المقالات

أوكرانيا على مذبح انتشال الاقتصاديات الغربية من أزماتها المصدر: النهار العربي_ د.أيمن عمر*

اقتصاد الحرب
أول من أطلق هذا المصطلح الرئيس الأميركي فرانكلين دي روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية بالقول: “إنه إذا كسبت دول المحور الحرب، عندئذٍ سيتعين علينا أن نتحول بشكل دائم إلى قوة عسكرية تستند إلى اقتصاد الحرب”. اقتصاد الحرب هو أحد فروع علم الاقتصاد ويهتم بالآثار الاقتصادية للإنفاق العسكري في الاقتصاد الوطني؛ وهو يعني تعبئة الموارد المتاحة في البلاد واستغلالها في أنشطة وعمليات اقتصادية لها الطابع العسكري والحربي، وتكون قاطرة لتنشيط الاقتصاد وتعويض الخسائر الناتجة عن الأعمال الحربية. إن اقتصاد الحرب ليس اقتصاداً أصيلاً إنما هو اقتصاد طارئ وعابر تمليه ظروف البلاد العسكرية والسياسية. وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية أول من طبق اقتصاد الحرب بل الأكثر تطبيقاً وفي فترات مختلفة، بدأت مع الحرب العالمية الأولى ولا زالت تلجأ إليه كلما دعت الظروف إليه وتهيأت شروط تطبيقه. وقد خرجت بفضله من الحروب باقتصاد أكبر وأقوى.

الأزمات الاقتصادية والحروب
إن المستقرئ للتاريخ يرى أن كل أزمة مالية كانت تعقبها حروب عالمية أو كبيرة تسهم في إعادة النهوض للاقتصاديات المأزومة، بدأت منذ العام 1907 والحرب العالمية الأولى ولم تنته مع أزمة 2008، وهي كما يلي:

1- ذعر المصرفيين 1907 والحرب العالمية الأولى: في تشرين الأول (أكتوبر) 1907 انهارت البورصة في الولايات المتحدة بصورة مفاجئة، محققة خسائر بحوالي 50% من القيمة السوقية، عُرفت باسم “ذعر المصرفيين”. وقد عمّ هذا الذعر أرجاء البلاد عام 1907 الأمر الذي أفضى إلى إفلاس العديد من البنوك والشركات، ولقد غرقت البلاد في موجة ركود في العام 1914. وفي نفس العام وقعت الحرب العالمية الأولى، وبفضل الحرب الدائرة في أوروبا استردّت الصناعة الأميركية عافيتها والنمو بمعدلات غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية. فقد ارتفع الناتج القومي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 21% في سنوات الحرب الأربع ، بينما نما التصنيع بنسبة 25%. وظهر أثر ذلك النمو في وول ستريت وحقق مؤشر داو جونز الصناعي أكبر ارتفاع في تاريخه وقدره 86 % في العام 1915.

2- الكساد الكبير 1929 والحرب العالمية الثانية: بدأ الكساد الكبير بفقاعة كبيرة في سوق الأسهم الأميركية فيما عُرف بـ”الثلثاء الأسود” في عام 1929، واستمر الوضع إلى بداية عقد الأربعينيات، ويعتبر أضخم ركود اقتصادي عالمي شهده التاريخ. وتسبّبت الأزمة في اضطرابات سياسية وكانت أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. هذه الأخيرة أتت كمنقذة للاقتصاد الأميركي الذي لجأ إلى الاقتصاد الحربي حيث بلغ الإنتاج الحربي الأميركي ذروته بين أواخر 1943 ومطلع 1944. وقد تراجعت نسبة البطالة بحلول عام 1944 لمعدلات قياسية قدرت بنحو 1.2% فقط، بعد أن بلغت حوالي 25% أثناء فترة الكساد الكبير. ونما الناتج القومي الإجمالي من 200 مليار دولار فقط عام 1940 ليبلغ 300 مليار دولار عام 1950 أي بزيادة نسبتها 50%، ولتتربع بذلك الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحاضر على قائمة أكبر اقتصاد في العالم.

3- الإثنين الأسود 1987 وحرب الخليج الثانية: في تشرين الأول (أكتوبر) 1987، تكبّدت أسواق المال العالمية خسائر ضخمة، إذ انطلقت موجة الهبوط الشديد للبورصة من هونغ كونغ وبقية الأسواق الآسيوية، وانتقلت إلى أوروبا ثم الولايات المتحدة، عُرف بإسم “الإثنين الأسود”. ومنذ عام 1988 أفلست حوالي 700 مؤسسة من مؤسسات الادخار والتسليف الّتي تعتبر مصدراً تقليدياً لتمويل شراء بيوت السكن بالنسبة لمعظم الأمريكيين ومكاناً آمناً لإيداع مدخراتهم.

وواجهت واشنطن أكبر عملية إفلاس في التاريخ بعدما تبين أن انهيار هذا القطاع يكلف المواطنين الأميركيين نحو 500 مليار دولار. وقد أشارت بعض التقارير السرية الأميركية إلى أن المخابرات الأميركية أعدت سيناريو حرب العراق ضد الكويت. ثم جاء الغزو العراقي للكويت في آب عام 1990 وعاصفة الصحراء الأميركية لتحرير الكويت، لتصرف أنظار الرأي العام الأميركي عن هذه الفضيحة، ومن أجل السيطرة على منابع النفط في الخليج العربي من أجل سد العجز في الموازنة الأميركية. وقد حققت الشركات النفطية الأميركية أرباحاً هائلة نتيجة ارتفاع أسعار النفط بسبب أزمة الخليج. وتراجع العجز في الميزان التجاري الأميركي، حيث أفادت المعلومات أن العجز في حزيران (يونيو) من العام 1990 انخفض إلى 5،07 مليار دولار بعدما كان 7،77 مليار دولار في أيار(مايو) 1990. وما لبثت أن بدأت تظهر تداعيات الغزو العراقي للكويت تظهر على الاقتصاد الأميركي، فقد انتقل أكثر من مليار دولار إلى مصارف الولايات المتحدة لتضخ السيولة من جديد في قطاعاتها الاقتصادية وتعيد النشاط إلى الحياة الاقتصادية وتعوّض الخسائر التي لحقت بها جراء الأزمة.

4- انهيار 1997 وغزو أفغانستان 2001 والعراق 2003: في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1997 شهدت البورصات العالمية موجة هبوط حاد ناتجة عن الأزمة الاقتصادية في آسيا، حيث سجل مؤشر “داو جونز” ثامن أكبر خسارة يومية منذ نشأت البورصة الأميركية في العام 1896، وبلغت نسبة هبوط المؤشر 7.18%، كما انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 7% و”ستاندرد أند بورز” بنسبة 6.68%.. فجاء غزو أفغانستان 2001 والعراق 2003 لينقذ الاقتصاد الأميركي من أزمته. إن الحرب ضد حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” في أفغانستان، فتحت للولايات المتحدة بوابة ثروات قزوين. وبعد الغزو الأميركي للعراق، كشفت المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الأميركي حدوث انتعاش في الاقتصاد الأميركي. فقد أعلنت مؤسسة «كونفرنس بورد» المتخصصة في المؤشرات الاقتصادية، أن لائحة المؤشرات العشرة الرئيسية للاقتصاد الأميركي سجلت ارتفاعاً حاداً في أيار 2003، أي بعد شهر من الغزو الأميركي للعراق. وذكرت أن هذه المكاسب القوية نجمت بشكل رئيسي عن تحسن مؤشرات أسعار الأسهم والسيولة النقدية وتوقعات المستهلكين. وكذلك تراجع العجز في الميزان التجاري الأميركي بعد الحرب على العراق وذلك بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط نتيجة السيطرة على النفط العراقي.

5- أزمة الرهون العقارية 2008
انطلقت الأزمة المالية في شباط (فبراير)2007، وكانت شرارتها أزمة قروض الرهن العقاري بالولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى البورصات والمصارف وشركات التأمين. في تشرين الأول 2008، وفي صورة مشابهة للكساد العظيم 1929 شهدت أسواق المال العالمية انهياراً بعد تداعي الأسواق الأميركية المتأثرة بأزمة القروض العقارية وشبح الركود الاقتصادي، وكان السبب الرئيسي وراء الأزمة ما حدث من استهلاك لمحافظ الرهون العقارية وظهور فقاعة العقارات، وبلغت الخسائر ما يقرب من 4 مليار دولار. وقد خسر الاقتصاد العالمي 45% من قيمته، وفقد حوالي 8.7 مليون شخص أميركي وظائفهم وشملت مختلف القطاعات، وخسر قطاع العقارات حوالي 11 تريليون دولار، وفقدت حسابات التقاعد حوالي 3.4 تريليون دولار.

أوكرانيا ضحية الغاز
كانت تلك الحروب جميعها خارج أراضي الولايات المتحدة، مع تحشيد دولي تختبئ الولايات المتحدة خلفه. ويبدو أن الفرصة سانحة الآن لتعويض خسائر الاقتصاد الأميركي جراء أزمة 2008 وكذلك جائحة كورونا من خلال حرب جديدة مسرحها أوكرانيا ومحورها الغاز. والظروف قد تساعد الولايات المتحدة بذلك أيضاً، حيث ستخوضها بالواسطة وليس بالمباشر مع تحشيد أوروبي في مواجهة الامتداد والنفوذ الروسي. الغاز والنفط هو محور الصراعات العالمية الحالية، حيث يشكل 16% من الناتج المحلي لروسيا والتي تحتفظ بأكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم، وهي تصدر 76% منه إلى أوروبا والتي يلبّي حوالي ثلثي احتياجاتها من الطاقة. وتعتبر أوكرانيا إحدى أهم دول الممر حيث تنقل 95% من الغاز الروسي إلى أوروبا، عبر أنابيب نقل يقدر طولها ب 37 ألف كم.

فهل الحرب القادمة في أوكرانيا هي حرب بسبب الموارد الاقتصادية أو إشعال الحرب لتنشيط الاقتصاديات الغربية بعد أزماتها أو الهدفين معا؟

  • أكاديمي وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى