ضرورات الحرية بقلم: محمد علي الحلبي

إنها الثلاثية الضرورية والمُلزمة،والملتزمة،والمرافقة للوجود المادي الإنساني المتميز عن غيره من الكائنات الحيّة بوجوده الروحي،وثلاثيته:العقل…الحرية….الإبداع.
العـقـل:
في التعريف،هو مصطلح يُستعمل لوصف الوظائف العليا للدماغ البشري،وخاصة تلك الوظائف التي يكون فيها الإنسان واعياً بشكل شخصي مثل:التفكير،الجدل،الذاكرة،الذكاء،وحتى الانفعال العاطفي،والنظريات حول العقل تعود لعهد أفلاطون وأرسطو،وتحديداً للعصر الإغريقي حيث ركزت الفلسفات على العلاقة بين العقل والروح…. “الجوهر الإلهي المُفترض للذات الإنسانية “،وجاءت القدسية لتُغلف الروح شقيقة العقل وصنوّه في الآية الكريمة:
“ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ً”وجاء في تفسير(القرطبي)عن الروح بأنها أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله.
ولأهمية العقل في الوجود الإنساني فمن مكامنه تنفجر ينابيع الحياة،لذا أطلق عليه العرب مسميات عدة كان منها اللبّ،ولبّ الشيء أفضله،والأرب،والحجر،والنهى،والحول،ولو أمعنا النظر في جملة معانيها الموحدة لها لوجدنا أنها رادعة ومبعدة،بل وحاجزة عن الزلل والخطأ، وخلاّقة للأصول والقيم والمبادئ .
وحكاية من حكايا الأثر القديم تحمل حكمة وجودية جاءت في كتاب(بحار الأنوار)لمؤلفه”محمد باقر المجلسي” ورغم خضوعها للمحاكمة العقلية لأن روايتها جاءت في مطلع بدء الخليقة،ولم تَرد في كتب دينية قديمة أخرى إلا أنها تحمل بعضاً من إبداعات الخالق “يُحكى أن جبريل عليه السلام أتى آدم،فقال له: “إنني أتيتك بثلاث فاختر واحدة منها،فقال:وما هي يا جبريل؟!…قال:العقل، والدين، والحياء، قال:قد اخترت العقل، فخرج جبريل وقال للحياء والدين:ارجعا فقد اختار عليكما العقل،فقالا:أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان،قال:شأنكما،ثم عرج إلى السماء”.
إذاً فحيثما وُجد العقل تلازم معه الحياء و الطهارة، وتلازم أيضا النقاء، والصفاء، والدين، وعبادة الخالق، والتمسك بشرائعه والعمل بموجبها.
من هنا ركز القرآن الكريم على تعدد مسميات العقل،وكررها مرات عدة في آياته الكريمة،فقد وردت هذه الكلمة مع مشتقاتها49مرة،وكان نصيب تنوعات كلمة اللبّ19مرة،أما مشتقات النُهى فقد وصل تعدادها إلى56مرة،ويتوسع كتاب الله في الشروح ضمن سور وآيات،وكان البدء مع بدء الخليقة والحياة عندما علّم جلت قدرته آدم الأسماء قبل بدء حواره مع الملائكة،فجاءت الآية31من سورة البقرة”وعلمّ آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين”وكل التفاسير لهذا النص تؤكد أن آدم تلقى المعلومات والمعرفة عن الواقع من ربه،والذات الإلهية تكرم الإنسان فتتخذ منه خليفة في الأرض،وجاءت الآية30من سورة البقرة لتكرس هذا المعنى”وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”وهنا المعنى على الإطلاق،إنما في سورة(ص)الآية26تقول:”يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب”والخلافة الأرضية في جملة ما ارتبطت به ارتبطت بتطبيق مفهوم الحق بشموليته وتعدد جوانبه لأن من أسماء الله الحسنى….الحق،وهو الموجود حقيقة….موجود على وجه لا يقبل العدم،ولا يتغير،والكل منه وإليه،وهو كما عرّفه الفلاسفة مطلق الحق والخير والجمال،وتتوسع الرؤية الإلهية المطلوبة من الإنسان وفيها طلب المعرفة والعلم لتشمل الكون الرحب الواسع الأرجاء في قوله تعالى:”إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون خلق السموات والأرض”سورة آل عمران،الآية190،والرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم يقول في رائعة من روائعه مؤكداً على قيمة العقل وأهميته:”من كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة”ومن مدينة بيت لحم ومعناها في اللغة الآرامية- بيت الخير- وفي إحدى مغاراتها كانت ولادة مريم العذراء ليسوع المسيح عليه السلام.
ومن فلسطين أرض المقدسات انطلقت مفاهيم الدين المسيحي المؤمنة والمثبتة أن الله جلت قدرته مثلث الأقانيم 0000الذات،العقل،والروح،وبكلمة الربّ صُنعت السموات،والمُتعبد أغناطيوس ديك يكتب”الإيمان والعقل متكاملان لبلوغ الحقيقة،وهما بمثابة الجناحين اللذين يُمكنان الإنسان من الارتقاء إلى كامل الحقيقة،والإيمان لا يتدخل ليقلل من استقلالية العقل،أو لينقص من رفعة عمله،ولكن ليُفهم الإنسان أن الله يتجلى ويعمل من خلال هذه الأحداث،ومن المستحيل أن يقوم صراع أو منافسة بين العقل والإيمان”و (سفر الحكمة) يؤكد أن الإنسان إذا عمل فكره في الطبيعة بإمكانه أن يرتقي منها إلى الخالق…إنه يُعظم جمال المبروءات ليبصر حالها عن طريق المقايسة،والله وضع في جذور الخلق قدرة العقل على أن يتخطى المعطيات الحسيّة بلا عناء ليدرك كل شيء…أعني الحقائق ” ،والفكر العربي وفي أبيات شعر لشعراء من العصر الجاهلي،ومن صدر الإسلام أظهروا قيمة العقل وأهميته،فالشاعرة الجاهلية(هند بنت الخس)المجهولة تاريخ الولادة والوفاة قال عنها”الجاحظ”بأنها من أهل الدهاء والكلام الصحيح تقول وقد تأججت عواطفها ومشاعرها،وغمرتها أمواج الحبّ:
وليس الفتى عندي بشيء أعده إذا كان ذا مال من العقل مفلس
ويجاري صاحبة الكلام الصحيح الشاعر الجاهلي”صخر ألغي “وهو أيضاً مجهول تاريخ الولادة والوفاة،وقد قتلته جماعة من خزاعة يقول:
فيخبره بأن العقل عندي جراز لا أفلّ…لا أفلّ…ولا أنيث
والجراز:السيف الحاد،وأفلّ:العدم،والأنيث : اللين،السهل.
الحرية:
تحدثنا عن العلاقة الوشيجة والمتينة بين الروح والعقل،ولأن الروح من أمر الله،ولأن العقل بأمر منه فهما في تجوال دائم في آفاق الكون هدفهما الوصول للحكمة،وهي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم،وتعبيراً عن هذه الصورة الجميلة وضع العديد من المفكرين تعبير”طائر الحكمة” وهو اسم رائع للباحث عن الحقيقة الموضوعية وعن الحق الأزلي الأبدي زاده في بحثه أجنحة ترتفع به إلى الأعالي…. و السماء الصافية محاولا الاقتراب من النجوم في ألقها،وآخذاً من الشمس الكثير من نورها وضيائها،والنور هو الأداة والطريقة الوحيدة لليقين،واليقين انكشاف الحقيقة،ومن سما أكثر في تحليقه،وعلا اقترب من الحقيقة الأزلية لكنه مايزال بعيداً عنها،والتجوال في السماء من أجل توسيع آفاق البصر وزيادة قدرات البصيرة والفطنة لايكون إلا للأحرار الذين يجوبون الكون بكل أرجائه بحثاً عن عمق المعرفة،ولأن من نواميس الحياة وقوانينها أن تزود الأحياء كلها بطاقة تحركها وإلا ماتت،وعادت للتراب،وطواها النسيان كذلك الفكر فغذاؤه وشحنة طاقاته الحرية،فإن انعدمت دخل الفكر في رحلة الموت الدماغي فتتوقف فيه كل حالات الإبداع،ويبقى والجسد الذي يحتويه بلا معنى،وتلك بدايات الموت الأبدي حيث ينتقل للعالم الآخر ولا معنى له.
إن مفهوم الحرية عند المفكر”جان جاك روسو”هو من المفاهيم الأساسية في الفكر الإنساني،وهام جداً في الاتجاهات الفكرية،السياسية،والتربوية،والغاية من التربية الحصول على الحرية والفضيلة،ولا يمكن أن تكون هناك وطنية بلا حرية وبلا مواطنين،والحرية حق طبيعي للإنسان،فالإنسان يولد حراً،وحَدد مفهوم الحرية”بأنه التوازن بين الإرادة والقوة،والرجل الحرّ هو الذي يفعل ما يريد،ولا يريد أكثر ما يستطيع”.
ومنذ القِدم كانت للحرية جذور راسخة في الفكر العربي،وفي كتاب(الجديد حول الشرق القديم) لمؤلفه “بونفار ليفين” والمُتَرجم من قبل السيد”جابر أبي جابر”ونقل عنه السيد”توفيق المديني”في كتابه (المجتمع المدني والسلطة السياسية في الوطن العربي ) يقول المؤلف:”المنطقة العربية تعتبر أول المناطق في العالم التي عرفت العمل الاجتماعي،والوعي الاجتماعي المتجسد في الأسطورة والدين” ويعتبر أن الثورة ” النيولوتية ” التي ظهرت في العصر الحجري قد حققت انقلاباً عظيماً على صعيد حياة الإنسان باهتدائه إلى الزراعة،وعملية توسيعها وتدجين الحيوان حيث أن هذا القطع التاريخي مع ما سبقه قد تمّ في المنطقة العربية….سوريا – العراق – ومصر بالدرجة الأولى، ومهّد لتطورات اجتماعية، سياسية، وفكرية على غاية في الأهمية عاشتها هذه المنطقة في تاريخها القديم، فقد كانت هذه مهداً ومركزاً للديانات السماوية”.
والمعروف أن اللغة،والكتابة،والتدوين قد تمّ اختراعها في بلاد وادي الرافدين بذلك اضطلعت “سومر” بمركز الطليعة الفكرية والحضارية في بلاد الشرق الأدنى،وسبقت مصر في خلق أول حضارة مزدهرة،وكانت مدينة”الوركاء”–“أوروك”من أقدم المدن السورية،وتقع شرق الفرات من ناحية”السماوة”،ويسمى عصر ازدهار الحضارة السومرية بعصر الوركا نسبة إلى”أورك”الشهيرة والمعروفة في التوراة تحت اسم”أريخ” , وتوسعت آفاق الحريات الخلاقة،وعنها قال السيد”طه باقر”مؤلف كتاب (تاريخ العراق القديم) :”أن نظرية نشوء الكون والحياة في تيبور عزاها “جاك بيران” إلى تطور القانون الدولي الذي جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية ممكنة بين المدن مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع نظرية نشوء الكون والحياة”وفي نفس الكتاب يقول:”كانت الإمبراطورية السرجونية انتصاراً للحضارة السومرية،ولم يقدم-سرجون الأكادي- إلا فكره السياسي والقومي،ولغته العربية الجميلة التعبير،ودولة سرجون المركزية لم تكن نزوعاً عسكرياً بقدر ما كانت تريد تحقيق الصلاح وتحرير الإنسان”.
ولأن المنطقة الممتدة من جبال طوروس شمالا ًإلى الجزيرة العربية جنوباً وصلت إلى مستويات فكرية وحضارية،فلقد كرّم الله أهلها برسالاته السماوية الثلاث اليهودية،المسيحية،والإسلام،والبحث في جملة تعاليمها وتفاصيلها خارج عن إطار موضوعنا،ويحتاج لا إلى دراسة،بل الى دراسات عميقة متعمقة،ومقارنات للوصول إلى ما أراده الله العليّ القدير لعباده لكي يعيشوا متمسكين وقانعين بالقيمة المنظمة للعلاقات الإنسانية بأروع صورها.
كانت اليهودية،وكانت الوصايا العشر،والمحددة،والموجودة في سفريّ”الخروج”و”التثنية”والتي نظمت أربع منها العلاقة بين الربّ والإنسان بينما كانت الست الأخرى مُنظمة للعلاقة بين البشر بعضهم مع بعض،والأخيرة ألزمت بإكرام الأب والأم،عدم قتل الإنسان،عدم السرقة، وشهادة الزور،والزنا،ورغم أن التوراة في العهد القديم تذكر وتؤكد على معاملة المؤمن الغريب كمعاملة المؤمن من بني إسرائيل لكن الخلط أصاب هذا المفهوم سريعاً،والتوراة تعني بالعبرية التعليم،أو التوجيه،وقد ذهب الجمهور إلى أن اشتقاق هذه الكلمة من ورى الزند يري إذا قدح وظهر منه النار فكان التوراة ضياء من الظلال،لكن التحريف أصابها،وبيّن القرآن الكريم ذلك في سورة البقرة الآية 79 في قوله تعالى:”ويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا ًفويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون”وجاءت الآية السادسة من سورة الجمعة لتكشف زيف إدعاءات اليهود في قوله تعالى:”قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين”والتحريف الذي تحدث عنه القرآن الكريم يأتي كتاب (برتوكولات حكماء صهيون) وتعاليم التلمود،وتحديداً في البرتوكول الخامس مؤكداً الابتعاد عن التعاليم الناظمة للعلاقات بين البشر إذ يقول:”إننا سننظم حكومة مركزية قوية لكي نحصل على القوى الاجتماعية لأنفسنا،وسنضبط حياة رعايانا السياسية بقوانين جديدة كما لو كانوا أجزاء كثيرة في جهاز،ومثل هذه القوانين ستكبح جماح كل حرية،وكل نزعة تحريرية يسمح بها الأمميون”غير اليهود” وبذلك يعظم سلطاننا فيصبح استبداداً يبلغ من القوة درجة تستطيع معها في أي زمان،أو مكان أن يسجن الساقطين المتمردين من غير اليهود،سيقال أن نوع الاستبداد الذي نقترحه لن يناسب التقدم الحالي للحضارة غير أننا سنبرهن لكم على أن العكس هو الصحيح إن الناس عندما كانوا ينظرون إلى ملوكهم نظرتهم إلى إرادة الله كانوا يستسلمون في هدوء إلى استبداد ملوكهم”.
إنها أفكار مستمدة من تقسيمهم لشعوب العالم إلى ” أخيار” هم اليهود،و” أغيار” البقية الباقية مجيزين لأنفسهم،بل محللين لها ارتكاب كل الجرائم بحق الأغيار.
لكن السيد المسيح عليه السلام وفي رسالته السماوية يقول:”إن الحق يحرركم”ويشرح الدكتور”إميل شمعون ذلك ” بأن الحقيقة،أو الحق هو علامة مميزة لصورة الله في الإنسان،ولكي نعيش أحراراً يجب أن تكون لنا مبادئ صالحة،ومن متطلبات الحرية الصحيحة هي أن لا نظن أننا نمتلك كل الحقيقة لأن في ذلك محاولة فرض على الآخرين وانتهاكاً لحرياتهم،وليس هناك من حرية بدون احترام حرية الآخرين،وفي رأيه أن الحرية الحقيقية تتطلب أن يكون الإنسان متفتحاً تجاه الله،فالله خلقنا بحريته،وهو يستطيع،بل قادر على كل شيء،لكنه يختفي لأن فرحه في أن تحبه خليقته بحرية،والسيد المسيح يشرح معنى العبودية بدقة في قوله:”من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة”فالصواب هو الحق،بينما الظلم،والعبودية،والاستعباد في ارتكاب الخطايا والذنوب.
والإسلام خاتم الرسالات السماوية يولي الحرية أهمية خاصة،فمنطلقها يؤكد على أن حرية التعبير في الإسلام واجب ملزم الأداء على كل مسلم ومسلمة،وليس حقاً فقط،ولأنها واجب فهي فريضة على الحاكم والمحكوم معاً،فالحاكم مطالب بتنفيذها عن طريق الشورى،وعن طريق تحقيق العدل والنظام القضائي المستقل،ونشر التعليم،وتحقيق الاكتفاء الذاتي ما أمكن بحيث لاتخاف الرعية من ظلم،أو فقر،أو تهميش إذا مارستها،والمحكوم مُطالب بها فرداً وجماعة في كل المجالات تجاه الحاكم وتجاه الآخرين،والمسلم مُطالب ومُلزم بعدم كتمان الشهادة السياسية والقضائية عملا ًبقوله تعالى:”ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم”سورة البقرة،الآية283،وحكمة الخلق الربّانية كانت وما زالت،وستبقى في تنوع الأجناس البشرية واختلاف مشاربها،والحوار بينها فقال جلت قدرته في سورة هود،الآية118:”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”وهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في كل أوجه وفروع الحياة في قوله تعالى:”والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”سورة التوبة،الآية71،والقيود المفروضة على الحرية في الشريعة الإسلامية قيود أخلاقية،وقيود عقلانية،ولقد حدد الإسلام المنهج التطبيقي لممارسة الحرية في مطلع عهده بالشورى والمشاورة في كل بلدة متماشياً مع صعوبة الاتصال عبر المسافات البعيدة،وتكريماً للمعنى فلقد جاء في القرآن سورة عن سورة تحت اسم الشورى،وفيها الآية الكريمة”والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون”الآية38.
ومن روائع حكايات الماضي التي نقلها كتاب(المستطرف من كل فن مستظرف) للأبشهي قال:”يروى أن نوح بن مريم قاضي مروان أراد أن يزوج ابنته فاستشار جاراً له،فقال له:سبحان الله الناس يستفتونك وأنت تستفتني.قال:أريد أن تشير عليّ.قال:إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال،ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال،ورئيس العرب كان يختار الحسب،ورئيسكم محمد كان يختار الدين فانظر لنفسك من تقتدي”.
والرسول صلى الله عليه وسلم يتخذ من الشورى منهجاً في قيادته , معلماً ومرشداً للاقتداء به،ففي ردّه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه،وقد سأله:”يا رسول الله الأمر بيننا بعدك لم ينزل فيه قرآن،ولم يسمع منك فيه شيئاً،فأجابه:اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى،ولا تقطعوه برأي”ويؤكد صلى الله عليه وسلم ضرورة المشورة إذ قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما:”لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما”وتستمر مسيرة الفكرة متغلغلة في عقول المفكرين العرب،فلابن المعتز قول مشهور”المشورة راحة لك وتعب في غيرك”وفي كتاب(التذكرة الحمدونية)يقول عن ابن اسحق:”فإن الشورى نتاج العقول،والمباحثة رائد الصواب،واستفسار المرء على رأيه من عزم الأمور،واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير”.
ومع مرور الزمن والأيام،وتغيير أنماط الحياة يبقى إبداع المفكرين محيطاً بالحرية،مشدداً على أهميتها وتنوع مظاهرها،فالمفكر”عبد الرحمن الكواكبي”وقد ألف كتاباً خاصاً حولها تحت عنوان (طبائع الاستبداد ومصارع العباد) نُشر الكتاب في عام1910يتحدث فيه عن مساوئ الاستبداد ويجملها بما يلي:
أثر الاستبداد في إفساد الدين يقول:”الاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجعل الإنسان كل ساعة في شأن،وهو مفسد الدين في أهم قسميه أي الأخلاق،أما العبادات فلا يمسها لأنها تلائمه في الأكثر،ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات،وفي انحطاط التربية،وفي إفساد الأخلاق،ويقتل الميول الطبيعية عند الإنسان مثل حبه الوطن والأسرة والأهل،والاستبداد بسلب الراحة الفكرية فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء،فتمرض العقول،ويختل الشعور على درجات متفاوتة بين الناس،وأثر الاستبداد في الإدارة فهو يعتمد على المؤيدين الذين لا يهمهم جلب محبة الناس إنما غاية مسعاهم اكتساب صفة المستبد فيهم بأنهم على شاكلته وأنصار دولته،وشرهون لأكل القطاف في ذبيحة الأمة”.
المعروف أن”الكواكبي”توفاه الله عام1903م وهو من مواليد1854لكن روحه ما زالت تعيش بيننا،وفي أيامنا الحاضرة ونحن نتابع أخبار الثورات الشعبية من أجل الحرية والكرامة يهدر روادها في الساحات والشوارع كاشفين عن العديد من المساوئ،بل وأكثر الارتكابات المشينة للطغاة ولحاشيتهم.،والتي خرجت عن كل التصورات
إنه زمن الاستبداد،والذي وصفه”الكواكبي”بدقة متناهية في قوله:”لو كان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب وينسب لقال:أنا الشر،وأبي الظلم،وأمي الإساءة،وأخي الغدر،وأختي المسكنة،وعميّ الضرّ،وخالي النذل،وابني الفقر،وابنتي البطالة،ومسيرتي الجهالة،ووطني الخراب”.
وأمام هذه الوصوف والمعاني تتدافع جمل الإعجاب والتكريم،وحتى التقديس لهذا المفكر الشيخ لتنتشر إشعاعات فكره من مدينة حلب في سوريا مكان ولادته وتعمّ الوطن العربي. لقد عمل هذا النقي الطاهر في بدايات عمره محرراً في جريدة(الفرات)براتب شهري مقداره8ليرات سورية.
ويتابع المشوار باتجاه التفصيل د”منذر المنشاوي”في كتابه (الدولة الديمقراطية) محدداً فيه معالم الحرية وبأنها تعني أولا ًحرية كل فرد،أي أن الفرد يحدد سلوكه بنفسه،وتعني الحرية ثانية حرية المجموع،أي أن يحدد المحكومون بأنفسهم مصيرهم الاجتماعي،وأن الديمقراطية تنشد تطابق الحكام والمحكومين،وحرية الفرد ليست بمعزل كلي عن المجتمع.
الإبداع
سمة العقل الحرّ،أما الاستبداد وقمع الحريات،واعتقال الرأي جميعها توصل إلى ذروة مراحل الموت الوجودي،والتخشب،والتجمد،والمتسلطون والحاجبون للحريات،والمانعون لها شأنهم شأن الحشرة التي تُدعى في علم النفس وفي بحث الغرائز”سيفكس”تغرز إبرتها في الجملة العصبية لفريستها كأبرع جراح فتشلها ولا تميتها بحيث تضع عليها بيضها حتى يفقس،ثم تترعرع الفراخ من جسدها…كذلك الاستبداد يشل فعالية المجتمع ويضع بيوضه الملقحة مرة من هذا وتارة من ذلك ليتغذى أبناؤه من لحوم البشر،ولأن الحرية كما قسمها المفكرون إلى حرية الفرد،وحرية المجموع،وفي الشق الثاني وهو حرية المجموع لابد من التقيد بنظرية المسؤولية والتناسبات التنظيمية في المجتمع المدني المتمثلة بالتجمعات المهنية،الاجتماعية،الاقتصادية،والثقافية،فالفرد يستطيع أن يعيش حريته مقرراً سبلها وإن كانت المشورة مفضلة هنا إنما الأسرة فالقرار فيها يعتمد على الأغلبية الواعية،إنما مؤسسات العمل الخيري فهي مُلزمة بالأخذ بقرارات الأغلبية من أعضائها شأنها شأن التنظيمات النقابية،وذروة الرأي المشترك تكون في الأحزاب سيما العقائدية منها التي تضع الخطط المرحلية لتنفيذ أفكارها ومنطلقاتها النظرية،وكلما توسع الرأي الحرّ واشترك في القرارات أصبح لزاماً على صاحبه تبني العمل من أجله أي من أجل قناعة المجموع والتي هي الحصيلة الجامعة لآراء الأعضاء،والوجه الثاني للإبداع يتركز في محورين:
1- النقد،وقول الحق عن الخطايا وفضحها،وتبيان عيوبها،وتحديد مصادرها،ومحاسبة مرتكبيها.
2- الابتكار الفردي في جميع المجالات الإنسانية الفكرية منها الكتابة-الرسم-الشعر-الموسيقى-الأغنية الوطنية، والابتكار الأسمى في وضع الحلول لمشاكل المجتمع والوطن،والدفاع عنه ضد كل غوائل الدهر التي تصيبه.
أفكار طرحناها، وهي أساسيات الحياة توافقت عليها الشرائع السماوية والبشرية، والحرية ولأنها فرض واجب الأداء على المسلمين، وهي لا تعطى،بل تؤخذ،والرسول العربي صلى الله عليه وسلم وفي رده على سؤال لأحد المسلمين:أي الجهاد أفضل؟!…قال:كلمة حق تقال لإمام جائر”من كتاب (التدوين في أخبار قزوين) للإمام الرافعي.
وثوار اليوم المطالبون بالحريات في أرجاء الوطن العربي يقومون بواجبهم المُلزم لهم،ويعبدون الله والقيم،ويصلون للوطن الذي يحلمون به….كانوا في ميدان التحرير في القاهرة جميعهم ولم تفرق بينهم لا الديانات، ولا المذاهب….هم عباد الرحمن المؤمنون بالكلمة الطيبة – الحرية – عبادة ونسكاً لقوله تعالى:”ألم تر كيف ضرب الله مثلا ًكلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون”
الثورات ستنتصر بإذنه تعالى، والحريات عائدة00000
محمد علي الحلبي


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development