المقالات

اليوم الدولي للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيبالكرامة الإنسانية لا تسقط تحت التعذيب بقلم: المحامي عمر زين*‏

في السادس والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي ‏للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، تأكيداً على رفض الإنسانية لكل أشكال التعذيب ‏والمعاملة القاسية والمهينة، وتضامناً مع الضحايا الذين تعرضوا لأبشع الانتهاكات ‏الجسدية والنفسية والإنسانية‎.‎
إن التعذيب ليس مجرد انتهاك قانوني، بل هو سقوط أخلاقي وإنساني يمسّ جوهر ‏الكرامة البشرية. فعندما يُهان الإنسان ويُنتزع منه حقه بالأمان والعدالة والاحترام، تصبح ‏الإنسانية كلها في موضع خطر، لأن كرامة الإنسان لا تتجزأ، ولا يجوز المساس بها تحت ‏أي ظرف أو ذريعة‎.‎
لقد أكدت الشرائع السماوية والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان أن التعذيب ‏جريمة مرفوضة بكل أشكالها، سواء ارتُكبت أثناء الحروب أو في السجون أو خلال ‏التحقيقات أو تحت أي عنوان سياسي أو أمني. فلا يمكن لأي دولة تدّعي احترام القانون ‏أن تبرر التعذيب أو تتغاضى عنه، لأن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الإذلال والقهر ‏والخوف‎.‎
إن ضحايا التعذيب لا يحملون فقط آثار الألم الجسدي، بل يعيشون جراحاً نفسية ‏عميقة قد ترافقهم طوال حياتهم. فالتعذيب لا يستهدف الجسد وحده، بل يسعى إلى كسر ‏الروح وإلغاء إنسانية الإنسان. ولهذا فإن مسؤولية المجتمع لا تقف عند حدود إدانة هذه ‏الممارسات، بل تتطلب أيضاً الوقوف إلى جانب الضحايا وتأمين الدعم القانوني والنفسي ‏والاجتماعي لهم‎.‎
ومن المؤسف أن العالم، رغم كل التطور الحضاري والقانوني، ما زال يشهد ‏انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في أماكن عديدة، حيث تُستخدم القوة أحياناً بعيداً عن ‏أي رقابة أو مساءلة، الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز استقلال القضاء، واحترام سيادة ‏القانون، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المؤسسات والمجتمعات‎.‎
إن بناء الدول القوية لا يكون بالخوف والقمع، بل بالعدالة والثقة بين المواطن ‏والدولة. فالمواطن الذي يشعر بكرامته وأمانه هو أساس الاستقرار الحقيقي، أما المجتمعات ‏التي يسودها القهر والتعذيب فإنها تعيش حالة من الخوف والانكسار وفقدان الثقة ‏بالمؤسسات‎.‎
وفي هذا اليوم الدولي، تبقى الرسالة الأهم أن الدفاع عن ضحايا التعذيب هو دفاع ‏عن الإنسان نفسه، وعن حقه الطبيعي في الحياة والحرية والكرامة. فالإنسان قد يضعف ‏أمام الألم، لكنه يبقى أكبر من كل أدوات القمع، لأن الكرامة الإنسانية ستظل القيمة ‏الأسمى التي يجب أن تُصان في كل زمان ومكان‎.‎

‏*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى