من يبادل وفاء العراق وفاءً – بقلم: محمد علي الحلبي

دارت في خلدي هذه الخواطر في هذه الأيام العصيبة حيث أخذت أحداث العراق تهيمن على عقل كل إنسان عربي مثيرة لواعج الحب له ولأهله محركة كل عوامل الروع والخوف عليه،فيكفيه ما عاناه من آلام ومآسي منذ بدء الحروب عليه،وجرائم الحصار لشعبه،وآخرها الاحتلال الأمريكي لأرضه عام2003تحت ذريعة الكذبة الكبرى التي ادعّت بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل مقراً بتلفيقها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق(كولن باول).
وبدون كبير جهد أمتعني العبق الملتصق بأيام تاريخه الحافل بالمآثر والمكرمات،والمنازلات الوطنية الحقة ….كان ذلك من خلال قصائد الشاعر العراقي″معروف الرصافي″19877-1945واصله من مدينة كركوك شارك ″رشيد عالي الكيلاني″ والثوار ثورتهم عام1920وعُدّ ايامها خطيب الثورة الأول،وفي قصديتين من قصائده يحكي في الأولى عن أمجاد الأهل وهو واحد منهم ، وفي الثانية عن جوانب خلل تعترض حياتهم ، ففي الأولى يقول:
لواعج الهمّ في جنبي تضطرم والهم مقداره من أهله الهمم
كم قد أذاقتني الأيام من حُرق من فوقها أسف من تحتها ألم
لا تعجبوا فالأسى في النفس ملتهب والعزم متقــد والهم محتــدم
استبرد النار من حَرَت عزائمه واستصغر الخطب من في نفسه عظم
وفي قصيدته الثانية يقول وكأنه يعيش بين أهله هذه الأيام وكأن العملاء الأنذال الغرباء عنه وعن عروبته عادت الروح لهم مجدداً، ففي مطلعها يتحدث بلغة التواضع قائلا ً:
أنا بالحكومة والسياسة جاهل
عما يدور من المكائد غافل
لكنني هيهات أفقه كوننا
شعباً يتامى جلّه وأرامل
في كل يوم فتنة ودسيسة
حرب يفجّرها زعيم قاتل
هذا العراق سفينة مسروقة
حاقت براكين بها وزلازل
ويكمل هذا الوطني المبدع باحثاً عمن يثير الفتن، ويحرض عليها مثيرا الأشجان واصفا إياهم فيقول:
أنتم بديباج الكلام أماجد
وبنكت أصرّة الوفاء أراذل
لا لم تعد نجف تفاخر باسمكم
لا كوفة،لا كربلاء،لا بابل
ما أنتم إلا بناء ساقط
نتن مليء أرضه متآكل
الأرض كل الأرض من دم شعبنا
اتقدت مصابيح بها، ومشاعل
الأرض نبع الحبّ لولا شلة
هي حابل للأجنبي ونابل
يتآمرون على العراق وأهله
زمر على وطن الإبا تتطاول
فهنا عميل ضالع متآمر
وهناك وغد حاقد متحامل
ولأنه وطني كغيره من الغيارى على بلدهم يخافون عليه إنما يحدوه ويحدوهم الأمل القديم المتجدد أبداً،الذي حرر العراق من كل أدوات الطغيان،فيردد:
لكن برغم صليبنا ونجيعنا
فيسوع جلجه العذاب يواصل
يحيا العراق برغم شائكة الدما
للنور نبع للحياة مناهل
لا تبك قافلة تموت فإثرها
ازدحمت على درب الفداء قوافل
ما أعظم الوطن الفخور بحتفه
متشائم بحياته وبموته متفائل
وفي تفاؤله يعتمد حقائق تاريخية عاشها العراقيون معتزين بفخارها…متمسكين بها لأيامهم القادمة، وتفاؤله يبعد الطيرة والتطير عن حياتهم…إنه الإيمان غير المحدود المنبجس انبجاس ينابيع الماء مناهل الحياة .
لا مبالغة في هذا الوصف،فتسمية هذه الأرض بهذا الاسم منذ القدم يقدم لنا الدليل المؤكد لرأينا ، فأسماء البلدان باللغة العربية تقترن بالصور المرافقة لها،وبالإدراك لمضامينها ، ولو عدنا لمعاجم اللغة نستقرؤها المعاني لوجدنا:
في معجم العين: ” العراق شاطئ البحر على طوله، وبه سُميّ العراق لأنه على شاطئ دجلة والفرات “، والمعروف أن شواطئ المياه تزخر أراضيها بالخصب والخير الوفير لغزارة الأمطار فيها.
وجاء معجم (تاج العروس من جواهر القاموس) مؤكداً ذلك ففيه:العراق جمع عراقة،وهي المطر الغزيرة,وقال ابن عبّاد:عراق النبت : نباته في إثره.
أما في معجم (المحكم والمحيط الأعظم) ففيه:العراق استكف أرض العرب أي أحاط بها،ويقال أيضاً:استكف الشجر إذا اجتمع إلى بعضه.
لكن معجم الصحاح ينتقل من وصف الطبيعة إلى المضمون القيمي للكلمة ففيه:اعرق الرجل أي صار عريقاً، وهو الذي له عرق في الكرم.
من هذه الوصوف الحقة،وعبر مراحل التاريخ قديمه وحديثه استكف العراق أرض العرب وحماها من غزوات عديدة لأنه بواباتها الشرقية.
لقد تلقى مآسي هجمات المغول والتتار،ودفع الأثمان الغالية مقابلها ، وما زال العراق القديم الأصيل في عصرنا على اصالته….لقد شاركت قواته القوات العربية في حرب عام1948ضد العصابات الصهيونية،وحررت مدينة جنين الفلسطينية،وعندما صدرت الأوامر بالانسحاب بعد القرار الأممي بوقف إطلاق النار وتقسيم فلسطين دمعت عينا قائد المجموعة محمود خطاب وهو يلقي قصيدته في البلدة قائلا ً:
أجنين يا بلد الكرام تجلدي
ما مات ثأر دمانا
لبيك حتى نرتدي الأكفانا
إني لأشهد أن أهلك كافحوا
غزو اليهود وصارعوا العدوانا
وفي حرب تشرين التحريرية عام1973شاركت قواته على الجبهتين المصرية والسورية أيضاً ، وكانت الأكثر عددا بعد سورية ومصر، ويوم السادس من تشرين الأول يوم بدء الحرب وعلى الجبهة المصرية قصفت طائراته مواقع العدو الصهيوني مدمرة مواقع صاروخية ومدفعية له،وعطلت العديد من دباباته،ويذكر الفريق″سعد الدين الشاذلي″ رئيس الأركان المصري في مذكراته بأن القوات المصرية كانت ترفع طلباتها (نريد السرب العراقي) أو سرب الهوكر هنتر،وعلى الجبهة السورية وفي يوم10تشرين،وبعد طلب من سوريا استجابت له القيادة العراقية فورا , بدأت الآليات العسكرية دخولها لدمشق باتجاه الجبهة السورية شاركتها أربعة أسراب طائرات،وأبلت بلاءً حسناً مع القوات السورية….خسر العراق أثناءها 323 شهيداً دفنوا في منطقة السيدة زينب جنوب دمشق , بينما كانت خسارته في مصر8طائرات واستشهاد3طيارين،وأسر3آخرين،وقد سبق كل ذلك دعم مالي لمصر،فقد وضعت الحكومة العراقية سبعة ملايين جنيه استرليني في حساب الحكومة المصرية في لندن لشراء ما تحتاجه من معدات،كما أُبلغت الحكومة المصرية بزيارة الرجل الثاني آنذاك المرحوم (صدام حسين) إلى فرنسا لشراء معدات عسكرية للجانب المصري،وفي لقاء له مع الرئيس السادات وقد ابلغه الأخير أن الاتحاد السوفيتي توقف عن بيع الأسلحة لمصر إلا نقداً فقرر أن يسدد العراق قيم كل السلاح المشترى من حساب النفط المُصدر للاتحاد،وكذلك سدد الرئيس الجزائري المرحوم (هواري بو مدين) قيم الأسلحة من أجل دعم مصر،ولا يمكن تجاهل الدعم العراقي للحركات المعادية للاستعمار ، واستضافته اللاجئين الفلسطينيين وقد زاد عددهم بعد أن غادروا الكويت اثر حرب الخليج الثانية , إنما جميعهم تمتعوا بحق العمل،والحق الكامل في الصحة،التعليم،الخدمات الحكومية،وتملك البيوت واستئجارها،ولم يعودوا يطالبون بتصاريح للإقامة،لكن بعد أن ساءت معاملتهم بعد الاحتلال غادر البلد حوالي20000فلسطينياً قبلت بتوطينهم بلدان غربية.
هي لمحات مشرفة وعلى غناها من السياسة الخارجية , ومن بديهيات علم السياسة العلاقة الجدلية الطردية بين السياستين الداخلية والخارجية،فعظمة السياسة الخارجية لابد لها من سياسات داخلية ناجحة،وكان ذلك رغم بعض المآخذ والهنات عليها:
– لقد ازدادت معدلات الناتج المحلي الإجمالي مما انعكس على دخل الفرد.
– عدّ الضمان الصحي العراقي الأول عالمياً من قبل المنظمات الدولية.
– القوات العراقية الحامية للوطن حققت الانتصار فيما سُمي بحرب الخليج الأولى وكانت معدّة إعداداً جيداً تدريباً وتسليحاً.
– الفساد يكاد أن يكون لا وجود في تلك المرحلة.
– الظاهرة الأهم والتي انفرد بها العراق عن باقي المجموعة العربية بدء بناء الصرح العلمي من خلال علماء اختصوا في المجالات النووية والبيولوجية،والهندسة الكيميائية،والفيزياء،وباقي العلوم التطبيقية والنظرية…لقد أكدت التقارير أن عدد العلماء كان في تلك الفترة3500عالما , منهم 500 عملوا على تطوير مختلف الأسلحة لكن أغلب الشركات التابعة لهيئة التصنيع الحربي فككت بعد الاحتلال،وتمّ نقلها كما أكد ايامها السيد (محمد البرادعي) مدير الوكالة للطاقة النووية.
سُرقت المعدات النووية والصناعية،ونقلت إلى خارج العراق للاستفادة منها في المفاعلات الإسرائيلية،وبيع القسم الآخر إلى أطراف دولية،وكبير المفتشين″الدوليين عن أسلخة المار الشامل ″هانز بليكس ” وهو أحد ضباط المخابرات الأمريكية صرّح″حتى لو دمرنا كل شيء فنحن أمام جيش كبير من العلماء″ , كما أن مجلس الأمن أصدر قراره رقم1441 بضرورة استجواب كافة العلماء والباحثين،والسناتور الأمريكي (جوزيف براين) قام بمحاولة يائسة لكسب ودّهم وتسهيل هجرتهم لأمريكا.
من أجل هذه المواقف الوطنية والقومية دفع العراق ثمنها حروباً شُنت عليه من قِبل أعداء الأمة العربية،وفي مقدمتهم أمريكا الحليف الاستراتيجي لإسرائيل،ففي عام1980صرّح مستشار الرئيس الأمريكي (بريجينسكي) قائلا ً:″إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران نستطيع من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو″، واليمين المحافظ ضغط على الكونغرس للتصديق على مشروع قانون تحرير العراق عام1998اضافة الى مصادقته على صرف مبلغ97مليون دولار كمساعدات للمجموعات والورش العراقية التي تعاونت مع وكالة الاستخبارات الأمريكية،وفي شهادة لــ″بول ولفوفيتز″في25/3/1998أمام الكونغرس الأمريكي قال:″ساعدوا الشعب العراقي على إزاحة سلطته،وإنكلترا الحليف الرئيسي للاحتلال الأمريكي عام2003بدأت التحريض الإعلامي , وعن ذلك ذكر الموقع الالكتروني لــ (الغار ديان أوبزرفور) لقد جرى ذكر العراق في7118مقالا ًبين الأول من كانون الثاني والسادس من حزيران2003بما في ذلك961مقالا أتى على ذكر العراق وأسلحة الدمار الشامل،وسجل موقع (إندبندنت) الالكتروني5872مقالا ًيتحدث عن العراق منها931مرّة ذكر العراق وأسلحة الدمار الشامل،وفي3 أيلول2002عقد(طوني بلير)رئيس الوزراء مؤتمره الصحفي في دائرته الانتخابية ودافع بقوة عن فكرة القيام بعمل عسكري ضد العراق،وقدّم لمجلس العموم ملف إثباتات مزورة كانت قد أعدته لجنة الاستخبارات المشتركة تدعي بأن للعراق القدرة على استعمال اسلحة الدمار ضد أعدائه في غضون45دقيقة،وكانت الحرب التي سُميت بحرب الخليج الثالثة،وكان احتلال العراق وقد سبق ذلك حصار مطبق بعد حرب الخليج الثانية جاوزت خسائرها المائة ألف إنسان و تطبيق قرار سُميّ (بالنفط مقابل الغذاء) ،وأقيمت منطقتا حظر جوي في الشمال والجنوب،وفُرضت عليه عقوبات من مجلس الأمن،بالقرارات661،665،666،678،ومن نتائج هذه الحروب المدمرة ولمزيد من التدمير الشامل لبنيانه ولأنة يشكل العمق الاستراتيجي لسوريا ولبنان،ولفلسطين عمد المحتلون الى :
1- حلّ الجيش العراقي.
2- التوافق مع من قَدموا مع الاحتلال على الدبابات الأمريكية على توزيع الرئاسات الثلاث طائفياً واثنيا.
3- استمرار سرقة الموارد العراقية تحت غطاء اقتطاع الديون والتعويضات المترتبة عليه لقاء الحروب السابقة، ومبالغ دُفعت للجان الأمم المتحدة المعنية بمراقبة الأوضاع وتنفيذ القرارات.
4- تزايد أعداد قتلى الحروب، وتشريد الكثيرين، وهجرة العديد إلى البلدان المجاورة…لقد وصل عدد النساء الأرامل الى2مليون أرملة ،وعدد الأيتام إلى خمسة ملايين يتيماً , كما تم اغتيال و قتل العديد من العلماء
وما زالت المعاناة مستمرة،ولأن العراق عد في المراحل الماضية في طليعة التصنيف الدولي للضمان الصحي إلا انه عدّ في هذه الأيام ومن قِبل منظمة الشفافية الدولية بأنه من أكثر بلدان العالم فساداً لكن وللأمانة الموضوعية جاء بعده بلدان ،ودليل واحد يكفي لوصم قياداته بالعار, أن صفقة الأسلحة مع روسيا المشوبة بالاختلاسات حيث سرّح الرئيس(بوتين) وزير دفاعه على إثرها منذ أشهر لكن التحقيقات فيها مستمرة , علماً بأن عدد من ساهموا من العراقيين في عقدها محدود ومعروفً.
5 – ولمزيد من التدمير المقرر لكل بنيانه, فبعد سقوط بغداد بدأت عمليات النهب والسلب فقد سرق من المتحف الوطني العراقي 170000 قطعة أثرية, وتم سرقة آلاف الأطنان من الذخيرة الحربية العسكرية,
لا غرابة إذاً،وفي هذا الوضع المأساوي أن تقوم احتجاجات جماهيرية في العديد من المحافظات العراقية مطالبة بالإفراج عن المعتقلين وخاصة المعتقلات ظلماً لأنهم عبروا عن آرائهم،كما أن البعض منهم انتهت مدة محكومياتهم وما زالوا رهن الاعتقال،والقسم الأكبر لم يقدم للمحاكمات رغم مرور سنين على اعتقاله،والأصوات تتعالى لتطبيق العدالة الاجتماعية بين مكوّنات الشعب بمختلف فئاته،وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص على الجميع.
وضع مؤلم لشعب عريق في نضاله مؤمن برّبه وبحريته قدّم الكثير لأمته العربية،ونداء من القلب إلى النشامى الغيارى على بلدهم أن ينضموا جميعاً في جبهة واحدة لردع المتآمرين والعاملين على تحقيق أماني أعدائهم في تقسيمه،وعلى الأمة العربية الواجب الأكبر لدعم أحراره وتخليصهم من شرور″أبناء العلقم″ والمعروف أن الوزير ابن العلقم تآمر على بلده مع المغول ليحتلوا بغداد ،وقد مات كمداً مهموماً مغموماً في بيته بعد يومين من الغزو.
تحدث الرصافي عن العلاقمة الذين يظهرون من حين لآخر لكنهم وفي منطق تاريخ هذا البلد يزولون،ويبقى العراق درّة من درر الأمة العربية.
تحية وفاء لمناضليه، فمن يبادل وفاءه وفاءً؟!….
محمد علي الحلبي


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development