العربي في بيروت، ولمناسبة الذكرى الخامسة لأستشهاد الرئيس رفيق الحريري ألقى عضو كتلة “المستقبل” النائب سمير الجسر، محاضرة تحت عنوان “رفيق الحريري.. الفرصة الضائعة”، في حضور الرئيس نجيب ميقاتي والنائب السابق ناصر نصرالله ورئيس مجلس ادارة شركة أوجيه لبنان نزيه الحريري ومدير عام مديرية الصحة الإجتماعية نور الدين كوكش ونقيب الصحافة محمد بعلبكي وعدد كبير من الفاعليات الإجتماعية.
بدايةً رحبّ رئيس النادي الثقافي العربي عمر فاضل بالحضور وقال:”نكرّم ذكرى زعيم وطني كبير كان وفياً لذكرياته معنا ومع القضية القومية، وتجمعه بالنادي صداقة طالما تحدث عنها”.
وألقى الجسر كلمةً قال فيها:
حينَ اتصل بي الصديق العزيز الأستاذ عصام عرقجي للمشاركة في فعاليات النادي العربي بمناسبة الذكرى الخامسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لم يسعني سوى القبول.. فهي دعوة كريمة لي آتية بواسطة شخص تَعوَّد أن لا يَرُدْ، من خلال مكتب المساعدات، طلباً لأحد.. وهو ابن المدرسة التي أرسى دعائمها الرئيس الشهيد.. وهو من العملات النادرة التي تمزج ما بين الاستقامة والوفاء والعطاء وحسن الأداء.. والدعوة أيضاً آتية من النادي العربي، هذا المنبر، الذي لعب دوراً كبيراً في كل المحطات السياسية والذي خَرّج الكثير من المتنَوِرين اللبنانيين والعرب، الذين ساهموا في الدفاع عن كل القضايا اللبنانية والعربية.. وهي أخيراً مناسبة في ذكرى أليمة لشخص استثنائي قضى بظرف قاهر.. شخص ملأ الدنيا في حياته، كما ملأها في استشهاده.. رجل عاش ومات من أجل وطنه.. رجل وحَّد بدمه شعباً كانت تمزقه التفرقة وأطلق شرارة ثورة الأرز التي مهما قيل فيها وفي عفويتها فهي حققت للبنان استقلالاً ظنه الكثيرون بعيداً.. في حين كان رفيق الحريري دائماً يظنه قريباً.. رجل لم يُفتنه المال الذي جناه، ولم يُغرِهِ الجاه الذي إنقاد له، ولم تسكره رحابة القصور التي انفتحت أبوابها من أجل استقباله.. فحافظ على تواضعه وعلى توازنه وعلى عقله وبقي يصرّ عن حق على أن “ما من أحد أكبر من وطنه”..
رجل لم يُوفّ حق قدره في حياته.. وانتظر الكثيرون مماته ليوفّوه بعض حقه.. في وقفات شكلت للكثيرين ربما فعل ندامة على إساءات ألحقوها به عن قصد أو غير قصد.. ولكنها وصلت إلى ما كان دولة الرئيس رحمه الله يردد دائماً: “بالنهاية لا يصح إلا الصحيح”.
الشهيد رفيق الحريري لم يكن إنساناً عادياً.. ولم يكن مجرد رجل قادته الظروف بعامل الوراثة أو بعامل الصدفة إلى الحكم.. رفيق الحريري كان رجلاً كادحاً.. يملك حلماً كبيراً وعزيمة قوية ودأباً واسعاً وإيماناً بالله عزّ وجلّ.. فصقلته تجربة الحياة وعجنته التجربة القومية برومانسيتها ونكساتها، بدأً من الأحلام التي طاولت النجوم إلى الواقعية التي فرضتها هزيمة 67.. كل مسيرة حياته، قدّها باليدين العاريتين، وطوّعها لحلمه ومشروعه، متذكراً في عمق وجدانه أن “ليس للإنسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى”.. فيسّر الله له ما يسرّ، وأعطاه المولى بحكمته ما أفاض به من خلاله على الناس، وزاده تجربة سخّرها لوطنه..
رفيق الحريري هذا رجل كل الفصول، رفيق الحريري هذا رجل العزيمة، رفيق الحريري هذا الذي أقرن دوماً القول بالعمل، رفيق الحريري الذي عشق وطنه حتى الثمالة، رفيق الحريري الذي آمن بلبنان وشعب لبنان وشباب لبنان، رفيق الحريري وكفى.. لم نستفد وا أسفاه من  طاقته وإمكاناته واتصالاته.. رفيق الحريري بالرغم من كل شيء سيبقى بالنسبة لي الفرصة الضائعة.. وما أكثر ما نضيع من فرص..
كيف ولماذا؟؟
لن أتبع في مداخلتي التراتب الزمني لحركة جهاد ونضال رفيق الحريري.. بل سأتكلم عن حراكه بالمواضيع.. فأتناول حراكه السياسي، لانتقل إلى دوره الاعماري، ومن ثم إلى رؤيته الاقتصادية، فإلى نظرته المالية، فإلى حسّه الإنساني الاجتماعي، لأخلص إلى دور رجل الدولة. 
في السياسة
حين جاء رفيق الحريري إلى الحكم.. كان ذلك نتيجة مسيرة سياسية طويلة، لم يكن يرغب دائماً في الإفصاح عنها لا عن انخراطه في العمل القومي.. ولا عن دعم أهله في العمل المقاوم.. ولا مساهمته في محادثات لوزان ولا حتى عن دوره الأساس في اتفاقية الطائف..فحين جاء إلى الحكم كان لديه دافعان: دافع قومي ودافع وطني، لم يكن يرى فيهما تناقضاً على الإطلاق بل كان يراهما متكاملين..كان يرى في المحيط العربي عمقاً استراتيجياً للبنان..وكان يرى فيه أيضاً المجال الحيوي للبنان.. بما يشكل هذا العالم العربي من سوق لمنتجاته، وبما يتيحه من فرص عمل للبنانيين، وبما يوفره من قدرات استثمارية في لبنان نتيجة الفائض النقدي الذي وفرته الطفرة النفطية بمختلف مراحلها للبلدان العربية وأهلها.كان رفيق الحريري رؤيوياً وواقعياً وكان يعرف أنه إن كان لبنان بوابة الشرق.. فان طريقه إلى هذا الشرق هو عبر سوريا.
في العلاقة مع سوريا :
كان يُعرف بخبرته وفطرته وبُعد نظره.. إنه وبصرف النظر عن الدور الذي لعبته سوريا في مرحلة ما في استقرار لبنان ووقف الحرب الأهلية فيه.. فان أي نهضة في لبنان بمعزل عن نهضة موازية في سوريا سيصعب قيامها..لذا حينما كان يخطط وهو لا يزال في السعودية لإعمار لبنان ورفعه من تحت الركام، فكر مليّاً بإمكانية إقامة مشروع اعماري للبنان وسوريا في وقت واحد.. على منوال خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا.. وحاول أن يسعى إلى ذلك.. وإن كانت الظروف الإقليمية والدولية لم تسعف في السير بذلك.. إلا أن المتابع لمسيرته يعرف مساعيه الدائمة في فك الحصار الاقتصادي عن سوريا، وسعيه للمساهمة في تحسين علاقاتها مع الأوروبيين، وخاصة مع الجانب الفرنسي.. وهذا التفكير بذاته يشكل بعداً رؤيوياً واقعياً..فالماء، كما يقولون لا تمرّ على عطشان.. إضافة إلى أن سوريا بما تشكل من مجال حيوي للبنان.. فإن دورها هذا يتسع اطراداً مع تقدمها وليس العكس.. فإن كانت سوريا تستطيع أن تشكل سوقاً للبنان.. فإن هذا الدور يكبر ويزيد بقدر زيادة قدرة أهلها الشرائية..وهكذا نجد كيف أن رفيق الحريري ببُعد نظره كان يعلم أن استقرار لبنان وازدهاره مرهون باستقرار جارته وازدهارها.. وهذا بُعد رؤيوي نادر.. يدفعنا إلى التبصر في حجم الفرصة التي أضعناها بخسارة رفيق الحريري رحمه الله.
بهذه الخلفية الواقعية النادرة، وبالخلفية القومية التي يختزنها رفيق الحريري في أعماقه ومن مرحلة شبابه وبفهم عميق للجغرافية السياسية بكل أبعادها.. والتي تجعل من سوريا الجار الوحيد.. وانطلاقاً من قناعته في دور سوريا في المنطقة، وتحديداً في مسالة السلم والحرب.. والتواجد السوري في لبنان.. بنى الشهيد رؤيته السياسية في العلاقة مع سوريا.. ورأى في التفاهم والتنسيق معها مصدراً لاستقرار لبنان الذي هو في أصل كل نهضة اقتصادية أو إعمارية أو اجتماعية.. وحماية من الخطر الإسرائيلي ببعده الإحتلالي، وإبعاداً لشبح الفتنة التي كانت إسرائيل تسعى دوماً لزرعها في لبنان.
كان رفيق الحريري يعرف، من خلال واقعيته المفرطة، أن هذه العلاقة قد تكون مكلفة بعض الشيء، هنا أو هناك، ولكن كان يعرف أيضاً من خلال موازنة الأمور، أنه يمكن التسامح ببعض التفريط في حدود المقبول مقابل استقرار أمني وسياسي يتيح إعادة بناء لبنان، والإنسان في لبنان الذي أنهكته الحرب الأهلية والطويلة.. وإلى أن يقوى عود لبنان.. وإلى أن تتغير المعادلات في المنطقة.. التي أفرزت راديكاليات سياسية تركت آثارها على لبنان.. وكان من خلال العلاقات الشخصية مع القيادة في سوريا يصوّب الأمور ويصححها كلما لامس التجاوز ما هو غير مقبول.. كان دائماً لديه شيء من خلال اتصالاته السياسية الدولية والعربية والإقليمية يوظفه مع سوريا.. من أجل هذا كانت لديه قدرة على تصويب الأمور.. طبعاً كان ذلك في زمن الرئيس حافظ الأسد.. والحقيقة أنه أنشأ مع الرئيس حافظ الأسد وفريقه علاقات شخصية كانت ذات أثر كبير في القدرة على لجم الأخطاء والحدّ من تماديها.
طبعاً لم يكتفِ الرئيس الشهيد في هذه العلاقة الآحادية مع سوريا، لأنه كان يعلم أنها وبحكم الطبيعة البشرية- طبيعة الاستئثار- قد تنتهي إلى تحويل لبنان إلى دولة تابعة في الفلك السوري، لذلك شرع إلى الموازنة في العلاقات عربياً وإقليمياً ودولياً.. فكان للعلاقة مع المملكة العربية السعودية ومع جمهورية مصر العربية، بما لهما من وزن عربي ودولي، ولدى سوريا بالذات التي هي دائماً في حاجة إلى هاتين الدولتين من أجل تسليك الأمور مع المجتمع الدولي، العامل الأساس في إضفاء بعض التوازن في العلاقات اللبنانية السورية.
وقد أضفت العلاقات مع الأوروبيين من خلال البوابة الفرنسية ومع الفرنسيين بالذات الكثير من الحضور السياسي الذي عدّل الميزان.. حتى أنه، رحمه الله، كان قد شرع في علاقة إقليمية مع تركيا (زمن طانسو تشيلر) من أجل تعزيز التوازن.. خاصة وأن تركيا قد تكون- وعلى ما أظهرت الأيام- من أكثر الدول قدرة على التأثير على سوريا من خلال الواقع الجغرافي أو البشري أو الاقتصادي أو المصالح المشتركة بينهما.
طبعاً وبكل أسف لم يقرأ الكثيرون هذا الحراك. كان البعض يحركه عمى الدافع القومي.. والبعض الآخر تحركه ردود الفعل الشوفينية على كل ما هو قومي أو متصل به.. وآخرون يأكلهم الحسد من النجاح.. وكان رحمه الله.. القوة الهادئة التي لا تتلفت إلى كل ردود الفعل.. ذلك لأنه يعرف ماذا يريد ويعرف كيف كان يتعاطى بواقعية وبعقل وبتوازن.. وكان عن حق الفرصة الضائعة التي لم نستفد كفاية من قدراتها ورؤيتها الاستراتيجية..
عناقيد الغضب:
كانت إسرائيل قد اجتاحت جنوب لبنان في صيف العام 1993.. وانتهت إلى وقف عدوانها.. لكن الذي حصل انه لم يكن للبنان دور أساسي في وقف الاعتداء، وفي المفاوضات التي تمت بمعزل عن الحكومة اللبنانية..
حين اجتاحت إسرائيل لبنان في العام 1996 فيما عُرف بعملية عناقيد الغضب.. كانت إسرائيل تخطط لعملية تدميرية انتقامية هائلة من لبنان ومقاومته.. لم يكتفِ رفيق الحريري بالاتصالات الدبلوماسية عبر السفارات والمنابر الدولية وتقديم الشكاوى.. بل ركب طائرته وراح متنقلاً بين عواصم القرار في العالم التي لها تأثير لدى الإسرائيليين ولدى شعوب العالم والرأي العام العالمي.. بالطبع لقد كانت للرئيس الشهيد من خلال السمعة التي بناها، عبر نجاحاته في الحكم، ولشبكة العلاقات الشخصية مع الملوك والرؤساء في العالم، والتي قامت على احترام كبير لنجاحه ولمصداقيته، ولما كان يوحي من ثقة واحترام للذات واحترام لتعهداته، الأثر الكبير في فتح أبواب كل قصور الرئاسات والممالك..
لقد أدهش الرئيس الشهيد العالم بهذه الحركة وبما لَقيَهُ من استقبال على وجه السرعة.. لكن الرئيس الحريري كان يعرف أنه بما كان يتمتع به من مصداقية في تصوير الواقع، وأنه بالاتصالات المباشرة مع أصحاب القرار، كان يختزل الوقت الذي تتطلبه مراسلات السفراء إلى وزارات الخارجية المعنية لتُنقل إلى أهل الاقرار.. وكان يعرف أن اتصاله المباشر بما يتمتع به من مصداقية وقدرة صادقة على التعبير عن حجم المأساة.. ومن قدرة أكبر على اقتراح الحلول العملية لوقف العداون.. سيكون له التأثير الكبير على تدخل مراكز القرار في وقف العدوان. ولقد أعان الرئيس الشهيد في حركته، ما نقلته فضائية تلفزيون المستقبل وبتوجيه منه من مآسي الإجرام الذي وقع في بلدة قانا على الأطفال الأبرياء.. والذي تناقلته وسائل الإعلام في العالم..
لكن المؤسف أن الكثيرين توقفوا عند سرعة الحركة والتي قام بها، أخذتهم الدهشة أمام أبواب الملوك والرؤساء التي فُتحت من دون انتظار، وذهلوا عند سرعة وقف العدوان.. من دون أن يتوقفوا ملياً عند بعد الأثر السياسي لهذا التحرك السياسي. لقد حقق دولة الرئيس بذلك أموراُ ثلاثة بالغة الأهمية:
• لقد أوقف العدوان، وأبان للعالم أن إسرائيل دولة معتدية تمعن في قتل الشيوخ والنساء والأطفال ولو في حمى الأمم المتحدة.
• لقد انتزع الرئيس الشهيد- بتفاهم نيسان- اعتراف العالم بالمقاومة والحق في الرد بقصف المدنيين الإسرائيليين حين يتعرض المدنيون اللبنانيون للقصف.
• لقد أعاد لبنان على الخريطة السياسية.. إذ تولت الحكومة أمر المفاوضات بدون وصاية أو غياب.. ولا شك أنكم تذكرون زيارة وزير خارجية أميركا كريستوفر إلى لبنان والى البقاع تحديداً لتنفيذ الاتفاق (تفاهم نيسان).
طبعاً لقد كان الإنجاز كبيراً.. وأظهر قدرات الرئيس الشهيد التي أذهلت خصومه وكل الذين يخشون على لبنان من استعادة العافية.. فكانت برأي الإيذان الكبير في بدء الحرب الشنيعة عليه، تلك التي بدأت بعد انتخابات 1996 بتأليف حكومة ليس له فيها غالبية- وهذا يشكل نوعاً من الحصار من الداخل- لينتهي الأمر في العام 1998 وبعد انتخاب رئاسة الجمهورية، بالتكليف المعيب لرئاسة الحكومة الذي اعتذر عنه، بحق، رحمه الله.
وهكذا بخسارة الرئيس الشهيد وبخسارة الرجل القادر على السرعة في الحركة، وحسن العرض واجتراح الحلول، نعرف حجم الفرصة الضائعة.
الوطنية والقومية
لقد عاش المسلمون فترة طويلة أزمة التوفيق بين القومية والوطنية.. فبعد انتمائهم للأمة، على مدى قرون من الزمن، وجدوا أنفسهم من ضمن كيان صغير، القرار فيه لشركاء في الوطن، لم يراعوا فيه الكثير من التطلعات القومية، بالرغم من أنهم كانوا فيما سبق هم رواد الحركة القومية.. بل على العكس كانت هناك في كثير من الأحيان محاولات من الحكم وأهله للانحياز إلى محاور مرتبطة بالقوى الغربية وعلى عداء مع دول التوجه القومي.. مما أدى إلى الكثير من الاضطراب السياسي انتهى مع دوافع أخرى إلى زجّ البلد في حرب أهلية ذات طابع طائفي.
وضعت الحرب الأهلية أوزارها.. وطوى اتفاق الطائف صفحة الحرب لتبدأ صفحة التعايش السلمي.. واكتشف الجميع في نظري أنهم كانوا مخطئين.. وآمن الجميع بأنه في النهاية لا بد من التلاقي.. في هذا الظرف ومن خلال تولي الرئيس الحريري الحكم في العام 1992 وخوضه معركة الاعمار والإنماء المتوازن.. والنجاح الكبير الذي حققه في رفع البلد من تحت الركام.. وممارسته المعتدلة وانفتاحه على الجميع، وطريقته في الأداء وفي إحاطة نفسه بأهل العلم والمعرفة من كل الأطياف.. والتشديد على العمل من أجل لبنان، وعلى سلوكه في إظهار الإيمان بلبنان وبشعب لبنان.. وبما أنضجته الأيام لدى اللبنانيين، استطاع الرئيس الحريري أن يزيل من عقول معظم المسلمين إشكالية التناقض ما بين القومي والوطني.. وأنه لا تناقض بين ما هو وطني وقومي.. لا شرعاً ولا فكراً ولا ممارسةً.. وهو ابن الفكر القومي أصلاً.. بل هما حالتان متكاملتان لا تلغي احداهما الأخرى.. وأضفت شخصيته ورؤيته وحركته وانفتاحه والثقة بدوره، عنصر الاطمئنان الذي طالما فتش عنه الكثيرون من خلال المشاعر القومية.
ولم يقفْ الأمر عند هذا الحدّ بل شكّل نجاحه والتقدير الذي أحيط به في كل المقامات الغربية والطريقة التي كان يجري التعاطي بها معه، العنصر الأساس في وأد الحذر المرضي من كل ما هو غرب وغربي.. وأعاد إلى الأذهان إمكانية التلاقي والتعاون، وكان بالإمكان أن يكون الأمر أكبر وأشمل، لولا انحياز، كان ولا يزال، الغرب يظهره تجاه أعداء الأمة.. ولصالح إسرائيل..
وبعودة بعض الخطاب السياسي الضيق والمتطرف اليوم- وتصاعده تحديداً منذ تسوية الدوحة- نستطيع أن نعي حجم الفرصة الضائعة التي تركها غياب الرئيس الشهيد..
الإصلاح الإداري
لم يفت الرئيس الشهيد أن إعادة بناء البلد يلزمه إدارة صحيحة، تتخلص من أعباء الماضي ومن كل الترهلات التي أصابت الإدارة والفساد الذي أحاط بها.. فكانت محاولته الشهيرة التي حاول من خلالها التخفيف عن كاهل الإدارة من خلال عملية إصلاحية تطال ما يقارب الثمانية آلاف موظف.. طبعاً لم يجرِ اختيار الأسماء اعتباطياً.. بل إن أجهزة الرقابة من تفتيش ومجلس خدمة مدنية قد قدم هذه الأسماء بناء على ملفات تبين إما التقصير وإما القصور وإما الفساد وإما الغياب الدائم عن الإدارة منذ زمن الحرب وهكذا.. نعم الغياب الدائم.. إذ أن الكثير من موظفي الدولة كانوا قد خرجوا من البلاد وراحوا يعملون في الكثير من البلاد العربية وبلاد المهجر، ومنهم من حقق نجاحات وأصاب أموالاً.. كل ذلك دون أن يتركوا الوظيفة التي بقوا يتقاضون رواتبهم منها..
وبالرغم من ذلك فقد شُنت حربْ مضادة على الرئيس الشهيد، تكتلت فيها كل قوى السياسة على اختلاف مشاربها ونزاعاتها دفاعاً عن مناصريها ومؤيديها.. ممن طاولهم المشروع الإصلاحي.. وانتهى الأمر بإصدار القرار بصرف حوالي /800/ شخص، اعترض منهم على قرار مجلس الوزراء /400/ شخص أمام مجلس شورى الدولة.. وأعيد المعترضون بالكامل إلى وظائفهم فيما خلا بالطبع من لم يعترض؟!..
لقد شكلت هذه المسالة صدمة للرئيس الشهيد لكنها لم تقعده.. بل زادته واقعية ومعرفة بالواقع اللبناني.. وحملته على تغيير بعض أساليب التعاطي مع هذا الواقع، وحاول طرح فكرة التعاقد من خارج الإدارة، الذي بإمكانه توفير الطاقات من خارج الإدارة، ومن خارج قيود سلم الأجور في سلسلة الرواتب الوظيفية..
لقد تجاوز الرئيس الشهيد تعقيدات التركيبة اللبنانية في الواقع الوظيفي بالرغم من أهميتها، وإلتَفَتَ إلى الأوجاع المباشرة عسى أن ينسج من خلال مداواتها منصة جديدة للإصلاح.
لم تُقعِده الصدمة ولا خيبة الأمل في الإصلاح، والتف حولها مؤجلاً من دون أن يسقط من حسابه هدفه الأساس في رفع البلد من تحت الركام.. وبوسعنا أن نقدّر حجم الفرصة الضائعة في الرجل الذي يعرف كيف يمتصّ الصدمات بدلاً من أن يتركها تحيده عن أهدافه الأساسية..
الإعمار
حين تولى الرئيس الشهيد رئاسة الحكومة، كان هاجسه الأول هو رفع لبنان من تحت الأنقاض.. كان الأمر يقتضي سباقاً مع الزمن.. كان بعقلية رجل الأعمال الذي يرى كبيراً والذي يحسب أثر الاعمار في الإنتاج.. وكان يحسب الخسائر التي قد تلحق بالإنتاج وبالدخل الوطني بالساعات والأيام..
كان البلد من دون كهرباء ولا ماء ولا اتصالات ولا طرقات، وكانت المباني الحكومية من مدارس ومستشفيات إلى ما هنالك.. هي أيضاً من ضحايا الحرب.. فكان لا بد من التحرك..
كان يعلم أن قيام البلد ونهضته، مرهون بأمر استعادته عافيته كما هو مرتبط بتكبير اقتصاده، وإن هذا بدوره مرتبط بالاستثمار.. وإن الاستثمار يلزمه البنى التحتية.. لأن البنى التحتية بالنسبة لبناء الاقتصاد هي بمثابة الأساس للبناء.. فلا يستطيع أحد أن يتصور إمكانية بناء مصنع في بلد ليس فيه كهرباء وماء وهاتف، وكذلك من المستحيل استقبال سواح في بلد لا طرقات فيه وهكذا.. وبدون إطالة أطلق ورشة الاعمار بالسرعة اللازمة.. ورشة طاولت ترميم كل المباني الحكومية والمدرسية والاستشفائية وطاولت الكهرباء والماء والهاتف.. بسرعة قياسية.. أثارت إعجاب العالم كما أثارت حسد حاسديه، والذين رأوا فيه مارداً حجب عنهم النور والصدارة، كما أقلق الذين لم يكونوا يريدون كبيراً في لبنان يجتمع الناس من حولهِ، فبدأت الحرب المسعورة التي دارت حول أن البلد إدارة عامة لا يدار بعقلية الشركة الخاصة.. وأن البشر أولى من الحجر.. وأنه يلزم التوظيف في المشاريع الإنتاجية وليس في المشاريع الاستثمارية.. وهكذا.. كان رحمه الله لا يلتفت إلى كل معزوفات التجني.. وكان يردد دائماً أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح.. لكن ذلك لا يعني أن الحملة لم تؤثر على مسيرة البناء ووتيرته.. وإن كان ليس هنا من مجال للتفصيل فإن الكل يعرف كيف أدت سياسة التجني إلى التأخير في استكمال مسيرة البناء والإعمار، والعارف بالأمور يعلم كم يكلفنا التأخير من أموال إضافية نتيجة التضخم الذي طاول العالم..
وهكذا.. وحتى في مجال إعادة إعمار البلد، نجد كيف أننا أضعنا فرصة مع رفيق الحريري وبالتأكيد بعد خسارته..
لا يمكن الكلام عن كل فصول الاعمار.. لأن ذلك يتطلب المطولات التي لا تنتهي..  بل سأكتفي بالإشارة إلى بعض العناوين الأساسية التي طاولت الأمور التالية:
• إعادة إصلاح وتجهيز المباني الحكومية.
• إعادة إصلاح وتجهيز المدارس الرسمية.
• تصليح محطات الكهرباء والشبكات والتوسعة.
• تصليح الهاتف وتحديثه والتوسعة في الشبكة والخدمة.
• تصليح المياه وتحديث الشبكات وتوسعتها.
• المطار.
• الطرق والأوتوسترادات.
• الصرف الصحي.
• المدارس المهنية.
• المدارس الأكاديمية.
• الجامعة اللبنانية في الحدث وفي المناطق.
سلسلة لا تنتهي ولن أتوقف إلا عند بعضها لأذكر كيف كان القصف العشوائي في حروب التجني تحيط بمسيرة الاعمار من خلال أرجوزة “البشر قبل الحجر”، ومن خلال الهدر في سعة المطار، والهدر في إنشاء محطات كهربائية تفوق الحاجة.. و..و.. الكثير.. من المواجع التي لا أرغب في تقليبها.. ولكن حين كانوا يتعرضون للرئيس الشهيد في هذه التوافه.. كان رفيق الحريري يحسب للمرحلة الثانية والتوسعة الثانية فهو كان يدرك تماماً أنه ما أن ينتهي إنشاء محطات الكهرباء فانه علينا البدء بالسعي لإنشاء محطات جديدة، لأن توسع العمران والحركة واستعادة البلد لعافيته سيؤدي إلى زيادة الاستهلاك، وبالتالي إلى خلق حاجة مستجدة للطاقة.. والحقيقة أنه لو أنعم الله سبحانه وتعالى على خصومه ببعض من البصيرة التي أنعم بها على رفيق الحريري.. لما كنا نعيش في ظلمات التقنين.. وهذا بعض ما أضعناه من فرص لعدم قدرة البعض على استيعاب رؤية الرئيس الشهيد.

الاقتصاد
كان رفيق الحريري يتمتع برؤية اقتصادية واسعة، وكان يدرك التحولات الاقتصادية في العالم، ويعلم تماماً كيف أن العالم على كبره تحول ويتحول إلى قرية كونية.
كان يعلم أن التقوقع، لن يوفر حاجات اللبنانيين، ولن يحمي اقتصادهم، ولن يؤمن لهم الوَفرة، وأنه لا بد من فهم هذه التغيرات والتعاطي معها والتكيف مع المستجدات، كان يعلم أن الهروب من المستجدات مستحيل، وأن أحسن طريقة للمواجهة هو ركوب موجة التطور والتكيف من الاستفادة من سعة السوق وإمكاناته.. من أجل هذا كانت الاتفاقية الاقتصادية مع سوريا.. ومن أجل هذا كانت اتفاقية التيسير العربية.. ومن أجل هذا كانت اتفاقية الشراكة الأوروبية.. ومن أجل هذا كان التحضير لدخول منظمة التجارة العالمية.
ومن خلال هذا الفهم للتحولات الدولية كان الرئيس الشهيد يعلم أن زمن الحماية الاقتصادية بالتدابير الجمركية قد ولّى.. فضلاً عما يولده من عبء إضافي تتحمل أثره الشرائح الضعيفة من الناس.. إذ أن نظام الحماية في النهاية هو تحميل المستهلك أثماناً للسلع أغلى مما توفره التجارة الحرّة.. وكان يرى أن البدائل الحقيقية هي في التحول إلى إنتاج سلع نملك فيها القدرة على المنافسة، بما نملك من ميزات تفاضلية، وبما نستطيع أن نضيف عليها من قيمة مضافة..
الاتفاقية الاقتصادية مع سوريا
حين وقعت الاتفاقية الاقتصادية مع سوريا تعرض الرئيس الشهيد لكثير من الانتقادات بحجة أنه ليس هناك تكافؤ بين الدولتين.. وان البضائع السورية تُهرب إلى لبنان في حين أن البضائع اللبنانية تدفع الرسوم الجمركية.
كان ملخص الاتفاقية هو تخفيض الرسوم الجمركية على السلع المتبادلة والصناعية منها خاصة على مدى خمس سنوات بمعدل الخمس عن كل سنة.
والحقيقة أن هذه الاتفاقية تختزن من بعد النظر الكثير الكثير.. فهي أولاً فتحت سوقاً للصناعات اللبنانية لتجمع بشري يزيد عن العشرين مليون نسمة.. والمعروف أن أي صناعة لا يمكنها أن تكون منافسة إلا إذا توفر لها سوق أولي لا يقل عن عشرين مليون نسمة..ثم إن صح انه على مدى السنوات الخمس كانت، بفعل الأمر الواقع، تُهرَّب فيه المنتوجات السورية إلى لبنان لتجنب الرسوم الجمركية.. لكن بانقضاء الخمس سنوات توازن الوضع على جهتي الحدود ولم تعد البضاعة اللبنانية تدفع أية رسوم.. وبالطبع لم تعد البضاعة السورية تهرب إلى لبنان.. ويكفي للدلالة على حسنات التدبير.. أنه وبعد انقضاء الخمس سنوات فقد زادت الصادرات اللبنانية خلال الثلاثة أشهر الأولى بنسبة (13%).. ثم أن هذا التدبير يفسح في المجال لاستثمارات جديدة في الصناعة في لبنان بما يوفره لبنان من تسهيلات وخاصة في القطاع المصرفي.. إذ أصبح السوق الاستهلاكي في لبنان هو لعشرين مليوناً بدلاً من أربعة ملايين إنسان..
اتفاقية التيسير وتنمية التبادل التجاري العربية:
لقد انضم لبنان في العام 1997 إلى هذه الاتفاقية التي بدأ تطبيقها في العام 1/1/1998 والتي من مقتضاها رفع كل الرسوم والضرائب عن السلع العربية تدريجياً.وقد انتهى تخفيض الرسوم والضرائب في 2005. وبذلك تحررت المبادلات التجارية من سلع زراعية وصناعية بين الدول الموقعة. وهذه الاتفاقية وَسَّعَتْ مجال السوق للمنتجات اللبنانية وأعطت لبنان زخماً اقتصادياً كبيراً.
اتفاقية الشراكة الأوروبية:
كان الرئيس الشهيد يدرك أهمية الشراكة الأوروبية.. وأثرها على تطوير الخدمات والإنتاج في لبنان.. كان يعرف مدى القوة الشرائية المتنامية في هذه السوق.. وكان يعرف أن القوة الشرائية لمدينة من المدن الكبرى في هذه السوق من شأنها أن تشكل حلاً للكثير من مشاكل التصريف للمنتجات اللبنانية..وكان، رحمه الله، يدرك أن الاستفادة من هذه السوق ستحمل المنتج اللبناني على تحسين إنتاجه ورفع مستواه ليتلاءم مع شروط الاستهلاك في السوق الأوروبي مما سيرفع من مستوى الإنتاج.. فضلاً عن أن التعاطي مع السوق والدخول في الشراكة تتطلب من اللبنانيين سلسلة من الإصلاحات هم بحاجة ماسة إليها وقد تشكل التزامات الشراكة مدخلاً إليها ووسيلة للحث على الإسراع في تطبيقها..والمتابع لإجراءات عقد الشراكة يدرك كيف أعطي لبنان بفضل تدخل الرئيس الحريري فترة سماح إضافية.. وبنفس هذا التوجه بدأ التحضير لدخول منظمة التجارة العالمية.. كان رفيق الحريري يدرك قدرة اللبنانيين على التكيف.. وكان يدرك أن فتح الأسواق أمام اللبنانيين هو المحفز الأهم لتوسيع حجم الاقتصاد بالاستثمار.. وكذلك لرفع مستويات الإنتاج وفق متطلبات السوق..
التدابير الداخلية: 
من ضمن المعرفة بالتغييرات الدولية، وبما أدرك الرئيس الشهيد لما للبنان من ميزات تفاضلية، فانه أعطى الأولويات لقطاع الخدمات لا لأنه لا يؤمن بالتنمية الزراعية أو الصناعية أو الحرفية.. بل لأنه كان يعرف أن قطاع الخدمات الذي يتميز به لبنان هو الأقدر على استعادة عافيته بسرعة وهو سيُنشِّط على وجه التأكيد باقي القطاعات من زراعية وصناعية.
فإصلاح البنى التحتية وتطويرها وبناء المطار ودعم القطاع السياحي لاستعادة عافيته وتخفيض الجمارك ومحاولته إلغاء التوكيلات الحصرية كلها كانت تهدف إلى جعل لبنان قبلة العرب يقصدونها بهدف ما يتمتع به لبنان من ميزات طبيعية في المناخ والتضاريس وجمال الطبيعة ولكن أيضاً بهدف التبضع.. كان يريد لبنان سوقاً لأهل المحيط العربي للتبضع يجمعون من خلاله بين السياحة في ربوع لبنان وشراء حاجياتهم..
وكان يعلم أن الآفاق التي فتحت من خلال الاتفاقية مع سوريا ومن خلال الشراكة الأوروبية والاتفاقية العربية.. كانت كفيلةً بالإفساح في المجال للصناعة القادرة على المنافسة، والقابلة للحياة، في عصر الانفتاح الاقتصادي في عصر عالم بلا حدود.
ولا أدل على ذلك من الاتفاقيات التي وقعت مع الاتحاد الأوروبي لدعم الصناعة اللبنانية بقروض ميسرة.. وكذلك إنشاء مؤسسة إيدال لدعم الصادرات، وإنشاء مؤسسة كفالات، لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة..  
بهذه القدرة الرؤيوية الشاملة تعاطى رفيق الحريري مع تطوير اقتصاد بلاده.. وبالرغم من كل المعوقات التي كانت تزرع في دربه.. ظل الرئيس الشهيد متابعاً ومثابراً يتحين الفرص.. وهكذا نستطيع أن نقدر أية فرصة ضائعة خلفها رحيله. 
الإصلاحات المالية
حين جاء الرئيس الشهيد إلى الحكم كان انهيار العملة يتسارع حتى وصل سعر صرف الدولار إلى ما يزيد عن /2.500/ل.ل. ولم يكن هناك في الأفق من سقف لهذا الانهيار.. والذي عجل في الانهيار، بالإضافة إلى بعض التدابير الخاطئة التي اتخذت في حينه، أنه لا إنتاج في البلد ولا حركة ولا استثمارات.. وكان العمل الوحيد لأهل المال هو المضاربة على العملة..
لقد أوقفت حكومة الرئيس الحريري انهيار العملة وعملت على رفع سعر الصرف تجاه الدولار حتى استقر على /1.500/ل.ل. للدولار.. بالطبع لقد أحزنت هذه التدابير جميع المضاربين على العملة الذين كانوا يُرَوِجون لوجوب ترك الأمور على غاريها.. لكن هذه التدابير في النهاية  أوقفت التضخم وخلقت نوعاً من الاستقرار للشريحة الأكبر من اللبنانيين من عمال وموظفين.. وأعطت ثقة بالقدرة على وفاء الدولة بالتزاماتها المالية، الدولة التي تستوفي من مواطنيها الضرائب بالليرة لتسدد الكثير من التزاماتها المالية تجاه قضايا الاعمار التي كانت تعقد بالدولار.. ويكفي للدلالة على الأثر الإيجابي لذلك في المجال الاستهلاكي مجرد التذكير بأن لبنان بلد مُستورِد. وان انهيار العملة سيلحق الضرر الأكبر بالمستهلك الذي لا تتنامى أجوره بشكل متناسب مع انهيار العملة.. لقد حقق هذا الأمر استقراراً اجتماعياً كبيراً مستمداً من استقرار القوة الشرائية للأجور.
لقد أوقف تثبيت سعر الصرف المضاربة على العملة وتحول الفائض النقدي إما إلى إقراض الحكومة من اجل تنفيذ مشاريع الاعمار، وإما إلى الاستثمارات في البلد لمواكبة عملية الاعمار. في النهاية تحول الفائض النقدي للإنفاق في السوق الذي عمل على تكبير حجم الاقتصاد. طبعاً لقد خلف هذا الانفاق تزايداً في الدين العام وكان الكلفة الطبيعية لثلاثة أمور:
• بناء القدرات العسكرية.
• إعادة عجلة الإدارات العامة.
• إنشاء البنى التحتية .
وإن الذي يقرأ كتيب الحكم والمسؤولية الذي أصدره الرئيس الشهيد بعد اعتزاله التكليف المعيب في العام 1998 يعرف تماماً أن الإنفاق تناول هذه الأمور الثلاثة بما يشبه التساوي..
وأنا إذ أثير هذه المسالة فإنما لأؤكد على مسألة هي أن أي عاقل يعرف بأنه لم يكن من خيار آخر.. وان الذين كانوا يقولون انه كان علينا الانتظار وان نصرف مما نجني هم يعلمون في قرارة أنفسهم أن هذه الأقاويل لا تخرج عن كونها ترهات.. فأي جباية من اقتصاد مدمّر ومعطل؟؟.
وهل كان إعادة بناء الجيش يتحمل الانتظار بعد الخروج من حرب أهلية لم تبق على شيء.. كان بناء القوات المسلحة مهما كلف من مال هو هدف أساس، إذ لا استقرار اقتصادي من دون استقرار سياسي ولا استقرار سياسي من دون استقرار أمني.. كذلك لم يكن بالإمكان الانتظار لتصليح الإدارة وتصحيح الأجور ضمن الإدارة.. ولم يكن بالإمكان الاستعانة بالطاقات الشابة مع أجور أكلها الإنهيار النقدي ومع سلم أجور متواضع. كذلك الأمر لم يكن بالإمكان تعجيل حركة الاقتصاد من صناعة وتجارة وحرف وخدمات.. في ظل غياب خدمات توفرها البنى التحتية من كهرباء وماء واتصالات ومواصلات.. للصناعة والتجارة والخدمات.. لم يكن بالإمكان إلا الإستدانة للإنطلاق.. وهكذا كان.. كان الرئيس الحريري بما له من بعد نظر يعلم أن المشكلة لا تكمن في الإستدانة، بل المهم تكبير حجم الاقتصاد الذي يساعد على توفير المال لإيفاء الديون..
وإن كان ليس هناك من مجال للكلام بالتفاصيل فيكفي القول أن كل التدابير التي اتخذت والتي كان ظاهرها تخفيض نسب الضريبة أو الرسوم إنما كان مردودها زيادة في واردات الخزينة.. فتخفيض ضريبة الدخل زاد في واردات الخزينة إذ كان الجميع يتهرب من دفع ضريبة الدخل..  وتخفيض الرسوم على التبغ زاد من أرباح ومداخيل الخزينة عبر إدارة الريجي إذ أنه قطع التهريب.. وهكذا.. كان هناك رجال يعرفون ما يريدون..
حينما عاد الرئيس الحريري إلى الحكم بعد انتخابات العام 2000 المظفرة كان الدين العام في فترة غيابه عن الحكم قد ارتفع من 16 مليار دولار إلى 24 مليار دولار.. وكان التحدي هو كيف العمل على احتواء الدين وتخفيضه..
لقد حضر الرئيس الشهيد من خلال اتصالاته مؤتمر باريس واحد الذي تضمن من المؤتمرين إعلان نوايا بالمساعدة إذا ما اتخذ لبنان سلسلة من الإجراءات التي توقف الهدر.. (والهدر المقصود به كان كل مال تدفعه الدولة كدعم لأي قطاع أو تحميل أية خسارة).. وكان أفق باريس واحد هو العمل على اتخاذ إجراءات من شأنها توفير كتلة نقدية من بيع بعض القطاعات، وذلك لوفاء جزء من الدين.. إذ من شأن ذلك إضافة إلى تخفيض الدين تخفيض خدمة الدين بالتبعية.. وكان الهاجس في باريس واحد أن يفي لبنان خلال فترة التحضيرات بكل التزاماته المالية التي قد تترتب عليه خلال هذه الفترة كإشارة ايجابية لقدرة لبنان على الالتزام بتعهداته.
والذي حدث أن لبنان أوفى بكل التزاماته المالية وجرى تحضير كل ما طلب منه كتهيئة لباريس اثنين ومن ضمن ذلك جميع القوانين اللازمة لعملية الخصخصة بما في ذلك وقف الهدر المتمادي في تلفزيون لبنان وشركة طيران الشرق الأوسط وغيرهما..
لقد حقق باريس (2) نجاحاً لم يكن يتوقعه  د. الرئيس الشهيد نفسه.. وحين بدأت تتوارد على لبنان الأموال الموعودة من الدول الداعمة، من هبات وقروض، توقف طلب الدولة اللبنانية على الاستدانة مما شكل زيادة في العرض وانخفاضاً في الطلب انعكس فوراً على معدل سعر الفوائد للقطاعين العام والخاص وخفض بالتالي حجم خدمة الدين.. لقد أُذهل خصوم الرئيس ما حصل.. وبدأت الحرب المنظمة التي ابتدأت باستقالة الحكومة التي كان لدولة الرئيس فيها الأكثرية لتنتهي بوزارة لم يكن له فيها سوى خمس وزراء.. وبدأت رحلة العذاب التي انتهت بالتجديد وبالخروج من الحكم..
إن ما حصل من إصلاحات مالية ووقف لتدهور معدلات صرف العملة.. والتي كان فيها للإنصاف دور أساس لمصرف لبنان.. وما تبع ذلك من استدانة لإخراج البلد من حالة الحرب والدمار واستعادة الإدارة العامة.. وما تبع ذلك في العام 2000 وما بعده من تحقيق الإصلاحات المالية والتجاوب الدولي مع لبنان بشخص الرئيس رفيق الحريري والحرب التي تعرض لها لإعاقة عمله يعطي الفكرة الكاملة عن رؤيوية الرئيس الشهيد ويؤكد على حجم الفرصة التي أضعناها بالعنعنات السياسية وبرحيل الرجل.
البعد الاجتماعي
طبعا أنا لن أتكلم عن الشق الخاص في رؤية الرئيس الشهيد الاجتماعية.. فمؤسساته الخاصة تشهد له وليس هذا المكان المناسب بذلك، لكن أريد أن أتكلم عن العام..
أريد الكلام باختصار عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بما يرمز إليه هذا الصندوق من دور اجتماعي في ضمان حقوق كل الطبقة العاملة وتوفير الخدمات لهم بكرامة.
وكان الصندوق الوطني من أولى اهتمامات الرئيس الشهيد، لكن الرئيس كان ينظر إليه بالعين الثاقبة التي تعرف أن الأخطاء المرتكبة ستدمر الصندوق.. وان أي تحميل للصندوق بأمور لا يقوى عليها معناه إما دفعه للهاوية وإما حمل الدولة على تحمل ما هي ليست مسؤولة عنه.. فالصندوق هو تجميع لأموال الناس، أموال العاملين. في شق تعاضدي يتماثل في تعويضات المرض والأمومة وتعويضات الاستشفاء، وفي شق إدخاري يحفظ للمضمون حقه في تعويض نهاية خدمة يعينه على تحمل مرحلة العمر الثالث.
وباختصار كان من المواضيع الأولى التي أثيرت بعد عودته للحكم في العام 2000 والتي كان يتابعها لحين خروجه من الحكم.. وقد بدأها بقرار كلفت بموجبه احدى كبريات شركات التدقيق المالية من أجل التدقيق في حسابات الضمان ووضعه.. وعلى مدى أربع سنوات أمضيتها معه في الحكم لم يقدم ولا تقرير واحد.. الآن ما هو معروف هو انه يوجد تقرير يغطي الوضع حتى نهاية العام 2003، أما ماذا بين العام 2003 والآن.. فالله أعلم بذلك..
وإذ أسوق هذا المثال فللدلالة على اهتمام الرئيس الشهيد بهذا الموضوع.. والمخاوف التي كان يُبديها من عدم الاهتمام بالصندوق وضبطه وحسن تسييره.. وان ما يثار اليوم حول عجز بعض الخدمات في الصندوق والاستعانة لسدادها بأموال مدخرات نهاية الخدمة لهو الدليل الأكيد على صحة مخاوف الرئيس الشهيد.. ومع ذلك فلا أظن أن أحداً ينسى الكلام الذي قيل في ذلك الحين عن خصخصة الصندوق ومحاولة استدانة أمواله؟!..
لا، الرئيس كان شديد الاهتمام بطبعه بكل ما يخص الطبقة العاملة.. لكن مع الأسف كانت الحرب تتطلب إثارة الشبهات حول صدق اهتمامه.. وقبل أن تقع المصيبة لا بد من التساؤل حول الفرص التي أضعناها نتيجة عدم الاستماع وعدم الاستجابة للإصلاحات ولرؤية الرئيس الشهيد في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي.
إن الكلام عن دولة الرئيس رفيق الحريري ودوره لا ينتهي.. وكلما أمعن الواحد في التفاصيل يتبين له الفرصة التي أضعناها خلال حياته وبسبب موته.
لقد كان الرئيس الشهيد طاقة نادرة في رؤيته، في همته، في بعد نظره، في حلمه، في علاقاته، في أحلامه.. والمؤسف أننا وبسبب العنعنات السياسية الصغيرة، وبسبب الخوف من النجاح الذي من شأنه أن يستقطب الناس، كانت الحرب عليه وأمامه وخلفه لإعاقته ولثنيه عن أخذ دوره بالكامل.. بذلك فإن الرئيس الشهيد حتى في حياته كان فرصة ضائعة لم نستطع أن نستفيد من جزء يسير من إمكاناته.. أما بعد موته فانه لا شك إننا خسرنا باستشهاده مصدر الثقة والاطمئنان الذي كان ينثره من حوله وفوق كل الأرض اللبنانية.. ومن بعد استشهاده خسرنا الرجل الذي كان يملك قدرة فائقة على لملمة الأمور وتدوير الزوايا والبدء من جديد.. كان يشكل حتى لخصومه ولمن لا يشاطره أفكاره السياسية عنصر ثقة.. كان يكفي أن يقول “الأمر عندي” حتى يقبل الطرف الآخر.. كان الكل يشعر انه أمام جبل يمكن دائماً الاتكاء عليه خاصة إذا وعد.
لكنها سُنَّة الحياة.. ولن تجد لسنة الله تبديلاً.. وأنا مع كل الخسارة والفرص الضائعة التي أثارها استشهاده.. أعلم علم اليقين بأن الحياة لن تتوقف.. وأن من سُنن الله سبحانه وتعالى في خلقه.. أن الأمم تتدبر أمورها حتى من بعد وفاة الأنبياء.. وهذا ما حصل في كل الأمم.
رفيق الحريري فرصة أضعناها نعم.. لكن رفيق الحريري لم يكن فقط بشخصه بل بنهجه.. وعلينا أن نحافظ على ذلك النهج التنويري، المقدام، المنفتح، المتطور، العمراني، الإنساني، الرؤيوي.. ففيه تعويض عن كثير من الخسارة..
ولعل أكبر إشارة للإصرار على التمسك بنهجه هو أن نلتقي جميعاً يوم الرابع عشر من شباط في ساحة الحرية بالقرب من ضريحه.. والكل مدعو إلى اللقاء في 14 شباط في ساحة الحرية ساحة الشهداء.. والله الموفق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى