المجتمع المدني
رئيس مجلس شورى الدولة محاضرا في نقابة المحامين طرابلس

ألقى رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر محاضرة بعنوان “تأثير الحرب اللبنانية على عمل القضاء”بدعوة من نقابة المحامين في طرابلس ، في إطار محاضرات التدرج التي تنظمها النقابة للمحامين المتدرجين، بحضور الرئيس الأول لمحاكم الإستئناف في الشمال القاضي رضا رعدن المدعي العام الإستئنافي في الشمال عمر حمزة ، قاضي التحقيق الأول رفول بستاني ، المفتش العام للمحاكم السنية في لبنان القاضي نبيل صاري، نقيب المحامين في طرابلس بسام الداية والنقباء السابقين وأعضاء مجلس النقابة والمحامين المتدرجين.إستهلت المحاضرة بالنشيد الوطني اللبناني وألقى النقيب الداية كلمة قال فيها :”كلفني مجلس النقابة أن اسجل بداية التهنئة للبنان عامة وللطائفة المارونية خاصة بإنتخاب غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بطريركا لإنطاكيا وسائر المشرق ، كما أن المجلس قد أجمع أنه من غير المقبول أن يتمادى البعض بإستباحة الشعائر الدينية وتناول المحصنات والمحجبات من النساء الأمر الذي تأباه نقابة المحامين في طرابلس وتؤكد أنه مستهجن ومرفوض بالمطلق .
أضاف: كما أنها مناسبة للتأكيد في هذه الظروف الدقيقة أن لبنان وهو الوطن النهائي لأبنائه جميعا يحتاج إلى الكثير من الحكمة والتعقل من مختلف قياداته لنحفظ بالحوار البنّاء وحدة لبنان ونبلور القواسم المشتركة التي تجمع ولا تفرق .
وألقى أمين التدرج في مجلس النقابة سمير الحسن كلمة قال فيها : من آلاءاللله على بني البشر نعمة النسيان التي تساعد الإنسان على تجاوز المحن والمآسي التي تعترض سبيله فيتجاوزها بالإيمان الصادق وهذه هي حال شعبنا اللبناني الذي عانى سنوات طوال من خرب شعواء دمرت الحجر وأدمت قلوب البشر وتسللت يدها الخبيثة إلى كل المرافق فعطلت القسم الأكبر منها ، وقد أصابت نظامنا الإجتماعي في الصميم فتأثرت بها كل مكونات هذا النظام فمنها ما تفكك وإنهار ومنها ما تصدع ، ومن هذه المكونات نذكر القضاء اللبناني الذي نالت الحرب من بعضه إلا أنها لم تعطل مسيرته .
وتابع: ولما كان القضاة جزءا من المجتمع فقد تأثروا شأنهم شأن سائر أجزائه بهذه الحرب الأليمة ، فمنهم من غرق في لجة الضياع ومنهم من نأى بنفسه عن مصادر السوء وسما بروحه إلى قمم النبل والأخلاق الحميدة ، إن هؤلاء القضاة الشرفاء ظلت جذوة الحق حية في وجدانهم فأعملوا الحكمة وتمسكوا بالعلم والمعرفة ورجحوا كفة الحق على كفة المصلحة الشخصية وضمنوا بذلك السمو والرفعة للمحاكم وصانوا هيكل العدل من الإنهيار وزادوا من متانةمحراب الحق.
وفي مستهل محاضرته قال القاضي صادر:” اليوم نحكي شراكة عندما نحكي كنقابة محامين وعدلية ولم يعد من الممكن ، نستعمل غير كلمة الشراكة لإحقاق الحق فنحن شركاء ولا أتصور بأن هناك تعاونا أكثر من الشراكة في إحقاق الحق لهذا أنا لا أفرق ما بين قاض يسعى لإحقاق الحق وبين محام يسعى لإظهار هذا الحق ، والموضوع الذي نحن بصدده لا يكن أن نتحدث عنه إلا إبن البيت لأن هناك ملاحظات كثيرة على الأداء وعلى سير القضاء من الصعب أن يتقبلها القضاة من الغريب عن هذا المرفق ويمكن أن يكون حديثنا صرخة ولكنه نحو الأفضل ، وأود القول أنه عند وصولي إلى طرابلس إنفتح قلبي من حسن إستقبالكم لي ومن طريقة التعايش المثلى في هذه المدينة ومن إحترامكم للضيف وغمره بالعاطفة والمحبة ويا ليتني خلقت في طرابلس “.
ثم إنتقل المحاضر إلى الحديث عن خصائص لبنان على الصعيدين القضائي والقانوني ومن خصائص لبنان وبحكم موقعه أن يكون لديه قوانين سليمة وأن يكون لديه قضاء سليم حتى وصفه الحبر الأعظم بأنه بلد الرسالة ، ولبنان معد ليكون المنارة في هذه المنطقة ثقافيا وقانونيا أو على صعيد الممارسة الديمقراطية ، وهو بحاجة لمجموعة قوانين تشجع الإستثمار وتصون الإستقرار السياسي ويمكن القول أن لبنان كان كذلك لولا الحرب التي عصفت فيه في العام 1975 .
كما تناول المراحل التي مرت بها القوانين اللبنانية منذ العثمانيين إلى اليوم مرورا بمرحلة الإنتداب ، وإستذكر الدمار الذي لحق بقصر العدل في بيروت وكذلك في طرابلس أثناء الأحداث الدامية وقال: أن الدمار الأول أصاب الحجر وهذا الدمار عندما إنتهت الحرب نجد أن وزارة المالية التي كان مقرها في طلعة بشارة الخوري في بيروت والتي محيت تقريبا من الوجود قامت من جديد في مبان نشاهدها اليوم في الوسط التجاريومزودة بتقنيات حديثة ، في حين أن مباني العدل ، كعدلية بعبدا أو طرابلس قبل أن يتقرر بناء قصر العدل الجديد في هذه المدينة ، وإنظروا إلى العدليات في الأقضية في جب جنين وصغبين وراشيا وزغرتا والضنية فنجد أن المسألة تتطلب “حنّية ” البلديات على السلطة القضائية لتؤمن لها حتى مجرد مكتب ،فدولتنا حتى اليوم لم تقرر بعد الإهتمام بالعدلية ولوعلى صعيد البنى التحتية فما نشهده اليوم هو سياسة ترقيع على صعيد البنى التحتية وهذا الخراب في البنى التحتية أدى أيضا إلى خراب بالملفات وخاصة تلك التي إحترقت كما حصل هنا في طرابلس فالحريق في دوائر النفوس إنعكس سلبا على عمل المحاكم في كثير من الأمورولم يحصل العلاج الجذري لإعادة تكوين هذه الملفات .
.وقال: كما تعلمون العدلية لا يمكن أن تكون بخير مع البارودة فهما نقيضان ، فأثناء الأحداث كان إنعقاد الجلسات يرتبط بالوضع الأمني ما أدى إلى تراكم التبليغات وإختناق في عدد الدعاوى التي لم يبت بها وتراكم عددها وتزايد بحيث أصبح من المتعذر البت بها لعدم صدور تشريعات لرعاية أوضاع معينة نتجت عن الحرب وهذا الإختناق ما زال إلى اليوم لدرجة أن هناك أناسا كثيرين يئسوا من مراجعة ملفاتهم في العدلية ، ففي مجلس شورى الدولة مثلا هناك ملفات من سنة السبعين لم يعد هناك من يلاحقها وعندما حاولت القيام بجردة لهذه الملفات وجدت العديد من المدعين قد توفوا وقد يكون أولادهم قد توفوا أيضا وما تزال هذه الملفات قائمة وبشكل آخر هناك حق ضائع بل أقول أن حقهم علينا كعدلية أن نوصلهم إلى حقوقهم إنما هذا الحق لم يصل .
وتابع:أثناء الحرب وبفعل قلة فعالية المحاكم نشأت بشكل مواز المحاكم الحزبية التي قصدها الناس لتحصيل حقوقهملأن الأحزاب كانت لديها فعالية على الأرض وثقة المواطن بمؤسسات الدولة كانت شبه منعدمة إن لم نقل مفقودة ،وهذه الحالة إستمرت بإنعكاساتها إلى ما بعد إنتهاء الأحداث فكم من إعدامات نفذت وحصلت على الأراضي اللبنانية خارج محاكم الدولة وأحكامها وهذه الأمور لو أخبرنا عنها في دولة ألقانون فيها ساري المفعول لا يمكن أن تقبل بأي حال من الأحوال وهذه الأمور مرت علينا في لبنان وكأنها أمور طبيعية ولم يتم حتى ملاحقة مرتكبيها ،والحرب ولدت أيضا مشاكل عديدة ولاسيما ما يتعلق منها بقضايا المهجرين وكان من المفروض إيجاد حلول سريعة لها عن طريق مشرع ناضج ،فما تم هي تسويات مجحفة ،وما حصل مع قسم من المهجرين هو تجارة للأسف الشديد .
كما تناول مشكلة التشريع ما بعد الحرب ونوعيته وعدد أسماء رجال قانون وقضاء تعاقبوا على إدارة السلطتين القضائية والقانونية وكان لهم الدور البارز في حماية القانون ومنهم بهيج تقي الدين ونصري المعلوف وأنور الخطيب وغيرهم وقال:”كان المشترع اللبناني من النخبة التي عاشت مشاكل الناس وهمومهم والذين درسوا ملفاتهم بكل خبرة وأناة وتجرد لينتج عن كل ذلك تشريعات لا يشوبها أية إشكالية ، وبفعل ” الطائف” الذي وضع حدا للحرب فإنه أتى بأمراء الحب ووضعهم مشرعين فالمصالحة الوطنية التي حصلت بعد الحرب أعطت شهادات تشريع لمن لا يستحقها .
وقال:إن معهد الدروس القضائية الذي كان قائما قبل العام 1975 كان منارة للشرق يقصده التونسي والإماراتي والأردني ومن كل الدول العربية لإجراء دورات لإكتساب الخبرات ، واليوم تدنى المستوى العلمي في كل مراحله وبغياب تلك المنارة تم الإستعانة بنوعية قضاة معينة ،ولكن اليوم لم يعد هناك من مبرر لهذا الأمر وفي الوقت نفسه هناك نقص بعدد القضاة ،فهناك 55 بالمئة من قضاتنا ليس لديهم خمس سنوات خبرة على الأقل هذا يعني أن أكثرية قضاتنا هم جدد وهذا يعني أن هناك جسما مشوها سيما إذا أخذنا بعين الإعتبار لزوم الأخذ بالتوزيع الطائفي في التعيينات الأمر الذي يدفع إلى التعيين بالوكالة من ليسوا مؤهلين للمناصب القضائية ،فأنا ضد الدخول إلى سلك القضاء إلا عبر معهد الدروس القضائية ولكن اليوم الضرورة تقضي بأن يكون لدينا قضاة في محاكم الإستئناف خبرتهم الفعلية في المحامات لا تقل عن 25 سنة ،فلماذا لم يطلب من بين المحامين قضاة لتولي مراكز معينة وهي شاغرة كما الحال في محاكم التمييز ؟فبعد خمس سنوات مثلا كل هؤلاء العمالقة في القانون الموجودين حاليا سيغيبون عن تأدية ومواصلة رسالتهم ،بفعل السن فماذا أعددنا في المقابل؟ والطريقة الوحيدة ولو مرحليا خلال السنوات العشر القادمة أن يتم التعيين على صعيد رؤساء الإستئناف ومستشارين بالتمييز من قبل المحامين ذوي الخبرة العالية .
ووصف ما يقوم به بعض القضاة من مراجعات للوصول إلى مواقع ومراكز بالأمراض السرطانية وقال: أن قضاءنا لم يعد صالحا للتأهيل ،فقضاؤنا بحاجة إلى إعادة إعمار ولا أتصور أن لدى السياسيين نية إلى اليوم بإعادة إعمار العدلية تحسبا وإستباقا لإعادة بناء دولة القانون وأتصور أن العدلية لا يمكن أن تقوم من جديد إلا من خلال قانون يقول للبعض (قمت بعملك شكرا لك وإذهب إلى بيتك) هذا الذي يجب أن يحصل لإعطاء الأمل للقضاة الصالحين ،وأعتقد إذا تم تخفيف 10 بالمئة من عدد القضاة فإن ذلك ينفع أكثر بوجود هذا العشر الغير صالح ،ولا بد أن نشهد للحق أن هناك قضاة قرروا أن يقاوموا وهؤلاء فعلا هم قضاة شباب يمثلون نمطا من التجرد والعلم والأخلاق وبقوا بعيدين عن كل المغريات .ويمكن إعتبارهم النقطة الأساس في إعادة بناء العدلية .
وختم:في العام 2005 أشار المحقق الدولي فيتز جيرالد أن السلطات الأمنية والقضائية ليس لها الإمكانيات للتحقيق في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ،ولنفترض أن لديها هذه الإمكانيات ليس لديها الإرادة ، واليوم الإهتمام بالقضاء يجب أن يبدأ برأس السلطة القضائية فنحن مقدمون على إختيار رئيس مجلس قضاء أعلى وأنا أتعجب أن يكون هناك قضاة “يركضون” للوصول إلى هذا المركز ، فقضاؤنا في أزمة ولم يمر بهكذا أزمة منذ أربعين سنة ومن سيأتي إلى مجلس القضاء الأعلى سيتعب كثيرا ولا أعرف إذا لقاء تعبه سينال نوعا من جزاء معين .



Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development