المقالات

حب الأوطان بين استقلال لبنان وهجرة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم بقلم الشيخ كمال مصطفى عجم

أطل علينا هذا الأسبوع، حاملاً معه مناسبتين، الأولى وطنية وهي استقلال لبنان، والثانية إسلامية وهي هجرة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، وما بين استقلال لبنان وهجرة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم علاقة وطيدة، هي حب الأوطان. وإذا كانت مقولة حب الوطن من الإيمان لم تصح لفظا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن معناها مشروع كما قرره الكثير من الفقهاء واستدلوا بأحاديث نقلية أخرى وردت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة لا يشوبها ضعف ولا وضع.

فأما الحديث الأول فهو ما اتفق عليه الشيخان: عن أبي حميد قال أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال “هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه”(اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان). فما سرّ حب النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة ولجبل أحد سوى التعلق بالأرض، والوفاء للمحضن الدافئ الذي آواه حين أخرجه الناس، ونصره حين تآمرت عليه قريش، وأرادت قتله فكانت الهجرة. وفي حديث آخر عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَر فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَات الْمَدِينَة أَوْضَع نَاقَته ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّة حَرَّكَهَا مِنْ حُبّهَا ” قال ابن حجر”وفي الحديث دلالة على فضل المدينة ومشروعية حب الوطن والحنين إليه “(فتح الباري شرح صحيح البخاري).

وأما الحديث الثاني فهو ما رواه الترمذي سننه والبيهقي شعبه وأحمد في مسنده بلفظ قريب: عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: “ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”. فمن أين تنبع الإرادة العارمة لحب البقاء ببلد بالرغم من اضطهاد أهلها له، سوى الحنين لمسقط الرأس.

والحقيقة أنه لا قيمة للمرء بدون وطن يأويه، أو بلاد تحتويه، فالوطن هو المظلة والملاذ الآمنان اللذان يحميان معتقدات الإنسان وثوابته،  لذلك جبلت النفوس السليمة على حب بلادها، واستقرت الفطر المستقيمة على النزوع إلى ديارها. فإذا كانت الإبل تحن لأوطانها، وإذا كانت الطيور تحن لأوكارها، فحري بالإنسان وهو سيدها أن يكون وفياً للبلد الذي شرب ماءها ونشأ في أرضها. وقديما قال إبراهيم بن أدهم: “ماقاسيت فيما تركت من الدنيا أشد علي من مفارقة الأوطان”. وقد سئل أحد الحكماء: “ما الذلة ؟فأجاب النزوح عن الأوطان والتنقل عن البلدان”.

إن حب الوطن لا يكون بالمناداة ولا بالشعارات، ولكن بالتطبيقات والسلوكيات، وجدير بمن أحب وطنه أن يكون لتحقيق مصالحه راعياً، ولدرء المفاسد عنه داعياً، ولأمنه وجيشه واستقراره حامياً، ولوحدة شرائحه وأطيافه راعياً، ومن أحب وطنه، وخالف أنظمنته، ولوّث بيئته، وبدّد ثرواته، وهجّر شبابه، ولم يثق بجيشه وبمستقبله، ولم يدافع عن كل شبر من أرضه، فإن حبه لوطنه مجرد زعم وادعاء.

إن الهجرة النبوية المباركة تمثل مشروع قيام الدولة التي يقبل أفرادها التعايش مع أبناء الوطن، ويتعاونون على رفع الظلم والعدوان، على أساس المساواة والوحدة، لا التفرقة والفتنة، وهو مفهوم المواطنة الصحيح، الذي ورد صريحاً في الوثيقة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم إثر وصوله إلى المدينة، وهو أحوج ما نكون إليه في ذكرى استقلال لبنان، فاللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا، ووحد أهله، واجعلنا ممن يهجرون السوء والفتنة والمنكر والحمد لله رب العالمين وكل عام وأنت بخير.

الجمعة 22ذو الحجة 1432هـ

الموافق 18 تشرين الثاني 2011م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى