المقالات

هل يجب زيادة الحد الأدنى للأجور؟ بقلم روبير فاضل

في خضم النقاشات العقيمة الكثيرة التي تطغى للأسف على الميدانَين السياسي والإعلامي في لبنان، تبرز أحياناً إشكاليّات حقيقية، منها ما يتعلّق بزيادة الحد الأدنى للأجور. وفي مسائل من هذا النوع، لا يمكن أن يكون الجواب تبسيطياً؛ لا يكفي أن نجيب ب”نعم” أم “كلا”. وهذه القضايا العميقة تقود أيضاً إلى نقاش ذي آفاق أوسع بكثير من المسألة المطروحة. فسلسلة الرواتب والأجور ليست معزولة عن باقي المعطيات، ولا يمكن تصحيحها سوى في إطار سياسة اقتصادية شاملة ومتماسكة تهدف إلى تعزيز نمو اقتصادي مستدام يساهم في استحداث الوظائف وتحقيق العدالة الاجتماعية.
الأجر هو أولاً مدخول. والسعي إلى رفعه يعني أنه لم يعد كافياً للحفاظ على القدرة الشرائية لمن يتلقّاه. في لبنان، من الواضح أن الأجراء خسروا من قدرتهم الشرائية. وهذا ما تبيّنه أرقام التضخّم. لكن يجب ألا ننسى أن زيادة الأجور تساهم بطريقة غير مباشرة في تفاقم هذا التضخّم. ولذلك بدلاً من التهوّر والدخول في هذه الحلقة المفرغة، حريٌّ بنا أن نفكّر ملياً في الأسباب التي تقف وراء التضخّم وفقدان القدرة الشرائية.
والأجر هو ثانياً كلفة: إنها كلفة العمل الذي هو واحد من عنصرَين اثنين تقوم عليهما العملية الإنتاجية. ومن شأن زيادة هذه التكلفة أن تتسبّب بإضعاف تنافسية الشركات اللبنانية أكثر فأكثر، مع العلم بأن هذه التنافسية ضعيفة جداً على الساحة العالمية: فبين عامَي 1997 و2009، سجّلت الأسعار المحلية زيادة تفوق الزيادة في الأسعار العالمية بنسبة 21 في المئة. لكن عدم رفع الأجور يؤدّي أيضاً بدوره إلى تراجع شديد في التنافسية، لأنّه يتسبّب بإفقار نوعية الموارد البشرية المستخدَمة في لبنان، لا سيما وأن بلدان الخليج تجتذب الكثير من أصحاب الكفاءات اللبنانيين للعمل على أراضيها. هذا فضلاً عن أن مستوى المؤهّلات لدى الطبقة العاملة في لبنان منخفض جداً، بحسب ما تُظهره نتائج دراسة أجراها البنك الدولي مؤخراً، وفيها أن 47 في المئة من اليد العاملة في لبنان لم يُكمل تحصيله العلمي بعد المدرسة الابتدائية، ويعمل 48 في المئة في وظائف لا تتطلّب مؤهّلات عالية.
علاوةً على ذلك، تُظهر الدراسة أن مجموع الأجراء في لبنان منخفض جداً! فمن أصل 1.4 مليون شخص يؤلّفون الطبقة العاملة في لبنان، لا يزيد عدد الأشخاص الذين يشغلون وظيفة نظامية (مصرَّح عنها) في القطاع الخاص عن 225 ألفاً. يدفعنا هذا الواقع إلى طرح السؤال عمّا إذا كانت زيادة الأجور سوف تؤثّر فعلاً في القدرة الشرائية للأسر.
يكمن الرهان الحقيقي في نقل الاقتصاد اللبناني إلى مرحلة متقدمة عبر تطوير فئة الأجراء، نظراً إلى أن الأجر يؤدّي في موازاة رأس المال دوراً ضرورياً في التنمية. يقوم النظام الرأسمالي على جمع الأرباح وإعادة استثمارها في اليد العاملة في سعي دائم وراء الإنتاجية.
وأبعد من النقاش عن مستوى الأجور، يجب أن نطرح السؤال عن إنتاجية الأجور، وفي شكل عام، عن إنتاجية الموارد البشرية اللبنانية. وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن الانخفاض الشديد في نسبة النساء العاملات في لبنان (أقلّ من المعدّل الإقليمي الذي هو بطبيعة الحال أقل بكثير من المعدّل الدولي) هو من أبرز الكوابح أمام النمو.
أخيراً، لا يمكن معالجة مسألة الأجور في لبنان من دون طرح مشكلة العمّال الأجانب الذي يتدفّقون إلى البلاد. فلبنان هو من الاقتصادات القليلة في العالم التي تصدّر مواردها البشرية (المؤهَّلة) بأعداد كبيرة إلى الخارج فيما تستورد في الوقت نفسه عمّالاً أجانب ذوي موهّلات ضعيفة، وبأعداد كبيرة أيضاً. لهذه الظاهرة تأثير عميق على الوظائف والنمو: فاللبنانيون يرزحون تحت وطأة المنافسة غير المشروعة من يد عاملة متدنّية الأجور تستغلّها الشركات التي تستفيد من عجز الدولة عن ممارسة رقابة فعلية على تطبيق قانون العمل.
بين أصحاب العمل القلقين من ارتفاع كلفة الأجور والنقابات العمّالية التي تطالب بزيادة الأجور، لا يُفترَض بالدولة أن تطلب من كلّ من الطرفَين ملاقاة الآخر في منتصف الطريق، بل عليها أن تفكّر في منظومة تعود بالفائدة على الجميع وتتيح خلق ثروات وتوزيع ثمارها بالتساوي.

1 انظر حول هذا الموضوع تحليل الخبير الاقتصادي توفيق كاسبار في كتابه A Political Economy of Lebanon: The Limits of Laissez-Faire (اقتصاد سياسي للبنان: حدود عدم التدخّل)، منشورات بريل، 2004.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى