بمناسبة إحياء “مهرجان التراث التركي” في جامعة الجنان

ذَاكِرَةُ طَرَابُلُس أَوَاخِرَ العَهْدِ العُثْمَانيّ
نهَايَةَ القَرْنِ الـ19 ومَطْلَعَ القَرْنِ الـ20
لمّا كان التاريخ الحديث أقرب إلى الحياة الحاضرة وأوثق اتصالاً بها وأشدّ تأثيراً في الحاضر والمستقبل على السواء، كانت الفائدة العلميّة والتوثيقيّة سبيلاً له. إن السلطنة العثمانيّة وإن شهدت قفلتها التاريخيّة، إلاّ أنها تمتدّ اليوم بتراثها لتطال مختلف الأصعدة على المستويين الغربيّ والشرقيّ والبلاد العربيّة بشكل عام ولبنان بشكل خاصّ، من خلال مصادر وثائقيّة من صور فوتوغرافيّة ووثائق مكتوبة تشمل كافّة الميادين العمرانيّة والتنظيميّة والفكريّة والثقافيّة والسياسيّة وغيرها.
خلال العهد العثمانيّ كانت طرابلس من الناحية الإدارية مركزاً لولاية تحمل اسمها، تشكّلت إثر التنظيم الإداري الذي أجراه العثمانيّون بعد انتصار السلطان سليم الأوّل على المماليك في معركة مرج دابق عام 1516م. بفترة قصيرة، حيث تمّ تقسيم بلاد الشام إلى ثلاثة ولايات هي: ولاية طرابلس الشام وولاية دمشق وولاية حلب. ومع صدور قانون الولايات الجديد عام 1864م. عقِب “عهد التنظيمات” أصبحت طرابلس لواءً في ولاية سوريّة. وضمّ لواء طرابلس كلاًّ من أقضية: عكّار وصافيتا وحصن الأكراد، ونواحي الميناء (الأسكلة) والضنيّة وطرطوس وجزيرة أرواد وحزّور ووادي النصارى.
وفي عهد السطان عبد الحميد الثانيّ (حكَم بين 1876 و 1909) ودأب حكومته على اقتراح وتنفيذ المبادرات التطويريّة في كافّة الحواضر العثمانيّة، حظيت طرابلس بقِسطٍ وافر من اهتمامِه المتزايد والهادِف إلى توفير الحركيّة الفاعلة فيها، بخاصّةٍ لتلّ الرّمْل كونه الرابط البصريّ لوسط المدينة وأسواقها القديمة العريقة، ممّا شكّل الأساس المكين لجملة اعتباراتٍ تمهيداً لإنطلاق التلّ مع رفيف تجلّياته اللامحدودة في فضاء مجالات الحداثة دون انكفاءٍ أو تراجع، رغم سنوات الحرب العِجاف أو حتّى رغم تجنّيات قرارات إباحة التدمير الجاهل لمحاولة نيلٍ فاشلٍ من صورته المُثلى (تدمير السراي عام 1968).
وقد أَمْلَت فكرة إعماره احتضان الدوائر الحكوميّة كالبلديّة (1876) والسراي (1882) والدوائر العدلية والشرطة فيها (1885) والمخافر أو القره قول (1886)، ومبنى البريد والتلغراف (حوالى سنة 1909)، والمؤسّسات التعليميّة من إبتدائيّة (إفتتاح أكثر من ثمانية مدارس بدءاً من العام 1878) ورشديّة وإعداديّة (1887) وثانويّة (المدرسة السلطانيّة) ومهنيّة (حِرَفيّة وزراعيّة لم يتسنَّ إتمامها)، وإقامة منتزهات (مقهى التلّ العُليا، 1877) وحدائق (أمام السراي، 1885)، وشبكة مواصلات عصريّة من ترامواي (1879) وشوسه (الطريق المعبَّدة بين طرابلس وحمص إنطلاقاً من التلّ، 1886) وسكّة حديد (1908)، وشقّ ورصف طرقات (المصارف، العجم، الزاهريّة…) وتنظيم ساحات (الكورة، السراي العتيقة…)، وتخصيص أماكن سكنيّة ومحلاّت تجاريّة أقامتها البلديّة بُغية تأمين الحركة للمحلّة، وأخيراً إنشاء برج الساعة الأنيق (1902).
ولمّا أراد السلطان عبد الحميد أن يكون التلّ قِبلة أنظار الجميع، مكتسباً أمجاده من أهل طرابلس ومن معالم المدينة التاريخيّة، وأحد أهمّ نقاط التلاقي والتلاحم بين أبنائها، فقد بدا التلّ والمدينة بأكملها فسحةً ومقصداً للتعبير عن الرأي الواحد والإتجاه الواحد في مناسبات عدّة ومراحل تاريخيّة مختلفة، فكيف لا وطرابلس هي الأقوى والأصلب والأقدر على الإستمرار والتصدّي لتحديات وجودها حاضراً ومستقبلاً…
معرض “ذَاكِرَةُ طَرَابُلُس أَوَاخِرَ العَهْدِ العُثْمَانيّ” يرصد بالصور القديمة والنادرة تطوّر المدينة ومعالمها التاريخيّة والعمرانيّة والمشاريع التحديثيّة التي شهدتها في عهد السلطان عبد الحميد الثانيّ، كما يُظهر مختلف أوجه الحياة اليوميّة والتقاليد والحِرَف والأزياء، فضلاً عن توثيقه بعض الأحداث والمناسبات التاريخيّة التي شهدتها الفيحاء نهاية القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، وذلك من خلال الصور الفوتوغرافيّة التي حفِظها السلطان عبد الحميد الثاني في مجموعته الخاصّة بقصر يِلْدِز في استانبول، ومن مختلف المكتبات والأرشيفات العامّة والخاصّة في تركيا، فضلاً عن البطاقات البريديّة الصادرة عن طرابلس في كلٍّ من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتّحدة ولبنان.
ليس للكلماتِ أهمية كبيرة في رحاب هذا المعرض، فالمَشاهدُ تتكلّم عبر هذه الجولة التاريخيّة المصوّرة في…
“ذَاكِرَةُ طَرَابُلُس أَوَاخِرَ العَهْدِ العُثْمَانيّ نهَايَةَ القَرْنِ الـ19 ومَطْلَعَ القَرْنِ الـ20”
د. خالد عمر تدمري
عضو مجلس بلديّة طرابلس
رئيس لجنة الآثار والتراث



Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development