الحوت: من المستغرب في البيان هذا الربط المستهجن بين الحرص على الحقيقة والاستقرار

….”الجماعة إذ تعتبر نفسها جزءا من مكونات المقاومة، تعتبر ان من حق أي دولة ومن واجبها حماية شعبها من كل عدوان خارجي، وأن ترعى هذه الدولة وتنظم المقاومة، بما يخرجها من حصريتها ويجعلها مقاومة وطنية مفتوحة يمارس من خلالها كل لبنان حقه وواجبه في الدفاع عن الوطن، وأن تضع الضوابط الكفيلة بتجنيبها الانزلاق الى الصراعات الداخلية أو سياسات المحاور.
والمطلوب من الحكومة اليوم أن تقدم للبنانيين تعريفا واضحا للمقاومة وساحات عملها، ومن صاحب الحق في تحديد السلاح المقاوم وغيره، ووقف تمييز بعض الأجهزة الأمنية من خلال مداهمة البيوت بحثا عن السلاح الفردي في بيوت قرى معينة وتغض الطرف عن أسلحة متوسطة ظاهرة للعيان في قرى مجاورة، ورفع الغطاء عن أي خارج عن هذا التعريف. عندها فقط تستطيع الدولة أن تقوم على نزع السلاح غير المقاوم وفق سياسة عامة تشمل كل المناطق اللبنانية دون استنسابية أو تمييز بين منطقة أو أخرى.
ولا ينبغي أن نسمح لمقتضيات الصراع مع العدو الاسرائيلي أن تحرف نظامنا السياسي باتجاه نماذج لا ديمقراطية، فالانتصار على العدو الصهيوني لا يكون فقط عن طريق استرجاع الأرض أو تأمين الردع، بل أيضا -ومع ذلك كله- في التمسك بنظام سياسي يتميز بالتعددية، والعدالة، والمساواة، واحترام الحريات العامة والخاصة، وحماية حقوق الجماعات في أن تعبر عن نفسها بحرية تحت سقف الدستور. وأخشى ما أخشاه أن يصور للبنانيين أنه لا يمكن لبلدهم أن يدافع عن حقوقه المشروعة إلا إذا تنازلوا عن حقهم في هكذا نظام.
وأسجل ملاحظة أساسية حول الاسلوب الذي اعتمد في تشكيل الحكومة. لقد تشكلت هذه الحكومة بطريقة الخلط بين الموقف السياسي والواقع الدستوري، وادعاء بحقوق دستورية موهومة من أجل التسلط على عملية تشكيل الحكومة، كما جرى التعرض لموقع رئاسة الحكومة وصلاحيات الرئيس المكلف والتهديد بسحب التكليف منه وغير ذلك من المواقف والتصريحات التي اعتقد مطلقوها أنهم يحققون مكاسبا شعبية بالنيل من مقام رئاسة مجلس الوزراء.
ولقد تحول التشاور الوارد في الدستور الى تفاوض دام ما يقارب الخمسة أشهر وضغطت القوى السياسية لتحويل رئيس الحكومة الى صندوق بريد من خلال اختيار وزاراتها وتسمية وزرائها لاغية بذلك الحق الدستوري للرئيس المكلف باختيار وزرائه من بين مروحة واسعة من الخيارات الناتجة عن التشاور.
هذا الاسلوب في تشكيل الحكومة، فضلا عن أنه استبدل أعرافا جديدة بأحكام الدستور، فإنه سيصعب على أي رئيس حكومة، تشكيل الحكومة ويجعله عرضة للضغط والابتزاز.
دولة الرئيس، كما نتمنى، كمبدأ عام أن يترجم البيان في أهداف واضحة وجداول زمنية محددة، حتى لا نقع في أخطاء سابقة عندما قطعت وعود وأعطيت آمال ثم توقف العمل بها في منتصف الطريق فدفع المواطن في إيمانه وطموحه وآماله، وحتى نتمكن أيضا من المساءلة والمحاسبة العادلة والمنصفة للحكومة.
وهنا أتوقف عند بعض المواضع التي وردت في البيان الوزاري لهذه الحكومة.
1- ان من غريب ما ورد في البيان الوزاري هو هذا الربط المستهجن بين الحرص على جلاء الحقيقة وتبيانها في جرائم الاغتيال والاستقرار في لبنان ووحدته وسلمه الأهلي، وكأن الحكومة تريد أن ترسي في أذهان اللبنانيين معادلة مدانة تخيرهم فيها بين العدالة والاستقرار أو تطلب منهم التنازل عن العدالة في حال فكر فريق ما بتهديد الاستقرار، وهذا يتعارض أشد التعارض مع قيام دولة القانون والمؤسسات.
2- من الجيد أن تتعهد الحكومة في بيانها الوزاري بانجاز القانون الانتخابي قبل سنة على الأقل من موعد الانتخابات عام 2013، ولكنني كنت أتمنى لو تعهدت الحكومة أيضا بالقيام بالاجراءات التي تسمح بخفض سن الاقتراع، الأمر الذي يسمح لشباب لبنان، وهم أمل المستقبل، بالمشاركة في اختيار من يمثل طموحاتهم في الندوة البرلمانية.
3- لقد تحدث البيان الوزاري عن اعتماد الكفاءة في التعيينات، وهذا مطلب حق، ولكنني أتساءل الى متى نبقى نجري امتحانات خدمة مدنية لبعض الوظائف ولا نقوم بتوظيف الناجحين فيها، وهل سنصل يوما الى التعيين والتوظيف على أساس الكفاءة والأداء وليس على أساس الولاء والانتماء؟.
4- ان الفقرة المتعلقة بتعزيز القضاء وإصلاح شؤونه تستحق التقدير ولكنني أطالب الحكومة حتى تكتمل منظومة الاصلاح القضائي بأن تتعهد بالأمور التالي:
– إلغاء صلاحية المحكمة العسكرية النظر بقضايا متعلقة بالمدنيين وحصر مهامها بالعسكريين، وإحالة المدنيين الى القضاء العدلي المختص، إسوة بجميع الدول الديمقراطية.
– وضع خطة للنهوض بالسجون وتحويلها من بيئة مشجعة على الاجرام الى بيئة إصلاحية للمسجونين.
– العمل على اعتماد العقوبة الاجتماعية البديلة في عدد من الجرائم مما يساعد على الاستعادة السريعة لعدد من المرتكبين في ظروف معينة الى حضن المجتمع.
تعهد الحكومة بإنهاء ملف الموقوفين الاسلاميين والظلم الواقع عليهم، اذ ليس من العدالة او الالتزام بمبادىء حقوق الانسان ان يبقى لدى الدولة موقوفون منذ سنوات من دون محاكمات، فان من هؤلاء من لم يقم بأي نشاط او يحضر له وحكمه معروف، ومنهم من اشتبه بهم لوجود اتصالات بالمجموعات الملاحقة دون دليل على وجود صلة بالجريمة، وقد جرى اتهامهم بجنح لا يتعدى الحكم فيها اشهرا قليلة، ومع ذلك ما زالوا موقوفين منذ ما يزيد على الثلاث سنوات. فهل يعقل يا دولة الرئيس ان يصبح المسلم مطلوبا لانه ملتزم دينيا؟ لذلك فان حكومتكم مطالبة بالتعهد بانهاء هذا الملف في اقصر فترة ممكنة ليطلق سراح الابرياء وينال المرتكب عقابه المناسب.
5- لقد تحدث البيان الوزاري عن تعزيز دور المرأة، ولكن غلبه مبدأ تقاسم الحصص وصعوبة توزيعها على القوى المشاركة في الحكومة ادت الى استبعاد المرأة من الوزارة على الرغم من وجود الكفاءات المطلوبة، كما اغفل جانبا هاما اخر لانصاف المرأة اطالب بالتعهد به، وهو اعطاؤها حق منح الجنسية لابنائها، وهذا هو المعمول به في كثير من دول العالم، فأبسط حقوق المرأةاللبنانية ان نؤمن لها حق احتضان ابنائها بأمن واطمئنان.
ولا بد من التأكيد في هذا المجال على مكانة الاسرة باعتبارها اللبنة الاولى في البناء الاجتماعي، ودعمها بكل ما يؤمن استقرارها، ومن ذلك احترام قانون الاحوال الشخصية الذي يراعي خصوصية شرائح المجتمع اللبناني، ورعاية الاخلاق العامة، وتوجيه المجتمع نحو القيم الاخلاقية والبعد عن الانحلال الاجتماعي والفوضى الاباحية.
6- اما في الاطار الاعلامي، فنحن بحاجة الى وضع ميثاق اعلامي يبرز الدور الذي ينبغي ان يؤديه الاعلام في تدعيم قيم المجتمع، وترسيخ هويته ودعم مفاهيم الانتماء اليه، واحياء روح الوطنية والتسامح، ورفض التعصب والتخلف.
7- اما في الجانب التربوي فاني مع تأكيدي على الاهتمام بالمدرسة الرسمية والجامعة الوطنية بشرا وحجرا فاني اطالب الحكومة بجعل مادة التربية الدينية مادة اساسية في المناهج، وذلك لصياغة الانسان الفاضل المتمتع بالاخلاق والمشبع بالقيم.
8- لقد غاب موضوع البطالة عن البيان الوزاري، لذلك ادعو الحكومة الى وضع خطة عاجلة للتعامل مع نسب البطالة المتزايدة، وتفعيل المؤسسة الوطنية للاستخدام ونشر مكاتب لها في كل الاقضية اللبنانية لتسهيل تأمين الوظائف للعالين عن العمل.
9- لقداشار البيان الوزاري الى التزام الحكومة بالعمل على توفير الحقوق الانسانية والاجتماعية للفلسطينيين المقيمين على الاراضي اللبنانية، الا اني اؤكد ان منظومة الحقوق الانسانية لا يمكن ان تكتمل دون اعطاء الفلسطينيين حق التملك، اسوة ببياقي الاخوة العرب.
10- اني اطالب الحكومة من على هذا المنبر الديمقراطي بان تسجل في بيانها تفاعلها مع الربيع والحراك الشعبي العربي نحو الحرية والعدالة والديمقراطية دون استثناء، وان تبادر فور نيلها الثقة الى القيام بواجبها الانساني تجاه الاخوة السوريين اللاجئين الى لبنان، بعيدا عن الاستثمار السياسي، وان تمتنع وفقا للمعاهدات الدولية عن تسليم اي مواطن يلجأ الى الاراضي اللبنانية.
لاني ومن امثل لا نرغب في الموافقة على تكريس اعراف جديدة في تشكيل الحكومات نرى انها مخالفة لنصوص الدستور ومعيقة لتشكيل اية حكومة قادمة. ولاننا نعتبر ان شكل الحكومة دون طموحات اللبنانيين، فضلا عن عجزها عن ردم الانقسام بين ابناء الوطن.
ولاننا نتمنى لرئيس الحكومة الا يعيش اياما صعبة مع حكومة مهمة بعض من فيها محاصرته بالعراقيل والصعوبات والكيدية. فانني لن اعطي الحكومة الثقة وساكتفي بالامتناع عن التصويت افساحا في المجال لرئيس الحكومة للاستدراك وترجمة التزامه بوثيقة الثوابت الاسلامية والوطنية التي صدرت في دار الفتوى متمنيا للحكومة ورئيسها التوفيق في عملهم، داعما لكل ما هو في مصلحة الوطن والمواطن ومعارضا لكل ما تجاوز لحقوق المواطنين او لدولة القانون والمؤسسات التي نريد.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development