ثقافة

“بوهيمية” للمهندسة والشاعرة ميراي عبدلله شحادة كتبت: الدكتورة باسكال لوقا

جدال مع الحياة

تتحدّى ميراي مُعَلِّمَتُها الحياة وتبتسم لها في كلِّ حالاتها رافضة الخنوع لتقلُّباتها، بل اقتربت منعا وتآلفت معها لتتعلّم منها الصمود، وتتحاشاها في أحيان كثيرة لتتفادى صفعاتها، بل صادقتها وتحايلت عليها لدرجة الاندماج فيها، تتفاعل معها وبِها في التناقض وفي التوافق.
تتصالحان في مواجهة الصعاب وتلتقيان في أوقات الفرح. أحياناً تتبادلان الأدوار في أخذ وعطاء إلى درجة الإتِّحاد وعدم القبول بتخلّي أحداهما عن الأخرى، لدرجة أن الأولى أصبحت مرآة الأخرى، تسيران جنباً إلى جنب في كل خُطوة، تعكس كلّ منهما قيمة الأخرى.
كانت ميراي نبع الحياة ترويها بدموعها لتستمر (أي الحياة) وتزهر ليكون لها معنى وتستحقّ تسميتُها.
بدأت ميراي كتابها بتقديم صديقتها الحياة لنا. تكلّمت عنها بالتفاصيل بطريقة عشوائية كصدَف الحياة تاركة للحياة أن تقرر بما تبدأ.
أتت كتابتها مُعَبِّرة عن أهواء صديقتها “الحياة” من خلال تجربتهما معاً في مسيرة السنين وكأن إحداهما تلتحق بالأخرى لتكتملا.
هي ميراي مُسَيَّرة أم مُخَيَّرة؟ من التي تخضع للأخرى؟ أهل ميراي خضعت لقوانين الحياة والظروف التي وهبتها لها، أم أن الحياة تَقَوْلَبَـت حسب رغبات ميراي.

نرى هذا العشق المتبادل، إحداهما تُكَمّل الأُخرى. لا يمكن فصلهما مع مرور العمر رغم العتاب والحزن، وكأنهما مغنطيسيان في جهتيهما الإيجابية والسلبية لا بُدَّ أن تلتقيا وتتَّحِدا رغم صراعهما الذي هو سبب بقاءهما.
صراع بين الطفولة والنضج، بين الابنة التي تطلب المساعدة والمرأة التوّاقة إلى الحرّية والانعتاق.
بين الخضوع والانتفاضة، بين الحزن والفرح، بين الغضب والسكينة، بين الخيبة والنشوة، بين الانكسار والانتصار…
من الموت تنبت الحياة، دائما صراع الأضداد يحتويها.
من العدم يخرج النور، من الأنا تخرج الحياة لتنضوي في الظلمات تاركة بصيص أمل لولادتها من جديد.
بصيص ـكل تتعلّق به مُعَلِّلة قَلب المعادلات لِعَلَّ التمنيات تُصبِح واقع حُرِمَت منه.

ميراي تُخاطب ميراها وتجادلها في كلّ حالاتها الإنسانية وتَقٌصُّ عليها مشاعرها في مواقف الحياة.
كأرض قاحلة مُتَعَطِّشة للحب والاهتمام، تشكو آلامها لنفسها (أي للحياة) التي تمنحها الرّجاء. الرّجاء في البقاء وعدم التخلّي عنها لأنها لا تحب الوحدة، فالوحدة قاتلة أما الحب وبقاء الحبيب بقربها يسمح للحياة أن تستمرّ لا بل أن تُولَد من جديد.

تَنَزَّهتْ ميراي مع مشاعرها الحزينة لتنشلها من الحزن. هي تُعَزّي المرأة التي فيها في مراحل موتها قبل الأخيرة.
تسرُد حياتها الغرامية على بساط من العشق والضياع، من الخضوع والهجران، من الوعي إلى الغثيان، غثيان من حقيقة تجترّها بمرارة الفقدان. فقدان مستمرّ لحبيب لا يعبأ بل يسهو عن جروحها ويحترف اللامبالاة.
تلتقي ثورتها، على خيانة الرجل وقساوته واهماله، بثورتها على الأنظمة العربية الخانعة المتفرِّجة على مآسي الشعوب.

تذكر ميراي أمّها في أكثر من قصيدة، هذه الأم التي كانت لها عنوان الأمان والاستقرار. ثم تذكر الحبيب في مجمل قصائدها، هذا الحبيب القوي الذي لا يمكن نسيانه بل سكن العقل والعمر وهي المستسلمة.
سحابة الحزن لا تفارق قصائدها وكأنها كانت من أعز أصدقاءها تلحق بها ككلب وفيّ.

هي امرأة حالمة بأحلام طفولية مختبئة فيها البراءة ومحرومة من لعب الكبار. تسير إليهم مسحورة جاهلة ما تُخبِّئه الأقدار، غير مُحَصَّنة بخبرات والد يردعها خوفاً عليها من غبار المفاجئات. ذهب وبَقِيَت برعماً طريّاً يتسلّى بها الهوى، يحملها ضمن أحلام ثم يدور بها كورقة خضراء ليرميها على حافة طريق تميل ألوانها إلى صفراء. عفوية لا تعلَم بأن هناك على مفترق طريق ينتظرها جميل غدّار، ولذا تعود إليه تؤنّبُهُ كيل لا يعيد التكرار. تَتَخَبَّط محتارة بين شعورين: الحب واللاوفى، تؤنّب وتسامح ثم تعاتب لكن لا تنسى. نارين تشعلان قلبها، نار الحب ونار الخيانة والغدر المتلازمين لذا نراها قصائدها بالوله والذكريات وتنتهي بالعتاب وعذاب الفراق، حيث ترى الموت في عدة مراحل، كل فترة تعتبرها جزء من موت.
لا نموت مرّة واحدة بل هناك موت لكل حقبة على حدا.

أرى في بعض قصائدها وخطراتها تلميحاً يكمن بين السطور لوالد ذهب باكراً تخاطبه، بطريقة غير مباشرة بعتاب وقلق. عتاب على ذهابه باكراً وتركها تعاني مرارة الفراق والاشتياق ثم تقلق عليه في دنياه وتحزن لرحيله. لذا تحاول أن تبني حياة أخرى من الخيال خالية من ألوان الموت بل مليئة بألوان الطفولة حيث كان الموت الأول غائباً (موت والدها) قائلة ص 130، 141، 143، 144 “بين الموت الأول والموت الأخير حياة أخرى تضجّ بلون الموت”. وتتابع قائلة”: تعالوا نمسك أقلام التلوين، نرسم قمراً لليالينا، وشمساً لأمانينا، وعشباً أخضراً في روابينا. يُزهر اللوز في كانون، وتثمر الدوالي في حقولنا الزابلة، وترتدي الجماجم قُبَّعاتها الحمراء، ويصفق النحل شغفاً لشهد الورود! علّنا نعيش حياة تُقْرَع فيها طبول الفرح، وتعزف هناك سيمفونية الحب السرمدي”.

ثم لروح أمها تقو: “متى نرسم ما جَفَّت أقلامنا في رسمه يوماً؟ يا أمي…”
هنا تدعو الوالدة للعودة إلى الوراء حيث كانت الحياة جميلة قبل حقبة الموت الأولى.
ثم نرى الفتاة اليانعة والبالغة بنفس الوقت التي بوفاة والدها كَبُرَت غصباً، من خلال رسالتين إلى “لينا” ص 134-236.
أيضاً نراها تعتذر من غرفة وأساس مكتبها معتقدة بأنها تخونها حين غادرتها كخيانة الحبيب عند تخلّيه عنها.
ثم المفاجئة الأخيرة التي لم تستطع أن تتخطّاها وتمشي بل عَصَرَت كلماتها لتُبدع بزبدها وترسم وجه الحبيب وتعرّفُنا عليه (على والدها)، الذي فارقها دون استئذان، ذهب دون إرادتها، دون رغبتها وهي المحتاجة له في كلّ مرحلة من مراحل الحياة وليس في مراحل الموت.

بالنهاية اشتاقت لحياتها وتصالحت معها واعترفت بها وهنا تُعيدُنا إلى مقدّمة كتابها “علّمتني الحياة” التي بدأت بها. عادت تُخاطب هذا الحبيب متصالحة معه، مُعترِفة به، مُتَمَنّية وجوده حيث سقط العتاب.

والدها الحبيب الغائب الموجود في كل حقبة من حياتها وليس من موته. الموجود في أحلام الطفولة الخضراء الذي اسمه مشتّق من أحلامها أو أن أحلامها أنشقّت من اسمه “شاعر الكورة الخضراء”.

ميراي قرأت كتابك “بوهيمية” حتّى الثمالة وعشت بين سطوره التي تُشبه الكثير الكثير أسطر معظم النساء مع اختلاف في الظروف. تُشبه أسطر كتاب وطني المليء باللقاءات ثم الهجران وبكثير من الأحيان بالفراق والوداع.
كنت أقرأ لك بعض الخطرات سابقاً على وسائل التواصل الاجتماعي وكنت أشعر بشيء بداخلي يقلعني ليرميني لا أدري أين من كثرة المشاعر العميقة التي تصيغيها في كلماتك.

قرأتك اليوم بكلّ تركيز ودخلت في عمق الكلمات فحملني كتابك في رحلة إلى دنيا طفلة رفضت أن تكبر كي تحتفظ بمن تُحب ويستمر الحلم. وبين السطور تَقبَع الطفلة التي كَبُرَت غصباً عنها وقبل أوانها لتحمل مسؤولية الحياة في مسيرتها حيث لا أحد ينتظر الطفولة ولا يعطيها الوقت الكافي لتنمو على مهلها وكما تشاء. بل استمرّت الحياة في مسيرتها وكَبرت الطفلة وأصبحت بدورها أم لأطفال حضَّرتهم وأهدتهم للقاءات الحياة القاسية.
هذه الحياة التي حرمتها أمها أيضاً ناسية قلب الطفلة النابض بالذكريات. قلب طفلة ما زال متعلّقاً بحنان أم ودفء محبتها، قلب لم يلتئم من فقدان حبيب غاب، غياب تحمّلته على مضض، قلب طفلة ورثت ملكة الكلام آب بخل عليها مُرغماَ بوجوده لكنه أورثها أجمل ما عنده “الكلمة” ليبقى سلاحاً لها.
طفلة أصبحت أم تحمل مسؤولية حماية أولادها.

تحياتي لك أيتها المرأة الجميلة في طلّتكِ، في نور ابتسامتك، في عطاءك، في نضالك المستمرّ.
تحياتي واحترامي الكبير لك صديقتي، أسمح لنفسي أن أقول صديقتي مع أننا التقينا مرّة واحدة وجهاً لوجه (وهي تعادل ألف مرّة). ولكن التقينا مرّات كثيرة بالفكر. الصداقة القوية ليست بعدد المشاهدات بل بنوعيتها.

جئتِ إليَّ بكل تواضع، قطعت المسافات وقرأت لي قصائدك بكل صدق وعفوية وحب وكأنني أعرفك منذ الأزل، دخلتِ إلى أعماقي. وما أن تركتِ منزلي حتى أخذت كتابك “بوهيمية” يا غجرية الساحات الفكرية والمراحل ولم أتركه حتى آخر شفّة.
ثم بدأت بكتابة ما أحسست به بالتتالي مع قراءة كلّ صفحة.

أنا لست بكاتبة مُتَمَرِّسة ولكن كتبت احساسي، الذي منحتني به أسطرك، بصدق من فكري إلى فكر معطاء، فكرك.

تحياتي واحترامي
بسكال لوقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى