ماذا يتطلب قيام نظام عالمي جديد؟ – دراسة تحليلية
د.أيمن عمر/ باحث اقتصادي

مقدمة
إن حركة التاريخ في تطور مستمر، أفَلَت شمس العديد من الأمم التي كانت مهيمنة في الأزمنة القديمة، وهناك أمم ما زالت تصارع للحفاظ على بقائها، وأخرى تعيش على أمجاد تاريخية غابرة. التاريخ لا يعترف إلا بالأقوياء، وتبدل الأنظمة العالمية هو سياق طبيعي لتطور الأمم والمجتمعات، وإن قيام أي نظام عالمي جديد لا يُبنى إلا على أصوات الرصاص والصواريخ ولا تُخَط ملامحه إلا بلون الدماء. من هنا فإن الطلقة الأولى التي أطلقها بوتين في 24فبراير/ شباط المنصرم لم تكن موجهة إلى أوكرانيا، وإنما كانت إلى النظام العالمي الآحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ليعلن من خلالها عن بدء نظام عالمي جديد في التشكل وكسر الآحادية القطبية الأميركية. إذ إن جميع المتطلبات الاقتصادية والعسكرية والظروف السياسية أصبحت مؤاتية لولادة هذا النظام. إن تغيرات جذرية حدثت في موازين القوى الدولية، لاعبون جدد أصبحوا فاعلين على مسرح الأحداث العالمية، وتقاسم النفوذ العالمي بدأ يأخذ مجراه في الخرائط العالمية
البريكس والخرائط الجديدة
تعتبر دول البريكس وأعضاؤها الجدد هم المؤهلون فعليًا لمزاحمة الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي الجديد. أبصر تحالف دول البريكس النور في العام 2006 من 5 دول: البرازيل، روسيا، الهند والصين، وانضم إليهم في 2009 جنوب أفريقيا، وذلك بغية إنشاء تكتل دولي في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية. ثم انضم إلى البريكس كل من: الجزائر، الأرجنتين، كمبوديا، مصر، أثيوبيا، فيجي، أندونيسيا، إيران، كازاخستان، السنغال، أوزباكستان، ماليزيا وتايلند، ومن المتوقع انضمام كل من المملكة العربية السعودية وتركيا. تحتل دول البريكس 29.3% من مساحة الكرة الأرضية، وتشكل 45% من سكانها. تسهم هذه الدول بـ 33% من الناتج المحلي العالمي أي ثلث الاقتصاد العالمي، و بـ 20% من التجارة العالمية. تنتج دول البريكس 26% من إجمالي النفط في العالم، 46% من إنتاج القمح العالمي، 40% من الإجمالي العالمي في إنتاج حبوب الذرة، 50% من الإجمالي العالمي في إنتاج الحديد المستخدم في صناعة الصلب الضروري في قطاع الصناعة(1). ما يتيح لهذا التكتل قدرات اقتصادية وموارد طبيعية وإمكانيات غذائية وقوة عسكرية هائلة وامتداد جغرافي واسع، تجعلها قادرة على تغيير موازين القوى العالمية وفرض شروط وقواعد عالمية جديدة. وبالتالي سيشهد العالم تكتلين جبارين على طريقة الحرب الباردة: الناتو بقيادة الولايات المتحدة من جهة والبريكس بقيادة روسيا والصين من جهة أخرى.
متطلبات النظام العالمي الجديد الاقتصادية
ليس من السهولة بمكان منازعة الولايات المتحدة الأميركية على قيادة النظام العالمي، لما تملكه من أدوات تأثيرية ووسائل هيمنة عليه من الصعب تقليص فعاليتها. إن مسار ولادة نظام عالمي جديد طويل ومعقد يستلزم المرور بعدة مراحل في مقدمها وقوع حرب عالمية أو كبرى تغير من موازين القوى العسكرية، وهذا ما نشهده من خلال الغزو الروسي لأوكرانيا، تاليًا وقوع أزمات مالية واقتصادية عالمية وهذا ما يحدث فعليا في أوروبا وحتى في الولايات المتحدة الأميركية حيث بلغت معدلات التضخم مستويات غير مسبوقة من 40 عامًا. إن استكمال ولادة نظام عالمي جديد يتطلب ما يلي:
- التحلل من هيمنة الدولار: إن السلاح الأجدى بيد الولايات المتحدة الأميركية هو الدولار وهيمنته على الاقتصاد العالمي، إذ يُشكل الدولار الأميركي 59% من احتياطات البنوك المركزية في العالم من العملات الأجنبية وهو أدنى مستوى منذ 25 عامًا، بعد أن وصل إلى 71% في العام 1999 (2). وقد بدأت الإجراءات العملية ومحاولات فك هيمنة الدولار العالمية، وهذا ما دعا إليه الرئيس الروسي بوتين والعمل على اعتماد سلّة من العملات في التبادلات الدولية. وتقوم الصين بتخفيض حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لسادس شهر على التوالي. فقد أظهرت بيانات من وزارة الخزانة الأميركية في 18 تموز الحالي أن اليابان والصين قلصتا حيازاتهما من سندات الخزانة الأميركية في أيار إلى أدنى مستويات في عدة أعوام. وأشارت البيانات إلى أن حيازات الصين من الدين الحكومي الأميركي، هبطت إلى 980.8 مليار دولار في أيار، وهو أدنى مستوى منذ أيار 2010 عندما كانت تلك الحيازات 843.7 مليار دولار، وفي نيسان بلغت حيازات الصين 1.003 تريليون دولار. وأوضحت البيانات أن حيازات اليابان تراجعت إلى 1.212 تريليون دولار، وهو أدنى مستوى منذ كانون الثاني 2020 عندما كان رصيد البلاد من سندات الخزانة الأميركية 1.211 تريليون دولار. وفي نيسان بلغت حيازات اليابان 1.218 تريليون دولار. وهبط إجمالي الحيازات الأجنبية في سندات الخزانة الأميركية إلى 7.421 تريليون دولار في أيار بعد أن وصل إلى 7.455 تريليون دولار في نيسان الماضي(3).
- بناء نظام للمدفوعات الدولية متحرر من سطوة الدولار: وصل استحواذ الدولار إلى 88.3% تقريبًا من جميع معاملات العملات الأجنبية في سوق تداول العملات الأجنبية الذي يتجاوز 6.6 تريليونات دولار أميركي في اليوم، وهو رقم حافظ على أعلى مستوياته طيلة 18 عامًا(4). تسعى دول البريكس وعلى رأسها روسيا والصين حاليًا إلى الانتقال الهادئ لنظام نقدي دولي يعتمد على سلة عملات، ومحاولة فك ارتباط معاملاتها الدولية وتقييم مدفوعاتها على أساس الدولار. وقد اتفق كل من البنك المركزي الروسي وبنك الشعب الصيني (البنك المركزي)، على إنشاء نظام تسوية فوري بين اليوان والروبل. وقررت روسيا والهند استخدام عملاتها الوطنية في الصفقات العسكرية المبرمة بين البلدين، كل هذا يأتي من ضمن خطة طويلة الأجل للحدّ من هيمنة الدولار وتأثيره في اقتصاديات هذه الدول.
- إنشاء نظام للتحويلات المالية بديلًا عن السويفت: تأسس نظام سويفت للتحويلات المالية العالمية في عام 1973 وبدأ نشاطه العام 1977، وأصبح واحدًا من أكبر شبكات التعاملات المالية بين المصارف. يقع مقر الشركة، التي يُشير اسمها إلى الأحرف الأولى من اسم «جمعية الاتصالات المالية العالمية»، في العاصمة البلجيكية بروكسل، وهي تشمل حوالي11507 مؤسسات مصرفية في أكثر من 200 دولة ومنطقة. تخضع سويفت لهيمنة الولايات المتحدة الاميركية عليها بحيث تستخدمها في العقوبات الاقتصادية على الدول التي تخالف سياساتها من خلال تجميد أموال وأصول تلك الدول، وذلك بحسب الاتفاقية التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في منتصف 2010 التي تسمح رسميًا لخدمات الخزانة الأميركية بالوصول إلى البيانات المصرفية الأوروبية(5). استحدثت روسيا في 2014 نظامًا خاصًا لتحويل الرسائل المالية الخاص بها “إس بي إف سي” (SBFC)، ليكون بديلًا عن نظام “سويفت الدولي لتحويل الأموال، وأثارت الأزمة الأوكرانية هذه القضية من جديد، لذلك فإن القدرة على التخفيف من تأثير سويفت على التحويلات المالية العالمية من ضمن متطلبات النظام العالمي الجديد.
- فك ارتباط البترول بالدولار: عقب أزمة النفط العالمية 1974، قررت السعودية تسعير صادراتها النفطية بالدولار وقامت معظم الدول بهذه الخطوة التي أفرزت ما يُعرف بالبترودولار، ما كرّس هيمنة الدولار على الاقتصاديات العالمية بمجملها عبر ربط أهم مورد طبيعي حيوي بالدولار. لتحقيق هذا الهدف أطلقت الصين بورصة لعقود النفط الآجلة مقومة بعملتها “اليوان” في آذار العام الماضي. وبعد العقوبات الغربية على روسيا اتخذت روسيا قرارًا بتسعير وارداتها من النفط والغاز وبيعها على أساس الروبل الروسي، بل طالبت روسيا الهند بدفع جزء من التزاماتها بالدرهم الإماراتي. ويبدو أن الفكاك بين الدولار وأهم مورد طاقة حيوي يأخذ طريقه في المسار الصحيح، ولكنه سيأخذ مداه في التحقق.
- تطوير أسواق المال البديلة: يرتبط الاقتصاد العالمي بمجمله بالسوق المالي الأميركي عبر أهم بورصتين في العالم وهما نيويورك بقيمة سوقية قدرها 28.36 تريليون دولار وناسداك بقيمة سوقية قدرها 22.33 تريليون دولار أي مجموع القيمة السوقية لهاتين البورصتين لوحدهما تبلغ 50.69 تريليون دولار وهي تعدل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي. وتأتي في المرتبة الثالثة بورصة شنغهاي الصينية7.81 تريليون دولار، وفي المرتبة السادسة بورصة شنتشن 5.69 تريليون دولار بمجموع 13.5 تريليون(6). إذًا السوق المالي الأميركي أكبر من نظيره الصيني بأقل من 4 أضعاف، وما زال السوق المالي الأميركي هو السوق الأكبر والمؤثر الأول في أسواق المال في العالم.
- إنشاء منظمات مالية دولية شبيهة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي: ساهم كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تكريس هيمنة الولايات المتحدة والفكر الغربي الرأسمالي على الاقتصاد العالمي. لذلك سعت دول البريكس إلى تأسيس منظمات مالية دولية بديلة ومنافسة لهما في تموز 2014 وهو بنك التنمية الجديد برأسمال 50 مليار وصندوق احتياط نقدي جديد بقيمة 100 مليار دولار.
- إنشاء شبكة إنترنت بديلة عن الشبكة الأميركية: أصبح الاقتصاد الرقمي هو الاقتصاد المهيمن عالميًا وهو يعتمد على شبكة الإنترنت العالمية التي تهيمن عليها مؤسسة (Internet Corporation for Assigned Names and Numbers) المعروفة اختصارا بـ (ICANN)ومركزها كاليفورنيا، وهي على علاقة وثيقة بالحكومة الأمريكية في واشنطن، وخاضعة لتمويلها. وصلت التجارة الإلكترونية إلى 26.7 تريليون دولار عززتها جائحة كوفيد 19(8)، والتي تحدث عن طريق شبكة الإنترنت إذ يتم بيع السلع والخدمات وتسويقها إلى مختلف أنحاء العالم من مختلف أنحاء العالم. وقد أصبح الإنترنت الأداة الأساسية في التجارة الخارجية، بل وفي السياسة والثقافة والإعلام. من هنا فإن توفير شبكة منافسة وبديلة للشبكة الأميركية يعتبر من أهم متطلبات ركائز نظام عالمي متعدد الأقطاب.
الخاتمة
منذ إعلان جورج بوش الأب في بداية تسعينيات القرن الماضي عن النظام العالمي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفرّد الولايات المتحدة الأميركية بقيادته، والعالم يشهد مزيدًا من الحروب والأزمات الاقتصادية العالمية والأوبئة. إن الحاجة إلى نشوء نظام عالمي جديد هو حاجة بشرية ملحة، من هنا مقولة هنري كيسنجر: “لا بد من بناء نظام عالمي جديد لا يعتمد على قطب واحد”. إن التغيير في الأنظمة العالمية هو صيرورة تاريخية تفرضها تبدلات التكنولوجيا وتطور المجتمعات والفكر الإنساني، وإن بروز قوى فاعلة عالميًا لا بد من أن ينعكس في موازين القوى العالمية ويغير من قواعد العلاقات الدولية وشروطها. برزت الصين كقوة اقتصادية عالمية تنافس الولايات المتحدة في حجم الناتج المحلي وكثاني أكبر اقتصاد عالمي، بل وقد تحتل المرتبة الأولى عالميًا لاحقًا. روسيا استطاعت لملمة شملها بعد تفككها ورممت من جديد قواها العسكرية والتكنولوجية، وأعادت شحن قوميتها كقوة عظمى وخاضت حتى الآن حربين في سوريا وأوكرانيا لتثبيت تفوقها العسكري العالمي ولتزاحم الولايات المتحدة في عدة مناطق نفوذ عالمية. وقد شكلت الصين مع روسيا تحالف البريكس ليكون منصة استقطاب دولي في مسار الصراعات الدولية. ولكن الولايات المتحدة الأميركية حتى الآن بما تملك من تأثير في أهم مفاصل ومرتكزات النظام العالمي ستبقى هي الفاعل الأول فيه، ويتطلب من الدول المنافسة لها تأسيس ما تم الإشارة إليه أعلاه من أجل قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهذا مسار طويل. نجحت الولايات المتحدة في فرض نموذجها الاقتصادي والثقافي والسياسي عالميا، وأصبح نمط الاستهلاك الأميركي واللغة الإنكليزية نموذجًا يُحتذى به عالميًا، وهذا يعتبر بحد ذاته من أكبر تحديات النظام العالمي الجديد. وإذا لم تكتمل متطلبات فك الترابط العضوي بين النظام الحالي ومرتكزاته، فإننا أمام استمرار للنظام الحالي وستبقى الهيمنة العامة عليه للولايات المتحدة وإن كانت بنسبة أقل من السابق.
المراجع
1- Philip Pilkington, The new BRICS is a mortal threat to the west, UnHerd, 29 june 2022 (entry date 29 july 2022), https://bit.ly/3OOtkFX
2- صندوق النقد الدولي، نصيب الدولار الأمريكي من احتياطي العملات الأجنبية العالمي يهبط إلى مستوى لم يشهده منذ 25 عاما، 5 مايو/ أيار 2022 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://bit.ly/3cO77L7
3- الاقتصاد البوم، الخزانة الأميركية: اليابان والصين يقلصان حيازتهما من السندات لأدنى مستويات، 23 يوليو/ تموز 2022 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://bit.ly/3JaS7mG
4- جريدة الاقتصادية، 6.6 تريليون دولار تداولات يومية للعملات العالمية والهيمنة للدولار بنسبة 88.3%، 27 سبتمبر/ أيلول 2019 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://bit.ly/3bgojIH
5- جريدة الشرق الأوسط، ما هو نظام «سويفت» الذي يُشهره الغرب سلاحًا أمام روسيا؟، 27 فبراير/ شباط 2022 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://bit.ly/3cMYmAS
6- أرقام، أكبر البورصات في العالم من حيث القيمة السوقية .. والسعودية بالقائمة، 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://bit.ly/3zcDx9D
7- رويترز، مجموعة بريكس تدشن بنك التنمية الجديد في شنغهاي، 21 يوليو/ تموز 2015 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)، https://reut.rs/3vperTX
8- الأمم المتحدة، أونكتاد: كوفيد-19 يعزز المبيعات عبر الإنترنت والتجارة الإلكترونية العالمية تقفز إلى 26.7 تريليون دولار، 3 مايو/ أيار 2021 (تاريخ الدخول 28 يوليو/ تموز 2022)،




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development