هل من حاجة إلى تعديلات دستورية

وألقى الوزير السابق الضاهر كلمة اعتبر فيها “أن نظام لبنان ديموقراطي توافقي ميثاقي محكوم بأكثريات موصوفة لا يمكن فيه استبعاد الطوائف عن المشاركة في القرار”، لافتا إلى أن لو كان النظام اللبناني ديموقراطيا كلاسيكيا أكثريا لما نص دستور الطائف على أن نصاب مجلس الوزراء يحتاج إلى أكثرية ثلثي اعضائه وذلك ضمانا للتمثيل العادل للطوائف”.
الجسر
من جهته، ألقى النائب الجسر كلمةً استهلها بالقول:”بداية لا بدّ من توجيه الشكر إلى مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية على هذا الإطار الذي يؤمنه، من أجل طرح المشكلات التي تعترض مسار الوطن، وإتاحة الفرصة لكل المخلصين من أهل الفكر أو السياسيين أو العاملين في الشأن العام أو طاقات المجتمع المدني لبذل الجهد من خلال ما يسمى بالعصف الدماغي، من أجل اجتراح الحلول الناجعة التي قد تكون سبيلاً للخروج من الأزمات.. وبالمناسبة لا يسعني إلا توجيه التحية إلى د. الرئيس عصام فارس راعي هذا المركز والذي يُثبت من خلال هذه الرعاية المستمرة حرصه الدائم على إبقاء الوطن في قلبه مهما ابتعد عنه.. كما أريد أن أوجه الشكر إلى سعادة السفير عبد الله بو حبيب الذي أتاح لي فرصة اللقاء والمشاركة مع هذا الحضور المميز”.
وقال:”هل من حاجة لتعديلات دستورية؟ سؤال يكثر طرحه عند كل أزمة سياسية.. سواء كانت الأزمة انعكاساً لأزمة المنطقة أو نتيجة تجاذبات سياسية داخلية.. أو دفعاً لأزمة يحاول، من خلالها، أطرافُ النزاع المباشرين أو المعتمدين تعديل النصوص، حيناً لإجراء توازن، وأحياناً لانتزاع مكاسب ولو على حساب التوازن، وحيناً أخر في محاولة للعودة إلى ماضي ثبت عدم جدواه، وأحياناً دفعاً لطرح مسألة النظام بكامله”.
وأضاف:”في كل الأحوال، ومهما كانت الدوافع والأسباب، وقبل الإجابة عن السؤال عنوان الندوة، ينبغي التذكير بمبدأ الاستقرار التشريعي في الأصل.. فالمعروف بالنسبة للقوانين العادية أنها يجب أن تتميز بالاستقرار والثبات.. فإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للتشريعات العادية، فان الأمر أكثر تشدّداً بالنسبة للدستور الذي من خصائصه الجمود، أي عدم جواز تعديله إلا بإتباع إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية، سواء كان ذلك من خلال نصاب انعقاد الجلسات المخصصة للتعديلات الدستورية، أو من خلال نصاب التصويت، أو حتى الحق في طرح التعديلات الدستورية وإجراءاتها.. والهدف من ذلك هو المحافظة على سمو الدستور (القانون الأساسي) بالنسبة لباقي القوانين باعتباره الإطار الذي يبين نظام الحكم وينظم عمل السلطات والفصل بينها وتعاونها كما يضع الأطر القانونية للحقوق والحريات.. فالقواعد التي يتضمنها الدستور يجب أن لا تخضع لتغييرات مستمرة لأن لذلك أثراً سلبياً على مكانة الدستور، بما يستتبع ذلك من انعكاس على النظام القانوني للدولة، لذلك لا يجوز اللجوء إلى تعديل الدستور إلا عندما تكون هناك أسباب ملحّة لهذا التغيير.. ولا يدخل، في الأسباب الملحّة على وجه التأكيد، عدمُ تطبيق الدستور، أو المغالاة في استنباط أحكام لا تمت إلى الدستور بصلة، يؤدي استنباطها إلى تعطيل النصوص القائمة”.
دستور ما قبل الطائف
وتابع :”لقد كان دستور ما قبل الطائف دستوراً هجيناً، بمعنى أنه أرسى نظاماً لا هو بالنظام الرئاسي ولا هو بالنظام الديمقراطي البرلماني.. نظام وَضَع كل السلطة الإجرائية في يد رئيس الجمهورية، يعاونه وزراء يُعينهم بقرار منه ويُقيلهم بقرار منه.. وأعطاه الحق بموجب التعديلات الدستورية التي حدثت في العهود الاستقلالية، خلافاً لدستور 1927، أن يحل مجلس النواب من دون أي سبب خلافاً لما كان عليه الحال في دستور 1927 الذي كان يوجب لحل المجلس التمرد.. أو عدم إقرار الموازنة.. دستور نُقلت فيه سلطات المفوض السامي الفرنسي أو معظمها إلى صلاحيات رئيس الجمهورية.. دستور لا تبعة فيه على رئيس الجمهورية.. يكون فيه لرئيس الجمهورية الحق من خلال الممارسة في عدم إصدار القوانين والمراسيم.. والإبقاء عليها في الأدراج.. كما يكون له إبرام المعاهدات والاتفاقيات التي تُلزم الدولة من دون أن يُطّْلِع عليها أحد؟ إلا ما تعلق منها بإلزامات مالية.. فكان انبرامها موقوفاً على موافقة المجلس النيابي الذي كانت، لرئيس الجمهورية من خلال سلطاته المطلقة، هيمنة فعلية عليه”.
دستور ما بعد الطائف:
وأردف:”من دون الخوض في ظروف الحرب الأهلية ودوافعها وبُعْدَيْها الإقليمي والمحلي.. لقد انتهت هذه الحرب وطُوِيت صفحتها بموجب وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، أو ما يعرف باتفاقية الطائف.. هذه الاتفاقية التي نصت على إصلاحات دستورية وسياسية.. تناولت مبادىء عامة شكلت مقدمة الدستور إطارها، وأكدت على مسألتين مهمتين:
1) المسألة الأولى: تحديد طبيعة النظام الجديد: انه نظام ديمقراطي برلماني (الفقرة -ج- من المقدمة: لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية).
2) المسألة الثانية: مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
وهاتان المسألتان لم تكونا واضحتين في السابق، لا بالنصوص ولا من خلال الممارسة. فالنظام إذن ديمقراطي برلماني، ومن خلال هذا الإطار، يجب قراءة النصوص وتفسيرها، وحتى طرح أي فكرة تعديلية لها.. ثم أن النظام يقوم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
وأضاف:”من خلال هذا المفهوم انتقلت السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء وتقيدت قدرة هذا الأخير، على حلّ المجلس بطلب من رئيس الجمهورية وبموافقة مجلس الوزراء هو ولأسباب محددة كما كانت تقريباً في دستور 1927.وأعطت الإصلاحات الدستورية للمجلس حق رسم سياسة الدولة والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، وأخضعت القوات المسلحة لسلطة مجلس الوزراء، كما أناطت حق تعيين الموظفين وصرفهم وقبول استقالتهم.. إلى ما هنالك من إصلاحات.وإن كانت كل إصلاحات الطائف لم تطبق، من خلال المهلة الزمنية المحددة، فلأسباب مرتبطة في الأصل بظروف المنطقة.. فالحرب الأهلية في نظري كان بُعدها الدولي محاولة فرض السلم في المنطقة بعد أن تقرر، بعد حرب 1973، عدم السماح بحروب مباشرة.. فجرى استخدام لبنان، لهشاشة الوضع السياسي فيه، كحديقة خلفية تمارس فيه الضغوط من أجل فرض السلم في المنطقة.. ولا يخفى على أحد كيف أن اتفاق الطائف تزامن مع مؤتمر مدريد.. ولا شك أن فشل مدريد كان في خلفية توقيف متابعة تنفيذ الطائف.. ولقد استفاد نظام الوصاية من هذا الخلل لأحكام القبضة على القرار السياسي في لبنان وكذلك الهيمنة عليه.بمعنى آخر لم يُطبَّق الطائف بالكامل، وما طُبقَ منه، لم يطبق في ظروف طبيعية بل طبق في ظل وصاية، شكلت المرجع الحاسم لفض خلافات بين المسؤولين، لم تكن هي (أي سلطة الوصاية) بعيدة كثيراً عنها”.
وتابع:”في كل الأحوال، لقد استنبط بعض السياسيين اللبنانيين مقولة الديمقراطية التوافقية، وتمادوا في تفسيرها بشكل أدى إلى تعطيل النصوص الدستورية وإدخال البلاد في أزمة سياسية ستبقى قائمة ما لم يوضع هذا المفهوم في إطاره الصحيح.. لقد كانت خلفية هذا البعض، النيل من صلاحية مجلس الوزراء الذي انتقلت إليه السلطة الإجرائية، التي كانت في ظل الدستور السابق بيد رئيس الجمهورية بالمطلق. ولقد التحق مؤخراً بعض آخر بهذه المقولة لأنها تشكل لهم ضمانةً واستمراراً لليد العليا التي استولدتها حيازة السلاح، وشكلت إطاراً سياسياً لعدم إمكانية التعرض له، أو الكلام عنه بحجة أن الأمر يتطلب توافقاً.فهذا المفهوم إذاً لم يقدم حلاً للبلد ولم يُعد الصلاحيات إلى سابق عهدها بل أدخل البلاد في إرباكٍ سياسي وعجزٍ عن اتخاذ القرارات.. خاصة بعد الإمعان في الكلام عن حكومات اتحاد وطني كنتيجة لديمقراطية توافقية لا تقوم إلا بثلث معطل؟!
وسأل:”فهل نص الطائف عن ديمقراطية توافقية أم نظام أكثري؟ الطائف لم ينص عن ديمقراطية توافقية بل هو نص على نظام أكثري من ضمن إطار توافقي.. وهذا الأمر لا يحمل أي تناقض على الإطلاق واليكم البيان”.
وتابع بالقول:”الأصل في الديمقراطية أن الناس متساوون بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية أو المناطقية.. والتمثيل يخضع لقاعدة الانتخاب من دون قيود عرقية أو دينية أو مذهبية أو من أي نوع آخر.. والذي جاء به اتفاق الطائف بعد حرب أهلية وبصورة مرجعية هو أنه بالرغم من الخلل الديمقراطي الذي كان قائماً والذي كان مقدراً أن يكون متمادياً.. فان المقاعد في مجلس الوزراء والنواب تقسم بالتساوي بين الطوائف وبالنسبة بين المذاهب في مجلس النواب وبين المناطق.. وبالإنصاف بين المذاهب في مجلس الوزراء.. فهذا هو الإطار التوافقي الذي اقرّه اتفاق الطائف خارج الحدود الديموقراطية لكنه قرر ديموقراطية برلمانية تعتمد حكم الأكثرية وهذا الأمر واضح من خلال ما يلي:
1- إن حكومة الوفاق الوطني تؤلف (بهذا الشكل) بَعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية، يليها إقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية.. وهذا أمر طبيعي فالإصلاحات الدستورية التي جرى إقرارها في الطائف لا يمكن أن تترجم عملياً إلا من خلال حكومة ترسل مشروع قانون بالتعديلات الدستورية.. ونظراً لارتباط الإصلاحات بما تقرر في الطائف فكان من الطبيعي أن تكون الحكومة الأولى، حكومة وفاق وطني لمتابعة وتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه في الطائف. فحكومة الوفاق الوطني هي استثناء وليست قاعدة.
2- إن القرارات في مجلس الوزراء تؤخذ بأكثرية موصوفة: أكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة في القرارات الأساسية المعددة في الفقرة الثانية من البند -5- من المادة /65/ أو أكثرية الحضور في القرارات العادية في نصاب لا يقل عن ثلثي أعضاء الحكومة.
3- إن القرارات في مجلس النواب، أو التصويت في مجلس النواب، يكون بأكثرية الحضور في المجلس النيابي، شرط توفر نصاب حضور لا يقل عن النصف زائد واحد.. طبعاً هذا فيما خلا استثناءات التصويت على تعديل الدستور ورد القوانين.. وما إلى هنالك.
وتابع:” فإذاً، ما أقرّه الطائف، من إصلاحات دستورية هو: نظام ديمقراطي برلماني، يؤمن الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها من خلال نظام أكثري من ضمن إطار توافقي. المؤسف أن استنباط الديمقراطية التوافقية في ظل مناخ الأزمات والخلافات على أساسيات، ولد الكلام عن ثلث معطل.. فكيف بعد ذلك يمكن تصور عمل حكومة أُلِّفت بثلث معطل.. وبخلفية أن كل القرارات يجب أن تخضع للتوافق المسبق في بعض الأحيان على جلسات مجلس الوزراء.
في طروحات التعديلات
في ظل هذه الأزمات، المستولدة من خلال استنباطات لم ترد في نصوص ولا في اتفاقيات، يطرح الكلام عن تعديلات دستورية تُقَدم كحل “لعجز مجلس الوزراء مجتمعاً” وكأني بنا ندفع بالأزمات إلى الواجهة.. أزمات تأخذ في بعض الأحيان بعداً دراماتيكياً يطال الكيان والوطن.. لنبكي الأزمة ونشرع في طرح الحلول.لكن السؤال الأجدى الذي يجب أن يطرح هو ماذا لو أعملنا النصوص، وأَلّفنا الحكومات من ضمن الإطار الدستوري، أي من ضمن مفهوم الديمقراطية البرلمانية والأكثرية السياسية، وهل كان بالإمكان طرح مقولة “عجز مجلس الوزراء مجتمعاً”!!؟. ثم أنه إن كان من الطبيعي، عند كل أزمة، المبادرة الى طرح الحلول حتى ولو تضمنت تعديلات دستورية.. إلا أنه من الملفت حقاً أن نجد أن بعض الحلول واقتراحات التعديل إنما تُغلّف بمواقف سياسية، تحاول إظهار انتزاع الحقوق لهذه الطائفة أو تلك، أو انتزاع الحقوق من هذه الطائفة أو تلك، وليس مجرد تعديلات تُفَعِّل من هذا المقام أو ذاك بهدف الخلاص الوطني.
وأردف: في كل الأحوال، فان معظم الاقتراحات تدور في محاور خمسة:
1) هل أن آلية اتخاذ القرار في اتفاق الطائف كانت غامضة ومنقوصة.
2) هل يكون الحل بإعادة بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية؟ أم من خلال إحياء دور الترويكا وشرعنته؟.
3) هل من إمكانية لإنشاء مجلس وزراء مصغّر لصنع القرار؟.
4) هل تُحلُ المعضلة عن طريق تكريس طاولة الحوار وتحويلها إلى مجلس للبت في قضايا أساسية؟.
5) هل يمكن الوصول إلى تفاهم يجنب لبنان التدخلات الخارجية؟
وأضاف:”لن أسهب في الإجابة على هذه التساؤلات ولكني لن أغفلها.
فعن التساؤل الأول.. فيما إذا كانت آلية اتخاذ القرار في اتفاق الطائف غامضةً أو منقوصةً.. فلقد أجبتُ عن ذلك ولن أكرر، مع التأكيد على أن آلية القرار على مستوى مجلس الوزراء واضحة حسب الفقرة الثانية من البند -5- من المادة /65/ من الدستور، وحسب نص المواد /34/ و/35/ و36/ و/37/ و78/ و/79/ من الدستور فان آلية اتخاذ القرارات في مجلس النواب هي أيضاً واضحة، لكن مع التمسك بالإطار العام الذي يؤكد على طبيعة النظام بأنه ديمقراطي برلماني.
أما عن التساؤل الثاني.. وفيما إذا كان الحل يكون بإعادة بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية أم من خلال إحياء الترويكا وشرعنته؟ إن الطروحات فيما خصّ صلاحيات رئيس الجمهورية تبقى في المجهول ولا يمكن الإجابة عن المجهول؟ والذي يجب أن يطرح هو تحديد الصلاحيات المطلوبة كحل لأزمة بعد بيان رابطة السببية بين الأزمة القائمة وإغفال نص الصلاحية المقترح إضافته”. في كل الأحوال، إن أي نقاش في هذا الأمر يجب أن يراعي النظام الذي جرى الاتفاق عليه، وهو النظام الديمقراطي البرلماني، الذي من مستلزماته نقل الصلاحيات الإجرائية إلى مجلس الوزراء.
إن التعديلات، التي قد تُطْلب في هذا المجال، يجب أن تكون من ضمن إطار عام متماسك، له أسسه وقواعده، حتى لا تُستولد من خلال هذه الإصلاحات نظاماً هجيناً لا هو بالنظام الرئاسي ولا هو بالنظام الديمقراطي، حتى يمكن تصويب تطبيقه أو تفسيره عند اللزوم، ولو من خلال سوابق عند الآخرين.. فضلاً عن مراعاة واقع التعددية التي لم تخرج بعد من وحول التفكير الطائفي.
إن الأمر ذاته يسري على فكرة إحياء الترويكا، التي لم تكن سوى من عبقرية نظام الوصاية التي ابتدعها، للإمساك بالبلد من خلال توازنات بين أشخاص وليس بين مؤسسات، لا تستقيم إلا في ظل خيمته السياسية.. ثم أن الترويكا، خروج أساسي على مبدأ فصل السلطات والتوازن بين هذه السلطات، بصرف النظر عمن يتولاها، والتعاون فيما بينها.
وعن التساؤل الثالث.. حول ما إذا كان إنشاء مجلس وزراء مصغّر لصنع القرار قد يحمل حلاً.. فانا في الأصل اعتبر أن إشراك اكبر شريحة في صنع القرار تساعد على مزيد من الشفافية.. فضلاً عن أن الدستور يساوي بين الوزراء. إن الكلام عن مجلس وزاري مصغّر لصنع القرار سيوحي على الأقل بأن هناك وزراء على درجتين.. فكيف سيتم توزيع وزراء المجلس المصغّر بين الطوائف والقوى السياسية، حتى إذا راعينا تطبيق النظام لجهة تمكين الأكثرية من الحكم.. في كل الأحوال فالطرح غير واضح وهو مجرد فكرة غير مبلورة بمشروع نصوص، وبالتالي لا يمكن الحكم لها أم عليها.. لكن تجربة الوزارات السيادية (من غير نص دستوري)، وتوزيعها بين القوى السياسية مع ما خلفته من تجاذبات، تشكل رداً غير مباشر بعدم جدوى الطرح مع كل حساسيات الوضع اللبناني وتعقيداته..
وعن التساؤل الرابع.. وفيما إذا كانت المعضلة قد تحل عن طريق تكريس طاولة الحوار وتحويلها إلى مجلس للبت في قضايا أساسية؟ فإني أرى أن طاولة الحوار قد نشأت، في ظل ظروف استثنائية لجدول أعمال محدد، لطرح إشكاليات تشكل في حال إيجاد الحلول لها التزاماً معنوياً من قبل القوى السياسية المشاركة على طاولة الحوار بالالتزام بتنفيذ هذه الحلول.
إن شرعنة طاولة الحوار يعني إنشاء مؤسسة جديدة ستقوض بشكل حتمي صلاحيات السلطتين الإجرائية والتشريعية.. فإلى أي نظام نرمي؟!.. إن طاولة الحوار يجب أن لا تخرج عن مقاصدها وان مأسستها ستضيف إشكالية جديدة في تولي السلطة. ثم أن إغراقها في مواضيع جديدة هي محاولة غير مباشرة لإبعادها عن الأهداف التي أنشأت من أجلها وهي محاولة الإتيان بحلول لإشكاليات سياسية أساسية لا يزال بعضها ينتظر التنفيذ والبعض الآخر ينتظر الحلول.
وعن السؤال الأخير.. وفيما إذا كان بالإمكان الوصول إلى تفاهم يجنب لبنان التدخلات الخارجية.
إن التدخلات الخارجية في الأصل، وفي أي مكان، مرتبط ببسط نفوذ القوى العالمية على مساحة العالم أو القوى الإقليمية، على مستوى إقليمي معين.. إن محاولات بسط النفوذ مرتبط بمصالح إقليمية ومحكومة بالجغرافية السياسية وبالمصالح الاقتصادية.. إن موقع لبنان الجغرافي السياسي في هذه المنطقة من العالم وروابط التاريخ والارتباط بقضايا المنطقة الأساسية ابتداء من قضية فلسطين تجعل من الصعب تحييد لبنان عن واقع الصراع العربي الإسرائيلي.. فنحن نحد فلسطين شمالاً، كما نحن نستضيف اللاجئين الفلسطينيين، ونحن بكل طوائفنا معنيون بالمقدسات في فلسطين وكلنا يعلم أطماع الإسرائيليين بالأراضي العربية وبالأراضي اللبنانية تحديداً وبمياه لبنان.. من هنا فإن التدخلات الخارجية دولية أو إقليمية ستبقى طالما بقي الصراع، وطالما تعرض لبنان لمحاولات جره إلى سياسة المحاور في المنطقة.. والشيء الوحيد الذي يحدّ من التدخلات الأجنبية، هو بلورة مفاهيم وطنية مشتركة، لا تغفل واقع الصراع في المنطقة العربية ولا واقع ومصلحة الانتماء إليها ولا تسعى لتحمل وحدها عبء هذا الصراع.. مفاهيم نوحد فيها على الأقل مفردات المصطلحات السياسية التي تبدو بعيدة بعض الشيء.
وسأل:”هل يعني هذا طلب المستحيل؟.قطعاً لا.. إن العقل البشري.. واللبناني على وجه التأكيد، يستطيع بما حبّانا به الله، عزّ وجلّ، أن نجترح المفاهيم الجامعة، لكن في ظل حوار هادىء وبناء لا يسعى أحد من خلاله إلى مواقف دونكيشوتية لكسب الأنصار بل أن يسعى كل منا إلى استقرار البلد”.
وختم بالقول:”لأمر عندي، وحدها الكتب المقدسة غير قابلة للتعديل وما خلا ذلك فكل شيء قابل للحوار والتعديل.. لكن من ضمن أسس وقواعد متسلسلة ومتماسكة.. تحافظ على نظام متكامل ولا تسعى إلى استيلاد نظام هجين غير قابل للحياة. لكن هذا الأمر يتطلب منهجية عمل واضحة تحكم محاولات التعديل.. فالأمر لا يطرح بتعديل صلاحيات هذا بالزيادة، ولا بتعديل صلاحيات ذلك بالإنقاص.. لأننا بهذا النهج نكون كمن يضع العربة أمام الحصان. المنهجية التي يجب أن تحكمنا هي تحديد المشاكل وتحديد الأهداف..هل نريد نظاماً سياسياً مستقراً يبعد شبح التأزيم السياسي عند كل كبيرة وصغيرة.أين الإشكالات في عدم الاستقرار السياسي.. هل هو ناتج عن إغفال النص أم عن إعماله؟.. أين الخطأ في إعمال النصوص، وهل يشكل إعمالها نوعاً من رابطة السببية بين الأزمة المستولدة وبين النص.. بهذه المنهجية وحدها نستطيع أن نجد الحلول.. وسنجدها بإذن الله..




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development