المقالات

في ذمة الله ورحمته وكرمه الأستاذ الحاج محمد نوال العمادي – بقلم: للدكتور محمد علي ضناوي

تسعون عاماً مليئة بالنشاط والحيوية في التربية والتعليم والصحافة والإعلام، والفعل الحسن والعمل الجماعي، والجهاد بالكلمة الصادقة والناقدة، تلك هي حياة الأخ الأستاذ الحاج محمد نوال العمادي رحمه الله.
*    *    *
هو ابن أحد أبرز علماء طرابلس في النصف الأول من القرن العشرين، عنيتُ الشيخ خالد العمادي رحمه الله، وفي كنف الأسرة الكريمة هذه نشأ فقيدنا برعاية حانية ليتقدم في العلم والفضل والخلق والكفاح والجهاد. فقد كان مولده رحمه الله في عام 1922، أي بُعيد انفراط عقد الخلافة العثمانية في اسطنبول، وهزيمة الدولة العثمانية في الحرب الأولى، واحتلال كثير من البلدان العربية والإسلامية من قبل الانكليز والفرنسيين وتوليد دولة لبنان الكبير (1921).
كان العلامة الشيخ خالد العمادي، كشأن سائر العلماء في طرابلس، يقاوم التبعية والاحتلال، إلا أن ذلك لم يمنعه من تربية أولاده وحضهم على التعليم، فكان فقيدنا محمد نوال طالبا مجداً رغم قلة المدارس في ذلك الحين، ثم تزيّ بالزي الديني، ثم مال إلى تركه، ملتحقاً بالتعليم المدرسي الرسمي، مهتماً بتخريج الأجيال وصقل نفوسهم، بخاصةٍ في منطقة القبة وجوارها. ثم سمي مديراً لمدرسة اليازجي في أبي سمراء حيث سكن وأقام، محققاً النجاح في إدارته المدرسية والتربوية تلك، فكان، بحق، أحد أعلام التربية في لبنان، وترجم ملكته التربوية في وضع مجموعة من المؤلفات التعليمية، فكتب في الصرف والنحو والتاريخ والإنشاء والقصص. وسرعان ما اعتمدت كتبه في المدارس الرسمية وقد لاقت نجاحاً ملحوظاً، مما أدى إلى منحه وسام المعلم في الجمهورية اللبنانية عام 1985 والى نيله، من لجنة الاونسيكو الفرنسية، ميدالية المعارف الذهبية.
*    *    *
حبُّه للمعرفة وخدمة الأجيال وشغفه بالكتابة والتحرير، كل ذلك حمله  في عام 1950 إلى الانتساب لنقابة محرري الصحف، ومذ ذاك شق، رحمه الله، طريقه إلى الإعلام، فكان مديراً مسؤولاً لعدة صحف ومجلات كالرقيب والبستان والنافذة وصوت الفيحاء، وكان أيضاً محرراً دائماً في جريدة التمدن الطرابلسية لأكثر من أحد عشر عاماً، يكتب بزاويته المفضلة (الحق أقول) فَعُرِف بها وعُرِفَت به، وكان اختياره للعبارة اقتباساً من قوله تعالى في سورة ص (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ [84] .
وفي عام 1955 قدم رحمه الله بنجاح برنامجاً إذاعياً عبر أثير الإذاعة اللبنانية، كان محطَّ تقدير المستمعين والمعنيين هو برنامج أهل الفكر في لبنان.
وفي عام 2002 في مهرجان كبير لتكريم شيوخ الصحافة في بيروت كرّم رحمه الله من اتحاد الصحافة اللبنانية من بين جمهرة الصحافيين الشيوخ واستلم درع التكريم من نقيب الصحافة.
*    *    *
غير أن فقيدنا الحبيب المتعدد المواهب لم يحصر نفسه في التربية والتعليم والصحافة فحسب، بل تعدى ذلك إلى الحقل الاجتماعي وخدمة مدينته التي أحب، طرابلس فما دعي رحمه الله إلى عمل في هذا الميدان الرحب إلا لبى فرحاً أنه يؤدي رسالة يخدم فيها أمته وبلده فانتسب إلى الرابطة الثقافية لخريجي دار التربية والتعليم الإسلامية، وسُمي عضوا في لجنة التوعية للوحدة الوطنية، وانتخب أمين سر “العناية بالأسرة” عام 1978، وعضوا في لجنة المتابعة لتحقيق  الوفاق الوطني (1979)، وعضواً في جمعية الإنقاذ الإسلامية 1987 وجمعية النهضة الإنسانية 2003.
عندما غضب نهر أبو علي عام 1955وفاض ودمّر كثيراً من البيوت وشرّد السكان ساهم رحمه الله بفعالية في أعمال الإنقاذ وخدمة المتضررين. ولاحظتْ المؤسسة الاجتماعية الفرنسية، وقد حضرت جانباً من أعمال الإغاثة، ونسقت بعض المجهودات، نشاط الفقيد المتميز فأعجبت بكفاءته فمنحته الوسام الذهبي الاجتماعي برتبة فارس، ثم اختاره الكشاف العربي ليكون مستشار الشؤون الاجتماعية في الجمعية  عام 1989 فكان نعم المستشار المؤتمن.
*    *    *
وكما كان رحمه الله فارساً في الخدمة الاجتماعية، كان كذلك قائداً مميزاً في العمل الخيري، فالتزم منهجية العمل الخيري، خاتماً به مسيرة حياته الطيبة. فقد انضم إلى المؤسسات العاملة في الحقل الخيري خدمة للأيتام والفقراء والمحتاجين والمهجرين، فكان أن اختاره الرئيس الشهيد رشيد كرامي في اللجنة المشرفة على “المؤسسة الاجتماعية”، وهي دار أيتام تابعة للجمعية الخيرية الإسلامية وإسعاف المحتاجين، ثم التحق بمؤسسة بيت الزكاة المتفرع، عند تأسيسه، عن جمعية الإنقاذ الإسلامية، ثم كان وقفاً خيرياً مستقلاً، وسمي عضواً في الهيئة العليا للبيت ولم يبخل بتجاربه وأفكاره واقتراحاته، وكان حريصاً على كل تطور وتنظيم، حاثاً على إغناء تجربة بيت الزكاة وتفعيلها، ملتزماً جميع الاجتماعات وفعاليات العمل، ولم يتأخر عن إسداء النصيحة والقيام بما يكلف به، ولم يتردد في تجشم أعباء السفر ليكون عضواً فاعلاً في أكثر من وفد جال على بعض بلدان الخليج، عارضاً رسالة بيت الزكاة، متحدثا عن أوضاع طرابلس ولبنان اللذين عاشا حروباً أهلية واقتصادية وحروباً على ارضه وحروب العدو الاسرائيلي على امتداد سنوات طوال… وكان رحمه الله يفرح في تبرعات تأتي إلى بيت الزكاة من محسنين، في لبنان وخارجه، ويقول إنّ ذلك فضل من الله ونعمة ورزق طيب للمحتاجين والأيتام وللمدينة الصامدة.
كان رحمه الله خير رسول للبيت وللإنقاذ الإسلامية، فما كان يتواجد في جمع يُذكر فيه العمل الإنساني حتى يكون متحدثاً لبقاً يذكر أنشطة العمل، مؤكداً أن البيت  قد أغنى العمل الخيري بتجربة فذة ومؤسسات حضارية ليست ملكاً لأحد، بل هي وقف لجميع المسلمين ولكل إنسان متضرر منكوب. وكان يحرص دائماً على القول : إنّ البيت قد تمكن بفضل الله سبحانه، ثم عطاءاته وبرامجه بأن يكون الأول في ساحته، والمبرّز في ميدانه، وصاحب أعظم تجربة خيرية حديثة في البلد .
وقد دعا رحمه الله إلى وجوب إنشاء رابطة للمؤسسات الإسلامية المتجانسة للتنسيق فيما بينها، ولتنظيم العمل وتوجيهه الوجهة الصحيحة السليمة، فكان أن أقرت الفكرة ونشأ اتحاد المؤسسات الإسلامية، ومثّل رحمه الله بيت الزكاة في مجلس الاتحاد الإداري. ونظراً لعظيم خدماته في ميادين الخير منحه بيت الزكاة وسام الخير الأكبر، مع بعض إخوانه، في حفل كبير أقيم في طرابلس برعاية رئيس مجلس الوزراء الأستاذ محمد نجيب ميقاتي عام 2005 وقد ألقى رحمه الله كلمة المكرمين مبيناً أهمية العمل الخيري في بلسمة جراح المحتاجين.
كان الحاج محمد نوال، وقد منحه الله سبحانه بسطة في العلم والجسم، متمتعاً بوجه صبوح تعلوه حمرة لافتة وتزينه لحية بيضاء نقية، فما إن يدخل إلى مجتمع أو اجتماع حتى تكون الهيبة قد سبقته مصحوبة بتقدير عال من الحضور.
مآثر الرجل الفقيد أكثر من أن تحصى، وأكبر من أن يضمها مقال يأتي بمعرض رثائه. فقد خيرناه في كثير من محطات الحياة، فكان رحمه الله محبا أنيساً يهش للناس والإخوة العاملين ويبش لهم، حتى إنه قد سمي بحق (ملح الاجتماع)، فبدونه لا تصفو الأجواء عند اشتداد النقاش، إذ إن عباراته الطريفة وضحكاته المفرحة تمنحان اللقاء لمسات الود وتشحذان الهمم. لقد كان حريصاً على وحدة الموقف، حاثاً على الاستمرار في الخدمة الخيرية والمؤسسية، داعياً إلى عدم الالتفات إلى (القيل والقال) فهذا لا يصدر إلا من حاسدين.
*    *    *
ولا يسعني، وأنا اعدد بعض مناقبيات الفقيد الكبير رحمه الله، إلا أن أقف إجلالاً لتضامنه إزاء أطروحات ومواقف اتخذتُها مع إخواننا في (الإنقاذ الإسلامية)، في عدد من القضايا الكبيرة، فينبري للدفاع عنها وللشرح والتحليل، لينتهي مؤكداً، على أهمية تلك المواقف، مندداً بمعارضة مكشوفةٍ دوافعُها، لا تريد الخير والأمن للبلاد.
وأسجل هنا بكثير من الاحترام، عندما ثارت ثائرة (أبو عمار) وبعض مؤيديه من مجموعته العسكرية ومن بعض (أهل البلد)، بسبب بيانات أصدرناها في حرب الفلسطينيين في طرابلس عام 1983. فقد أعلنّا أننا نرفض مثل هذا النزاع المسلح بين فصائل فلسطينية على أرض طرابلس ولبنان، وأن طرابلس حريصة على استقبال المتنازعين في ساحة حوار أخوي غير مسلح، وأن على الفريقين الفلسطينيين عدم استخدام طرابلس ساحة حرب وتقاتل، فقرر أبو عمار وبعض مؤيدين من (أهل البلد) إسكات صوتنا قتلاً أو اعتقالاً، غير أن الله تعالى رمى بكيدهم على أنفسهم فعادوا خائبين، وما إن علم فقيدنا، رحمه الله، بالأمر حتى حضر متضامناً شاجباً مندداً منذراً بالويل والثبور، عارضاً كل خدماته في سبيل شجب ما جرى، وإفهام الآخرين أن صوت الحق يجب أن يستمر، وأن موقف الإنقاذ الإسلامية هو موقف طرابلس التي ترفض أن تنجر إلى ويلات الحروب الأخوية المدمرة.
*    *    *
مرض رحمه الله في الأشهر الستة الأخيرة من حياته، وصارع المرض حتى ادخله سكرات الموت. وعندما علمتُ أنّ وضعه حرج سارعتُ إلى زيارته في المستشفى، فوجدته مسجى جامد العينين وقد بلغت الروح التراقي، وراح قلبه يخفق خفقاته الأخيرة، فوجدت نفسي منكباً عليه مقبلاً جبينه الندي وشعر رأسه ولحيته الأبيض، تالياً آيات الله طالباً منه أن يردد معي، في نفسه، شعار الإسلام الخالد (لا اله إلا الله) ودعوت الله له أن يكرمه بضيافته، وأن يشمله بعفوه ورضاه ورحمته ويرفع درجاته… كان موقفي هذا صادماً لبعض أهله الذين لم يظنوا أن الفقيد الكبير يهم بمغادرة الدنيا والى الأبد، منتقلاً إلى داري البرزخ (القبر) والآخرة، فاضطرب مَن اضطرب منهم، ثم أخذوا يدركون أنه الموت لا فرار منه، وأن أستاذنا الحبيب، على فراشه الأخير يودعونه، فيما هو يلبي دعوة ربه، وأنه بعد تسعين سنة من الحياة المليئة بكل الألوان، ها هو يغادرها معتمداً على رحمة ربه أولا وأخيراً، ومع زادٍ يظنه قليلاً، بينما هو، كما نأمل ونرجو، كبير وكبير، وقد يشفع له عند المليك المقتدر.
لقد مات مربي الأجيال والناشط الخيري والاعلامي والاجتماعي والوطني في ليلة التاسع والعشرين من رمضان 1432 = 29/8/2011 في ليلة وتر نرجو أن تكون ليلة القدر العظيمة، في العشر الأخير من شهر الصوم المبارك، وهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، فاستبشرنا لفقيدنا الخير الكبير، فيومه هذا هو أفضل يوم للقاء ربه الذي وعد عباده بالعتق من النار، وبعد العتق، تأتي الجائزة الكبرى في المغفرة ودخول الجنان.
فقيدنا الكبير أمسى، عند دفنه، مصحوباً بعمله، بعد أن رجع عنه أهله وصحبه ومحبوه، وما تركه في الدنيا من مال هو رصيد عمره التربوي الدؤوب. وأحسب أن عمله، بإذن الله، نور في قبره الذي أسال الله سبحانه له أن يمد فيه مد نظره، وان يمد في نظره حتى يرى مقامه في جنات الخلد ونعيم الآخرة بإذن الله وبرحمته وفضله.
*    *    *
ويسعدني هنا في ختام رثائي، أن اذكر بكثير من الراحة، والحمد لله، رؤيا رآها أحد أهله، وأعرفه صادقاً تقياً، فحدثني بها فقال: (لقد رأيته بالأمس، أي بعد ثلاثة أيام من وفاته، وأنا معه نصعد جبلا فيه درج يتدفق منه وعليه ماء لم أر مثله أبداً، وكان رحمه الله مسرعاً يصعد الدرج بقوة، وهو العجوز الهرم، بينما أنا الشاب أتخلف عنه ولا أتمكن من اللحاق به، بينما كان هو يشجعني على مضاعفة الجهد، وكنت ادعوه للتريث، وما إن وصلنا إلى القمة، حيث نبع الماء العذب الرقراق، حتى اغترفنا منه، أنا وهو، ثلاث غُرُفات ندية أين منها ماء الدنيا! وحقاً لم أذق مثله أبداً. ثم اتجهنا معاً إلى بقعة مليئة بالشجر والثمر ليسا كشجر الدنيا ولا ثمارها، ورأينا طيورا ليست كطيور الدنيا، فسألته أين نحن يا عماه؟ فقال لي: (يا شفيق، وهو اسمي، ما تراه هو بقعة من بقاع الجنة اسمع ما أقول جيداً: اعمل في دنياك وفق ما يريده الرحمن، تصل بإذن الله إلى الجنان)
إنها رؤيا حسنة نرجو أن تكون نبوءة صدق وخير لفقيدنا الكبير، وقد تجاوز سؤال الملكين في قبره، ولُقن حجته ودافع عنه صومه وزكاته وحجه وصلاته وعمله، حيث أحاطوا به من كل جانب كما ورد في حديث النبي  ، فتكون تلك الصالحات خيرَ محام مدافعٍ عنه، وخيرَ مطيةٍ يطير بها إلى الخلود، في الفردوس الأعلى، إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى