طبول الحرب \ كتب: د. قصي الحسين

لطبول الحرب، تاريخ طويل. تعالوا لنتذكر مقدماتها، معا:
من ذا الذي خطف لبنان من جباله. من مصائفه. من مرافئه. من نواديه. من عرائسه. من جامعاته. من أسواقه. من بيروته..
من ذا الذي خطف لبنان من أعراسه. من أعياده. من مآذنه. من أجراسه. من سواقيه. من أنهاره وشطآنه. من ذا الذي خطف لبنان من حضن قدموس وعشتروت. من جبيل وبعلبك. من طرابلس وصيدا وصور. وحجر عليه في القلعة. وألبسه بيضة الحرب.
أي مجرم هو ذاك الذي يريد لسماء هذا الطفل الوديع الجميل لبنان، أن ترتعد بالفولاذ وبالبارود، بدل إعراسها بالموسيقى وبالشهب. وبالثلج. وبالمطر.
أي عدو للبشرية. للإنسانية. للقيم. للأخلاق. للأديان. للطفولة. للورود والأزاهير. وللحقول وللكروم ولسهرات القمر على القرميد. ولسهرات العشاق على ضوء القمر.
أي عدو ذاك الذي يفجر الجسور. ويحفر الطرقات. ويردم الساحات. ويحرق المنازل والقرى والمدن و الغابات. أي عدو هذا الذي يده، بطعم الموت. بطعم الغارات. بطعم الصواريخ. بطعم البوارج. بطعم القنابل. بطعم الدرون والمسيرات.
أي نيرون هذا. أي قايين. أي وحش كوني، يريد أن يلحق أوكرانيا أيضا، بلبنان. يريد أن يلحق العالم كله، بالحرب. يريد للحرب أن تنتعل، “بوطها” العسكري. أن تنتعل جزمتها للحرب.
أي مجرم هذا، يأمر الشعوب أن ترتدي بزة الحرب. وخوذة الحرب. وأن يعبثوا بالماء. أن يلوثوا الهواء. أن ينشروا رائحة البارود في كل مكان.
أي عدو لي، ذلك الذي يحمل بسكينه على “طفل المهد”. يملأ أجران قانا بالدماء. ويخرب أعراس الجليل ووادي العرائش، ويحرق كييف وبيروت وبغداد ودمشق والقدس وموسكو. ونيويورك. يحرق باريس ولندن وبرلين. يفتح المقابر الجماعية في طهران والرياض وجدة. يفجر الأرض براكين براكين.
البارحة إستراحت “منى السعودي”. البارحة إستراح “سامي كلارك”. لم يشهدا الحرب القادمة علينا، من جميع أنحاء الأرض. كل من مات معهم يومذاك. كل من مات قبلهم أيضا، نجا.
المحرقة القادمة لا ترحم. كل من غادر قبلنا، إستدرك نفسه. قبل أن يقلب المجرمون للأرض التي رعتهم. قبل أن يقلبوا للأرض التي أنشأتهم، ظهر المجن.
مجرمون هؤلاء القتلة. عتاة حقا. يشدون شعر سبيتهم بكل قوة. بكل عنف. يضعون السيف فوق خدها. فوق رقبتها. يحرقون شعر رأسها. يضرمون النار في أثوابها. حتى تحترق بها، كل الأرض.
الناس، بإختصار شديد، لا يريدون الحرب. لا يريدون الذهاب إلى الحرب. الناس لا يريدون للأرض زراعة الصواريخ. ولا يريدون للسماء زراعة الطائرات. ولا يريدون للبحر زراعة البوارج. ولا المنصات. ولا يحبون مثلي الرؤوس العابرة للقارات. ولا المسيرات “الخفيفة واللطيفة”، ولا الأسلاك ولا الجدران، ولا الألغام. ولا خطوط الحرب ولا حتى، حقول الألغام.
الناس في بلادنا. في بلاد الناس كلها. يريدون زفة العروس. يريدون فرحة العيد. يريدون باقة الورد. يريد جائزة نوبل. يعشقون كل نوبل. يريدون جائزة نوبل للسلام. ويكرهون طبول الحرب. يكرهون كل من يقرع طبول الحرب. يكرهون كل من يضرب على طبول الحرب، حتى ولو كانت مناورة صغيرة. مناورة بائسة. مناورة كاذبة. يريدون بها صوتا في الإنتخابات.
مجانين الحروب السابقة، مثلهم مجانين الحروب اللاحقة. مثلهم مجانين الحروب القادمة. يتنكرون اليوم لأمهم. يتنكرون اليوم لأمهم الأرض.
كل من يسعى إلى الحرب، بعد اليوم، فهو مجرم حرب: زنيم. حقير. يأكل لحوم أبنائه. يهرس أمه تحت أضراسه. وأما أبوه، فهو أول قتيله في الأرض.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development