المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وِجْدَانِيَّةٌ*السَّفَرُ الطَّوِيلُ مَا بَيْنَ الْأَمَلِ الْمُتَهَاوِي وَالْجِسْرِ الْمُتَعَالِيبِقَلَمِ: أ.د.غَازِي قَانْصُو

يَنْسِجُ الزَّمَانُ قَصَصًا كَثِيرَةً فِي هَذَا السَّفَرِ الطَّوِيلِ، فَكَمْ مِنْ بِدَايَاتٍ مُشْرِقَةٍ بَنَيْنَاهَا لِنجِدَ نِهَايَاتٍ مَا كَانَ لَهَا فِي وِجْدَانِنَا مِنْ سَبِيلٍ ولا حُسبَانٍ، وَكَمْ طَوَيْنَا مِنْ سَرَائِرَ خَيْرٍ رَاحَتْ سُدًى فِي مَسَارٍ سَرَابِيٍّ لِتَلْتَقِيَ مع غَيرِ أهلِهِ بِالصَّمْتِ الْمُرِيبِ. وَعلى الرَغْمَ مِن أَنَّنَا آثَرْنَا أَنْ نَكْتُبَ الْحَيَاةَ بِقَلَمِ الْحَقِّ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَحَدٍ، فَإِنَّنَا وَجَدْنَا انْفُسَنَا نُجْدِفُ فِي بَحْرِ الصُّعُوبَاتِ وَالْمُعَوِّقَاتِ، حَيْثُ بَقِيَتْ الشَّمْسُ فِي عُلُوِّهَا، وَبَقِيَتْ الْكَوَاكِبُ فِي أَفْلَاكِهَا، وَرَاحَ الْقَوْلُ مِنّا كَهَمْسٍ رَقِيقٍ فِي أَعْمَاقِ الْفَضَاءِ.

أَجَلَ إنَّهُ سَفَرٌ طَوِيلٌ، يَقَعُ مَا بَيْنَ رَسْمِ الْأُمْنِيَّاتِ وَوَاقِعِ الْإِمْكَانِ، نَجِدُ أَنْفُسَنَا قَدْ خَطَوْنَا خُطُوَاتٍ كَثِيرَةً، وَبَدَأْنَا رِحَلَاتِ طُمُوحِنَا، وَلَكِنَّ تِلْكَ الرَّحَلَاتِ تَشَابَكَتْ بِاليَبابِ أَوْ بِالْمُحَالِ، وَأَحْيَانًا انْقَطَعَتْ فِينَا السُّبُلُ، أَوْ تَوَقَّفَتْ فِينَا قُدُرَاتُ الحَالِ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، فَنَقِفُ حَيارًى فِي هَذا السَّفَرِ نَبْحَثُ عن رُكْن مَكِينٍ.

لَرُبَّمَا كَانَ لَنَا حَظٌّ سَيِّءٌ فِي اخْتِيَارَاتِنَا لأننا لم نحسب جيدًا، ولم نُعِدّ جيدًا، ، وَلَكِنْ يَبْقَى الْأَمَلُ مُضِيئًا كَشَمْسِ الصَّبَاحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ مَا عَلِمْنَا إيَاهُ رَبُّنَا اللهُ تَعَالَى:”لَا تَحسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”. فَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الصِّعَابُ مِفْتَاحَ بَابٍ يَقُودُنَا إِلَى وُجْهَةٍ أَفْضَلَ.

لَا بُدَّ، إِذَنْ، مِنْ التَّحفِيزِ أوْ إِعَادَةِ التَّحفِيزِ، لِنَخْطُوَ، مِنْ جَدِيدٍ دَرَّبْنَا؛ بالإيمانِ والعَزمِ واليقينِ والوَعيِ والبَصِيرةِ، مَعَ مَا يُنَاسِبُ مِنْ تَغْيِيرَاتٍ وَتَعْدِيلَاتٍ وَتَصْحِيحَاتٍ في الإدارةِ والعَملِ والمفاهيمِ، وَاخْتِيَارِ الْمُنَاسِبِ مِنْ الْعِدَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ والفِكريّةِ، فَالَّذِي يَصْبِرُ وَيَعْمَلُ وَيَجْهَدُ وَيُثَابِرُ هُوَ الَّذِي يَحْصُدُ ثِمَارَ الزَّرْعِ، وَالزَّرْعُ آتٍ بِغِلالِهِ بَإذِنِ اللهِ تَعَالَى وَرِعَايَتِهِ.

لِذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ لا نَكْرَهَ أَوْ نَتَحَسَّرَ عَلَى مَا يَبْدُو سُوءًا، فَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَحدُودُ بَوَّابَةً لِلْخَيْرِ الْمَدِيدِ الَّذِي لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهُ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَفْرَحُ بِهِ يكونُ خَيْرًا على الدّوامِ، فَقَدْ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ الْخَيْبَةَ وَالْمُصِيبَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَالْخُسْرَانِ.

إِنَّ اعْتِمَادَنَا عَلَى اللهِ وَحْدَهُ، وَثِقَتَنَا بِهِ، وَإِنَابَتَنَا الَيْهِ، وَالعَمَلَ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَتَقْوَىً وَوَعيٍ وكفاءةٍ هُوَ “الْجِسْرُ الْمَتِينُ”، ألَمْ نُوصَ بالقَوِيِّ الأًمِين؟! فَلْنَتَّخِذ مِنْ الْحِكْمَةِ دِثَارًا، وَمِنْ الْبَصِيرَةِ مَنَارًا، وَمِنْ الصَّبْرِ إِزَارًا. وَلْنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ إِنَّهُ اللهُ تَعَالَى شَأْنُهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِي بِلَا حِسَابٍ، عَطِيَّةً بِغَيْرِ مِنَّةٍ وَلَا ذِلَّةٍ، مِنْحَةً بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا جِدَالٍ، وَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَخَيْرُ الرَّازِقِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

مَع تَحِيّاتِي،
أ.د.غَازِي قَانْصُو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى