إجتماعيات

العوينات والدبابسة في طرابلس

في منطقتي العوينات والدبابسة. وهما زقاقان عندما تدخل فيها تتعجب من كمية وحجم الابنية المبنية على جانبيهما، والمرتفعة على عقود حجرية عظيمة، والمستورة بمداخل ضيقة متعرجة لا يخطر على البال أن يكون وراءها هذا الكم من البنيان، فتدرك أنها أقيمت على نظام عسكري محكم يحميها من الاعداء في حال فكروا بدخول المدينة.

                          العوينات

هي مجموعة أزقة تشكل اليوم مجمعا أثريا يضم زُقاق “رباط الخيل” وفوقه كتابة منقوشة، ونوافذ حربية لرمي السهام. أما الكتابة فهي أربعة أسطر،
الأول: يا فتاح يا رزاق يا كريم يا الله
الثاني: يا باعث الرزق يا كريم يا الله
الثالث: يا قاضي الحاجات يا كريم يا الله
الرابع: في غرة شهر ذي القعدة سنة ١١١٣، ه‍،

وهذا يوحي بأن المكان كان لتجارة الخيل وأن بناءه يعود إلى الفترة العثمانية، وكذلك كل منطقة العوينات يعود بناؤها إلى الفترة العثمانية.

وأما الرباط على اليمين مبنى “الخانقاه” ببوّابتها المملوكية، وبداخلها باحة في وسطها بركة ماء، ومن حولها حُجُرات تسكنها نسوةٌ أرامل لا مُعيل لهنّ، وفي الجهة الجنوبية مسجد، وحجرة فيها قبر السيدة الصالحة صاحبة هذا المبنى الفريد من نوعه في لبنان.

ومن “الخانقاه” نزولاً باتجاه الغرب، وعلى مسافة دقيقة واحدة، يوجد على اليمين، جامع “المُعلَّق” العثماني، بناه “محمود لطفي الزعيم” سنة ٩٦٩ه‍ ، ١٥٧٢ م. وهو فوق صفٍ من الدكاكين وفوق الطريق وبجواره قبر صاحبه “الزعيم”. وقد نقش فوق بوابته سطران يضمان العبارة الآتية:

السطر الأول: “لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، الله ربي.
السطر الثاني: أنشأ هذا المكان العبد الفقير محمود بن لطفي الزعيم سنة ٩٦٩ هـ” أي ١٥٦٢ م.

وعند نهاية الدرج ، بأعلى مدخل الجامع نقشت آية قرآنية والعبارة الآتية:
“وكان تمام إنشائِه في شهر ربيع الأول من شهور سنة سبع وستين وتسعماية ٩٦٧”.

كما نجد فوق نافذة تطلّ على الطريق من الجهة الشمالية، الكتابة الآتية:

“الحمد لله محيي الرمم المنشئ من العدم، أنشأ هذا المكان العبد الفقير محمود بن لطفي الزعيم في شهر محرم سنة ٩٦٣ ” ،

نستنتج من ذلك أنّ بناء الجامع كان في أوائل الحكم العثماني في بلاد الشام، في عهد السلطان سليمان القانوني، وان محمود لطفي الزعيم ربما كان أول والٕ عثماني لطرابلس بعد دخولها في حكم العثمانيين.

وبمواجهة الطريق، تحت الجامع، يوجد “الحمّام الجديد”، بناه والي طرابلس العثماني “إبراهيم باشا العظْم” الذي ولي طرابلس بين عامي (١٧٢١ – ١٧٣٦م)، وبالتالي لا بد من تحرير تاريخ بنائه جيدا لأن البعض يذكر أنه سنة ١٧٤٠م، وهو من أجمل وأفخم الحمّامات. تزيّن بوّابته سلسلةٌ حجرية متداخلة الحلقات، وهي كلها من حجر واحد.

وفي جدار الحمّام عند طرفه الجنوبيّ، سبيل ماء مملوكي يُعرف ب “سبيل التينة”، بناه الأمير “محمد بن مباركشاه” العلائي ١٤١٤م. وبداخله اللوحة التاريخية.

                      الدبابسة

وفي الطريق من الحمّام والسبيل، إلى أشهر المقاهي الشعبية وأكبرها “مقهى موسى” التي يتمّ الوصول إليها في دقيقين، لا بُدّ من الوقوف في منتصف الطريق لنتجه يمينا إلى زقاق الدبابسة الذي لا يختلف في هندسته كثيرا عن منطقة العوينات من حيث التفرعات والتعرجات المخفية، وفي وسطه تقع المدرسة الرجبية، والتي أنشأها الشيخ رجب بن يوسف الذي كان إماما وخطيبا لمسجد القلعة.
وقد حفرت عليها العبارات الآتية:

“أنشأ هذا المكان المبارك .. راجي عفو ربه المجيب
رجب بن يوسف الإمام .. بقلعة طرابلس والخطيب
يرتجي منك رحمة .. فامنن عليه يا قريب.
في شهر رجب الفرد سنة ألف وثلاثة وتسعين (١٠٩٣) هجري”.

نعرف من هذا أنه كان داخل قلعة طرابلس (حصن سفيان بن مجيب الأزدي رضي الله عنه) جامع، وأن الشيخ رجب بن يوسف كان إماما وخطيبا فيه، وكان يسمى (جامع الفتح العثماني)، أسّسه الوزير مصطفى بن اسكندر باشا الخنجرلي في العصر العثماني ، وعندما دخل الحلفاء والانتداب الإفرنسي طرابلس، هدم قائد حامية القلعة الإفرنسية المئذنة، وحول الجامع إلى مربط للخيول، ثم بعد الاستقلال حولته الدولة اللبنانية إلى مطعم.

ومع الترميم الأخير للقلعة كنا نأمل أن يعاد فتح المسجد من جديد. ولا نزال نأمل، وبخاصة أن القلعة اليوم تحت وصاية البلدية.

إنها جولة سريعة في منطقة جغرافية ضيقة من حيث المساحة كبيرة وعظيمة من حيث التاريخ أكثر ما يميزها إهمالها من قبل المعنيين.

وقد بلغنا منذ فترة تصل إلى شهور أن الدولة التركية من خلال مؤسسة تيكا TIKA قد وقعت اتفاقية مع دائرة أوقاف طرابلس لترميم المجمع التاريخي المحيط بجامع المعلق، والذي يحوي زقاق العوينات بمكوناته: الخانقاه، وزقاق الخيل، والابنية الأثرية التابعة له ومنها المدرسة المحمودية التي تضم قبر باني جامع المعلق محمود لطفي الزعيم..
منقول عن صفحة الشيخ الدكتور ماجد درويش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى