قمة “بريكس”.. ماذا تعني وهل تنجح في انشاء عملة مشتركة لمواجهة الدولار؟ بقلم: ناجح النجار- كاتب ومختص في الاقتصاد والعلاقات الدولية

تُشكل مجموعة “بريكس” جزءًا مُهمًا من رؤية الدولة الروسية لتقليص نطاق هيمنة الولايات المتحدة وتشكيل عالم جديد ماليًا “متعدد الأقطاب”، إذ تحاول موسكو توسيع علاقاتها مع الدول النامية، والعمل على زيادة التجارة معها، في مسعى للتغلب على تأثير العقوبات الغربية على اقتصادها.
وفي تقديري أن انضمام أى دولة لقمة “بريكس”، مهم للغاية في مواجهة الدولار، ومن ثم التحرر من سطوة الأخضر في تعاملاتها مع الدول الأعضاء بهذه المجموعة، باعتبارها واحدة من أهم التجمعات الاقتصادية على مستوى العالم، كما تعد فرصة لدولة مثل “مصر” لزيادة معدلات التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة وتقليل الاعتماد على الدولار.
تواجه الدول ذات الأسواق الناشئة ضغوطًا كبيرة ومستمرة على وقع عدد من العوامل المتشابكة، في مواجهة سطوة الدولار مع التأثر المتتالي، لاسيما عند أي إجراء يقوم به الفيدرالي الأمريكي برفع معدلات الفائدة.
لقد دفعت سيطرة الدولار الأمريكي الأسواق الناشئة للاستسلام لقوى السوق العالمي ومواجهة ضغوطات كبيرة بسبب ربط العملة بالدولار، إذ لجأت بعض الاقتصادات إلى تسريع وتيرة تخفيض قيمة العملة المحلية، بما وضعها تحت مقصلة ارتفاع التضخم إلى معدلات غير مسبوقة، جراء وباء كورونا من جهة والصراع الدولي من جهةٍ أخرى.
صندوق النقد الدولي
ووفق صندوق النقد الدولي، فإن ما يقرب من 60% من الاحتياطيات الدولية محتفظ بها في أصول مقيّمة بالدولار، كما أن الدولار يُعد هو العملة الأكثر استخدامًا في التجارة العالمية بين الدول.
كما أن قرار الفيدرالي الأمريكي برفع معدلات الفائدة في أي وقت لن يؤثر فقط سلبًا على الولايات المتحدة؛ بل إن معدلات الفائدة المرتفعة من شأنها أن ترفع كُلفة الاقتراض بالدولار في الأسواق العالمية للدول المقترضة، وتزيد في الوقت نفسه من الطلب على الأصول الدولارية؛ مقارنة بالأصول من العملات الوطنية؛ الأمر الذي يسهم في انخفاض قيمة العملات الأخرى، وبالتالي يصبح سداد الديون للدول التي تعاني أمرًا مُكلفًا.
وفي ظل العقوبات التي يقودها الغرب ضد روسيا والمتعلقة بعمليتها العسكرية في أوكرانيا جعلت من الدول الأخرى، أن تكون أكثر حذرًا من العواقب المحتملة لعبور واشنطن، وفقًا لما ذكرته “Insider”.
لذلك تحاول دول، مثل البرازيل والأرجنتين وبنغلاديش والهند، الاتجاه إلى تغيير هيكلة احتياطياتهم من العملات والأصول الاحتياطية واستبدال الدولار بالعملات الوطنية في التبادل التجاري، مثل اليوان الصيني والروبل للتجارة والمدفوعات بالعملات الوطنية.
كما تحاول البيئة الجيوسياسية الكلية في ظل حالة الصراع العالمي وعدم الاستقرار إلى تحفز البلدان على البحث عن عملات بديلة للدولار الذي أضر باقتصاداتها، كما كان هناك منذ فترة طويلة عدم ارتياح بشأن هيمنة الدولار الضخمة في حجم التجارة والتمويل الدوليين، لاسيما في ظل الحديث عند ضرورة إلغاء “الدولرة”.
ما هى أسباب التوجه نحو إلغاء هيمنة الدولار؟
أولا: نفوذ السياسة النقدية الأمريكية
إن الولايات المتحدة هي المُصدر للعملة الدولارية أو الاحتياطية الأولى في العالم، وهي أيضًا العملة المهيمنة في التجارة الدولية وأنظمة المدفوعات. كما لها سيطرة كبيرة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي، فإن واشنطن لديها امتياز كبير لا يوجد لدى أى دولة أو اقتصاد آخر، وقد لا تواجه أزمات كبيرة في حال أو إذا كانت غير قادرة على سداد ديونها، لأنها ببساطة يمكنها إصدار المزيد من العملة.
لقد سئمت دول كثيرة بما في ذلك الهند، إزاء السياسات النقدية الأمريكية التي احتجزها كرهائن في وقت سابق – وذهبت إلى حد القول، إن الولايات المتحدة كانت مُصدِرًا “غير مسؤول” لعملات الاحتياطيات العالمية، لذا يحاول المركزي الهندي، استخدام الروبية الهندية في التجارة مع الصين وروسيا والبرازيل، وهو موقف يتوافق مع رؤية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للعملة.
ثانيا: تضرر اقتصادات الدول الناشئة
تكتسب العملة الأمريكية قوة مقابل معظم العملات حول العالم، مما يجعل الواردات أكثر تكلفة بالنسبة للدول والاقتصادات الناشئة، ففي الأرجنتين على سبيل المثال، ساهم الضغط السياسي وتراجع الصادرات في انخفاض احتياطيات الدولار الأمريكي والضغط على البيزو الأرجنتيني، مما أدى بدوره إلى زيادة معدلات التضخم، الأمر الذي قد دفع الأرجنتين إلى البدء في دفع ثمن الواردات الصينية باستخدام اليوان؛ بدلاً من الدولار الأمريكي.
وكان الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، من أكثر المؤيدين صراحةً لإنشاء عملات بديلة للتسوية التجارية، حيث ذهب إلى أبعد من ذلك في البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا للابتعاد عن الدولار الأمريكي.
ماذا تعني قمة “بريكس” المرتقبة في كيب تاون؟
تحاول روسيا التأكيد دائمًا على أن انضمام دول جديدة لعضوية مجموعة “بريكس” سيعزز من شأنها ويقويها، مع التركيز على أهمية مناقشة المسألة في قمة “بريكس”، المقبلة في جنوب أفريقيا التي تقام من 22 وحتى 24 أغسطس الجاري، إذ ترى موسكو أن أهمية المجموعة تتزايد بشكل مستمر، وتشكل ثقلاً مضادًا مؤثرًا في مواجهة الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالشؤون المالية والعالمية.
وذكر ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، قائلاً “بالطبع نعتقد أنه بشكل أو بآخر، توسيع مجموعة بريكس سيساهم في زيادة تطوير وتعزيز هذه المنظمة، في إشارة منه للقضاء على هيمنة وسطوة الدولار بالسوق الدولية”.
وفي الوقت ذاته، طالب رئيس دولة البرازيل لولا دا سيلفا، السعودية إلى الانضمام إلى مجموعة دول “بريكس” مؤكدا أنه أمر مهم لغاية كون السعودية من الدول المصدرة للنفط، مطالبًا دولتا الأرجنتين والإمارات بالانضمام إذا رغبتا في ذلك.
وعلق “بيسكوف” بالقول: إن روسيا لها علاقات بنّاءة مع الدول الثلاث، قاصدا بذلك، الأرجنتين والإمارات والسعودية، وأردف ” ولكن لا نعتقد أننا بحاجة لاستباق الأحداث” فيما يتعلق بدول بعينها، قد تكون مرشحة للانضمام، قبل مناقشة المسألة في قمة “بريكس”، التي تعقد في جنوب أفريقيا بين 22 و24 أغسطس الجاري.
إنشاء “عملة مشتركة”
ومن المقرر خلال قمة “بريكس”، في العاصمة جوهانسبرج، أن تناقش استعداد بلدان المجموعة الاقتصادية الصاعدة لبحث إنشاء “عملة مشتركة” كأحد الموضوعات الرئيسة التي سيتم طرحها على جدول الأعمال، وفي حال نجحت القمة في إنشاء العملة المشتركة تلك ستكون ضربة ضارية في مواجهة هيمنة الدولار، وهذا ما حذرت منه وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرًا.
وتعود الدعوة إنشاء عملة مشتركة بين أعضاء مجموعة “بريكس” فى أوائل عام 2023، حين طرحت روسيا لأول مرة المبادرة، على لسان سيرجي لافروف وزير الخارجية، حيث قال المسئول الروسى” إن بلاده ستتخلص من النظام المالي الغربي، إلا أن ذلك سوف يحتاج إلى وقت”.
ما هى مجموعة “بريكس” وحجم اقتصادها؟
مجموعة “بريكس” هي تكتل دولي يضم روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند، تأسست عام 2006، في قمة استضافتها مدينة يكاترينبورغ الروسية، وتحول اسمها من “بريك” إلى بريكس في 2011، بعد انضمام جنوب أفريقيا إليها، وتهدف هذه المجموعة الدولية إلى زيادة العلاقات الاقتصادية فيما بينها بالعملات المحلية، ما يقلل الاعتماد على الدولار.
وتستحوذ مجموعة بريكس على أكثر من 23% من حجم الاقتصاد العالمي، و18% من التجارة الدولية، ويسعى عدد من الدول إلى الانضمام لهذه الكتلة الاقتصادية الضخمة، كالجزائر والأرجنتين وإندونيسيا.
وفي العام 2017، وخلال عقد قمة “بريكس” في مدينة شيامين الصينية، تم الحديث عن خطة “بريكس بلس BRICS plus” التوسعية، والتي تهدف إلى إضافة دول جديدة إلى مجموعة “بريكس” كضيفة بصورة دائمة، أو مشاركة في الحوار بهدف دخول اقتصادات جديدة في الشراكة والتجارة مما يقوّض من قدرة وهيمنة الدولار وعدم تأثر تلك الدول المتضررة.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development