الأخبار اللبنانية

القصص: كتاب التاريخ الموحد لا يصنع مجتمعاً ولا دولة

ألقى الأستاذ أحمد القصص رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان محاضرة في معرض الكتاب في بيال (بيروت)

، تحت عنوان: “كتاب التاريخ: هل يصنع مجتمعاً ودولة؟”

 

قال فيها: إن المشكلة التي يرمي مشروع كتاب التاريخ الموحد إلى معالجتها بدأت حين عمد المستعمر إلى إنشاء كيانات سياسية مصطنعة في سياق خطة لتفتيت العالم الإسلامي، فكان لا بد من إعطاء شرعية لهذه الكيانات من خلال اصطناع تاريخ وثقافة خاصّين بكل منها. فاصطنع الغرب لكل كيان اخترعه تاريخاً. فتاريخ مصر هو تاريخ الفراعنة، وتاريخ العراق هو تاريخ الكلدانيين والأشوريين، وتاريخ تركيا هو التاريخ الطوراني، وتاريخ سوريا هو التاريخ السومري، وتاريخ لبنان هو تاريخ الفينيقيين، وهكذا.

وقال إن التاريخ في الأصل هو تاريخ الأمم، أي تاريخ المجتمعات التي تأسست على طريقة في العيش، وطريقة عيش الأمة هي “الحضارة” التي بها تميزت من غيرها. فالتاريخ في الأساس هو تاريخ الحضارات. والتأريخ للدول ذات الجذور الحضارية يكون جزءا من التأريخ للحضارة التي تنتمي إليها. أما الدول العابرة والمصطنعة التي لا جذور حضارية لها، فيمكن للمؤرخ أن يؤرخ لها، إلا أن تاريخها هو تاريخ أحداث سياسية وعسكرية يبدأ بقيامها وينتهي بزوالها. فأين تاريخ لبنان من ذلك؟ هل هو تاريخ حضارة ومجتمع؟ أم تاريخ أمة قومية؟ أم تاريخ طائفة؟… إنه تاريخ دولة وحسب، بدأ مع نشوء هذا الكيان سنة 1920، وسينتهي وكأنه لم يكن، عند زوال هذه الدولة عن الخريطة السياسية.

ورأى أنه من التزوير والكذب القول بأن هناك تاريخاً لبنانياً قبل نشوء دولة لبنان على يد الضابط الفرنسي غورو في الأول من أيلول 1920م. وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك دراسة تاريخية خاصة بما يسمى اليوم لبنان أو الكلام عن “لبنانيين” قبل نشوء هذا الكيان. وذكّر بالمواقف الرافضة لإعلان هذا الكيان من قبل معظم السكان الذين شمل إعلان غورو أراضيهم. وسأل بالتالي السؤال التالي: ما التاريخ الذي تنتمي إليه المنطقة التي يقع فيها لبنان قبل نشوئه؟ وأجاب: إنه التاريخ الإسلامي الذي احتضنها منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية العهد العثماني. ورأى أن الإصرار على اختراع تاريخ خاص بلبنان قبل نشوئه كان دافعاً إلى تزوير التاريخ ومسخه وتفسيره تفسيراً خيالياً خرافياً، من مثل أن الفينيقيين لبنانيون، وأنه كان في الماضي دولة لبنانية اسمها فينيقية، وأن إمارة الأمير فخر الدين المعني هي دولة لبنانية وطنية، وأن تواطؤه مع توسكانة كان إنجازاً وطنياً بطولياً، وأن دولة الخلافة -ولا سيما في العهد العثماني- هي دولة احتلال، وأن سياسة الخليفة عبد الحميد الثاني الإسلامية هي استبداد وطغيان، وأن انقلاب الاتحاديين عليه هو ثورة على الظلم، وأن الاحتلال الأوروبي هو تحرير من الاحتلال التركي، وأن المتعاملين مع فرنسا وبريطانيا ضد السلطنة العثمانية هم أبطال وأن الذين أعدموا منهم شهداء، وأن تواطؤ الحسين بن علي شريف مكة مع البريطانيين ضد دولة الخلافة هو الثورة العربية الكبرى التي نهضت بالعالم العربي، وأن ما ارتكبه مصطفى كمال من إلغاء للخلافة وعلمنة للدولة وإقصاء للشريعة عن المجتمع والدولة ومنع للباس الشرعي وترجمة للأذان إلى التركية… هي إصلاحات تقدمية!

وعن فكرة توحيد كتاب التاريخ قال: لقد بذلت السلطة اللبنانية منذ نشوء الكيان وحتى نشوب الحرب الأهلية جهوداً كبيرة، وكان منها اختراع تاريخ للبنان يضرب جذوره عميقاً في العصور الماضية، إلا أن اندلاع الحرب الأهلية أثبت أن هذه الجهود لم تؤت ثمارها المطلوبة. ثم جاءت أحداث السنوات الخمس الأخيرة لتؤكد هشاشة الكيان اللبناني. وقال إن الدولة القوية هي التي تستند إلى مجتمع تعبّر عن هويته وترعى شؤونه بأنظمة وسياسات تتكامل مع ثقافته. فهل ثمّة مجتمع تكوّن به الكيان اللبناني واستند إليه؟ وأجاب بأن لبنان أنشئ دولة دون مجتمع، لأن أساس تكوين المجتمع هو ثقافة تشكّل عرفاً عاماً لدى مجموع الناس الذين يعيشون معاً عيشاً مستمراً فيكوّنوا مجتمعاً. وهذا ما لا وجود له في لبنان، إذ لا ثقافة تجمع أهله. بل إن مشاعرهم العصبية الطائفية الأقرب إلى القبلية تفرّقهم، وتجعل منهم مجتمعات متعددة بتعدد الطوائف.

وتساءل: هل من شأن كتاب التاريخ الموحد أن يعالج أزمة الثقافة والهوية في لبنان؟ وهل من شأن كتاب للتاريخ وكتاب للتربية المدنية أن ينشئ مجتمعاً؟

وخلص إلى أن الحالة الطبيعية لنشوء الدول، هي أن تنشأ الدولة معبِّرة عن مجتمع وثقافة. أما أن ينشأ الكيان السياسي نشأة مصطنعة وغير شرعية ثم يجري بعد ذلك البحث عن هوية وثقافة للمجتمع لتسويغه فهذا كمن يضع العربة أمام الحصان، وأن التاريخ الذي يشمل البقعة الجغرافية للكيان اللبناني لا يقف شاهداً لصالح هذا الكيان ولا يعزز الولاء له، بل يكشف افتقاره للحدّ الأدنى من الجذور التاريخية، وأن استعراضاً مزوَّراً ومشوَّهاً جديداً للتاريخ لن يزيد المشكلة إلا تعقيداً، وأنه مهما قيل في حرص الكتاب العتيد على التوازن بين مكوِّنات لبنان (أي الطوائف)، ستبقى حقيقة أن إنشاء الكيان اللبناني كان عدواناً على المسلمين الذين فُصلوا عن أمتهم بحدود مصطنعة، وكان توريطاً لغير المسلمين في مشروع غربي لا مصلحة لهم به، بجعلهم رأس جسر للعبور إلى المنطقة. وأن مشكلة لبنان أكبر وأعقد من أن تحلّ بكتاب موحَّد لتاريخ لا وجود له… إنها أزمة كيان ودولة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى