المقالات

تَأَمُّلَاتٌ وٍجْدَانِيَّةٌ الْمَوْضُوعِيَّةُ وَالذَّاتَوِيَّةُ مَوْضُوعُ اخْتِبَارٍ لَنَا مَدَى الْحَيَاةِ بِقَلَمِ أ.د.غَازِي قَانْصُو

فِي عَالَمِ الْفِكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ، تَتَقَاطَعُ مَفَاهِيمُ “الْمَوْضُوعِيَّةِ” وَ”الذَّاتَوِيَّةِ” فِي سَعْيِ الْفَرْدِ لِفَهْمِ الْحَقِيقَةِ وَتَفْسِيرِ الظَّوَاهِرِ. يُوَاجِهُ كُلُّ فَرْدٍ اخْتِبَارًا دَائِمًا مَدَى حَيَاتِهِ، يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَوْضُوعِيَّةِ لِتَقْيِيمِ الْأُمُورِ واختبارِها والحُكمٍ عٍليها بِشَكْلٍ عَادِلٍ، وَالذَّاتَوِيَّةِ الَّتِي تَعْكِسُ تَأْثِيرَ الْخِبْرَاتِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الشَّخْصِيَّةِ عَلَى وُجْهَةِ نَظَرِهِ.

يَبْدَأُ الْإِنْسَانُ بِالتَّسَاؤُلِ حَوْلَ الْحَقِيقَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِوَسَائِلَ شخصيةٍ غالبا ما تكونُ حَدسِيَّةً، فَيُطلِق الفَرضِياتِ التي تُفَسِّرُ الظاهرةَ المَدرُوسَةَ لديهِ بِشَكلٍ أوّليٍّ، وهي عبارةٌ عن احتمالاتٍ يُقَدِّرُها كإجابات مُحتَملةٍ، وَمن هُنَا يَبْدَأُ اخْتِبَارُهُ العلمي الذي يُوجبُهُ أن يلتزمَ الْمَوْضُوعِيَّةَ بالكامل، وهذا يتَطَلَّبُ إِبْعَادَ الِانْحِيَازِ الذاتي وَالْعَوَاطِفِ الشخصية والميولِ الفرديةِ والخلفياتِ الخاصة، لِتَحلِيلِ الْوَقَائِعِ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ وفقا للمناهجِ العلمية المعتمدة. وَمَعَ ذَلِكَ، يَظَلُّ الْإِنْسَانُ مُتَأَثِّرًا بِخِبْرَاتِهِ وَمُعْتَقَدَاتِهِ، مِمَّا يَدْفَعُهُ نَحْوَ الذَّاتَوِيَّةِ. فِي حِينِ أنّ الْمَوْضُوعِيَّةً تَفْتَرِضُ التَّجَرُّدَ وَالنَّزَاهَةَ وَالْإِنْصَافَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الْمُيُولِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْخَلْفِيَّاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ عَلَى أَنْوَاعِهَا.

تُبْرِزُ التَّحَدِّيَاتُ فِي التَّصارعِ بَيْنَ الْمَوْضُوعِيَّةِ وَالذَّاتَوِيَّةِ. فالْمَوْضُوعِيَّةِ تَبْدُو كَمَنَارَةٍ تُضِيءُ طَرِيقَ الْبَحْثِ، وَلَكِنَّ الذَّاتَوِيَّةَ قَدْ تُشَوِّشُ عَلَى هَذَا الضَّوْءِ بِتَأْثِيرَاتِهَا الشَّخْصِيَّةِ. يَجِدُ الْفَرْدُ نَفْسَهُ فِي مُحَاوَلَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِتَحْقِيقِ العلميةِ وبالتالي عليهِ الالتزام بالنَّظْرَةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ الى الاشياءِ دون الاخذ بالرأي الخاصِ الناتجِ عن النّزعةِ الذَّاتِيِّةِ.

ومَعَ تَجَارِبِ الْحَيَاةِ، يَتَطَوَّرُ فَهْمُ الْفَرْدِ لِهَذَا الحقيقة، فتَصْقِلُ المعرفةُ العِلميةُ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّفْكِيرِ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ. إِنَّهَا رِحلَةٌ لَا نِهَائِيَّةٌ تفرضُ فِيهَا الْمَوْضُوعِيَّةُ نفسها لِتُشَكِّلَ خصائص لصُورَةٍ واقعيةٍ “علمية” أَكْثَرَ دلالةً على الْحَقِيقَةِ.

فِي الْخِتَامِ، تُشَكِّلُ مَوْضُوعِيَّةُ وَذَاتَوِيَّةُ الْإِنْسَانِ اخْتِبَارًا دَائِمًا لهُ يَتَطَلَّبُ حِكْمَةً وَصَبْرًا لِلوصول إلى الحقيقة، التي تعتمدُ على النَّظْرَةِ الْعَقْلَانِيَّةِ لا على النَوازِعِ الشَّخْصِيةِ، وبذلك يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ اتِّخَاذُ قَرَارَاتٍ أَكْثَرَ صَوَابَيَّةٍ، كَمَا يُمْكِنُ لَهُ أنْذَاكَ أَنْ يَصِلَ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلْحَيَاةِ وَمَعَانِيهَا.

مع تحياتي،
أ.د.غَازِي منير قَانْصُو
الأربعاء ٧-٢-٢٠٢٤

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى