المقالات

دار الفتوى في لبنان: مرجعية غائبة وناس تتسوّل الكرامة \ بقلم رامي ضاهر

في بلدٍ ينهار بكل معنى الكلمة، بات من المعتاد أن ترى مشاهد الذلّ تتكرر كل صباح: طوابير أمام مراكز الإفتاء، وجوه شاحبة، أمهات يحملن أوراقًا طبية، كبار سن يتكئون على عكازات الانتظار، وأصوات مكتومة تطلب المساعدة بلهجة لا تخلو من خجلٍ مكسور.

لكنّ ما ليس عاديًا، ولا مقبولًا، أن تقف دار الفتوى، وهي أكبر مرجعية دينية للطائفة السنية في لبنان، موقف المتفرّج.
لا خطة إغاثية واضحة، لا مبادرات جدّية، لا حضور فعليّ في عمق الأزمة. في الوقت الذي يُنتظر منها أن تكون صوت الفقراء وملجأهم، تمارس الدار دورًا إداريًا باهتًا، وتنشغل في الحسابات السياسية بدل أن تكون في خندق الناس.

أين الدين من كل هذا؟
الإسلام دين العدالة الاجتماعية، دين الزكاة والصدقة، دين “وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم”.
فأين دار الفتوى من تطبيق هذه المبادئ؟
أين هي صناديق الزكاة؟ من يراقب توزيعها؟ أين الشفافية؟ أين هو العمل المؤسساتي الذي يفترض أن يدير أموال الناس لمصلحة الناس؟

الحقيقة أن هناك غموضًا كبيرًا يلفّ عمل المؤسسات التابعة للدار، وتحديدًا في ما يتعلّق بالملف الاجتماعي.
توزيع المساعدات يتم غالبًا عبر وسطاء ومرجعيات محلية، بمعايير غير واضحة، تُفتح فيها الأبواب للبعض وتُغلق بوجه من لا “ظهر له”. هذا الواقع لا يعبّر عن مؤسسة دينية، بل عن عقلية زبائنية تشبه ما نراه في الدولة الفاشلة.

هل أصبحت دار الفتوى امتدادًا للسلطة بدل أن تكون رقيبًا عليها؟
هذا هو السؤال الجوهري.
في الأزمات، كان يفترض أن تكون المرجعية الدينية صوتًا صارخًا في وجه الظلم، حاضرة في ساحات الجوع، تطلق صرخة بوجه الطبقة السياسية التي سرقت الناس وسحقتهم.
لكن دار الفتوى اليوم، بمواقفها الخجولة، تبدو وكأنها تبحث عن التوازنات أكثر من الحق، وتخشى الصدام أكثر من الجوع المتفشّي في بيوت الناس.

الناس تنهار… فماذا تفعلون؟
الناس تموت أمام أبوابكم، تنام جائعة في أحضان مساجدكم، تتوسّل المعونة من مراكزكم، فيما أنتم تحصنون جدران المؤسسة بصمت مريب.
حتى الخطاب الديني بات مستهلكًا، لا يحمل أملًا، ولا يشكّل ضغطًا، ولا يُعبّر عن حقيقة وجع الناس.

الوقت ليس للبيانات العامة ولا للكلام المنمّق.
نحن أمام أزمة أخلاقية، قبل أن تكون دينية أو اقتصادية.
المؤسسة التي لا تتحرك عند وجع الناس، لا تستحق أن تمثلهم.
والمرجعية التي تصمت على إذلال الفقير، تفقد شرعيتها، ولو كانت تملك كل الألقاب والمقامات.

المطلوب اليوم:

  • إطلاق خطة طوارئ اجتماعية شاملة من دار الفتوى، بشفافية كاملة.
  • إدارة أموال الزكاة والتبرعات عبر هيئات رقابية مستقلة.
  • تحويل المراكز الدينية إلى مراكز دعم حقيقي، لا فقط أماكن عبادة.
    موقف علني صريح بوجه السلطة الفاسدة، دون حسابات سياسية.
    دار الفتوى على المحكّ.
    إما أن تعود إلى الناس، أو ستفقد ما تبقّى من ثقتهم.
    الناس لم تعُد تنتظر خطب الجمعة، بل تنتظر من يسمع أنينها، ويقف معها بالفعل، لا بالشعارات.
    منقول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى