الأخبار اللبنانية

علاقة لحود وجنبلاط لم تكن دائماً “جبة ملتهبة” ولا “شهر عسل”

علاقة لحود وجنبلاط لم تكن دائماً “جبة ملتهبة” ولا “شهر عسل”
عودة المياه إلى مجاريها بين الرجلين رهن باعتذار رئيس الاشتراكي

حسان الحسن- (البناء)
لقد أضحى ما يجمع اليوم بين الرئيس إميل لحود والنائب وليد جنبلاط أكثر مما يفرقهما، ما دام رئيس التقدمي ملتزماً الثوابت الوطنية التي حاول لحود إرساءها، والتي تختصر الأعوام التسعة من عهده وأبرزها: حماية المقاومة المنسقة مع الجيش، الانفتاح على الدول العربية وإقامة العلاقة المميزة مع سورية، ورفض توطين الفلسطينيين في لبنان. فهذه الثوابت صارت كاللازمة في خطب جنبلاط عقب انعطافته الشهيرة في آب الفائت.
وفي لمحةٍ تاريخيةٍ عن علاقة العماد و”البيك”، يبدو جلياً أنها لم تكن دائماً جبهةً ملتهبةً، ولا “شهر عسلٍ” طويلاً. فعلى صعيد العلاقة الشخصية والعائلية بينهما، هي تعود لأكثر من نصف قرن، حين كان اللواء جميل لحود والد الرئيس لحود صديقاً للشهيد كمال جنبلاط، ومرشحه إلى رئاسة الجمهورية، وقد اقترع جنبلاط الأب وكتلته لمصلحة لحود مرتين في الانتخابات الرئاسية.
وعندما تسلّم العماد إميل لحود قيادة الجيش اللبناني، كان جنبلاط الابن أول المهنئين، ووقف إلى جانبه في قضية مبدئية وإصلاحية. ففي تلك الفترة عرضت إحدى الجهات على قائد الجيش مبلغ خمسمئة ألف دولار أميركي تُصرف له بشيك يوزعها بدوره كيفما شاء على المؤسسة العسكرية، وقد لاقى هذا العرض رفضاً شديداً من لحود، معتبراً أن قائد الجيش الذي يتقاضى مالاً من خارج مخصصاته يفقد صفته العسكرية، وعلى رغم رفض قائد الجيش هذه “الهبة” بقيت تتوزع على بعض الضباط، ولم يستطع لحود معاقبتهم بسبب عدم وجود لوائح أو إيصالات تثبت هذا الأمر. وذات مرة استُدعي قائد الجيش العماد لحود إلى جلسةٍ لمجلس الوزراء في مقره الموقت في “السبينس” آنذاك واستوضح منه رئيس الجمهورية الراحل الياس الهرواي عن وضع “الهبة” المذكورة، فأكد له لحود صرف الأموال لبعض الضباط من خارج الجداول المالية، وكان جنبلاط من مؤيدي رأي لحود بضرورة وقف أي هباتٍ لا تدخل عن طريق مجلس الوزراء وبالطرق القانونية المتبعة في قبول الهبات، حرصاً على ولاء الضباط للمؤسسة العسكرية.
إلا أن الوفاق لم يعمر طويلاً، فاصطدم بقرار الحكومة عشية الانتخابات النيابية في العام 1992 والقاضي باستعادة المباني التي شغلتها بعض الميليشيات إبان الحرب اللبنانية، وأنيطت المهمة بالجيش الذي استعاد بقيادة لحود عدداً كبيراً من هذه المباني ومنها مبنى الحجر الصحي في الكرنتينا والذي حوّلته “القوات اللبنانية” إلى “مجلسها الحربي”، ودار المعلمين في جونية والذي كان مبنى محطة المؤسسة اللبنانية للإرسال، واستكمل لحود استعادة أملاك الدولة فاستعاد قصر الأمير أمين في بيت الدين والمكتبة، على رغم تحذير الهرواي من غضب جنبلاط، وكان ردّ لحود حينها “بما أنه صديقي عليه أن يتفهمني، فهذه الأموال للدولة وليست ملكاً لأحد”.
الانتكاسة الثانية التي أصابت العلاقة اللحودية – الجنبلاطية، كانت عندما اتصل شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث بلحود طالباً منه الحماية من أنصار الحزب “الاشتراكي” في قريته نيحا الشوفية، فلم يتلكأ قائد الجيش عن القيام بواجبه تأمين الحماية لأي مواطنٍ، وهذا ما فعله مع غيث، معتبراً أن لأي لبناني الحق بالأمن على الأراضي اللبنانية، ما أثار حفيظة جنبلاط.
وعندما انتُخب لحود رئيساً للجمهورية لم يصوّت جنبلاط لمصلحة قائد الجيش، ولكن بعدها التقاه وصارحه بأنه لا يرغب بوصول عسكريٍ إلى سدة الرئاسة، فيما لم يخفِ لحود كرهه للميليشيات أيضاً، ولكنه شدد لجنبلاط على ضرورة التعاون بغض النظر عن الأهواء الشخصية، في سبيل مصلحة لبنان وشعبه، فتجاوب معه جنبلاط في المرحلة الأولى.
ويوم قرر لحود تمضية الإجازة الصيفية في القصر الجمهوري في بيت الدين، أزال تمثالاً يعود للشهيد كمال جنبلاط عند مدخل القصر، وعندها اتصل به الوزير غازي  العريضي وقال له: “أين أنت؟، الجبل قام ولم يقعد” فأجابه لحود: “أنا في قصر الأمير أمين، وكل شيء على ما يرام”، ولم يقصد لحود آنذاك الإساءة الى البيت الجنبلاطي، ولكنه اعتبر أن موقع التمثال ليس على مدخل القصر الجمهوري.
واستمر انقطاع العلاقة بين الرجلين إلى ما قبل التمديد لولاية لحود، ووصل الخلاف الى أشدّه عند التمديد وعقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، غداة إطلاق جنبلاط الاتهامات بحق لحود وسورية باغتيال الحريري.
أما الآن وبعد عودة جنبلاط إلى التزام المسلمات الوطنية التي نادى بها لحود وانتهجها، فأمر واحد يحول دون إتمام اللقاء بينهما، ألا وهو عدم اعتذار رئيس اللقاء الديموقراطي علناً من رئيس الجمهورية السابق بحسب ما أكد مصدر مقرب من لحود، موضحاً “كما أساء إلى الرئيس لحود في العلن وعلى وسائل الإعلام، عليه أن يعتذر بالطريقة عينها”. وأكد المصدر تأييد لحود لأي تلاقٍ وطني يصب في مصلحة لبنان، لافتاً إلى أن ما يهم رئيس الجمهورية السابق هو التمسك بخيار المقاومة وحمايتها، والحفاظ على العلاقة مع سورية بوابة لبنان إلى الدول العربية والمسانِدة له في الظروف الصعبة.
وليس غريباً أن يرى الشعب اللبناني حلقةً جديدةً من مسلسل المصالحات تجمع بين “البيك” و”فخامة المقاوم”، طالما أعاد جنبلاط تموضعه السياسي وعاد إلى نهج والده. والأسبوع المقبل لناظر اللبنانيين لقريب.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى