المقالات

عبد الناصر… مدرسة في مقاومة الاستعمار ونصرة فلسطين \ بقلم: المحامي عمر زين*‏

في الثالث والعشرين من تموز من كل عام، تستعيد الأمة العربية واحدة من أكثر المحطات تأثيراً ‏في تاريخها الحديث، يوم انطلقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، ليس بوصفها ‏حدثاً مصرياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً نهضوياً عربياً تجاوز حدود الجغرافيا، وحمل في ‏جوهره رسالة التحرر والكرامة والوحدة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني‎.‎
لقد ارتبطت الثورة باسم قائدها الرئيس جمال عبد الناصر، الذي لم يكن زعيماً لمصر وحدها، بل ‏أصبح رمزاً عربياً وعالمياً لمقاومة الاستعمار ورفض الهيمنة الأجنبية، ورافعاً لواء حق الشعوب ‏في تقرير مصيرها. فقد آمن بأن استقلال الأوطان لا يكتمل إلا بتحرير إرادة الإنسان، وأن العدالة ‏الاجتماعية أساس الاستقرار، وأن الوحدة العربية ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة تاريخية لحماية ‏الأمة وصون مقدراتها‎.‎
ومن المبادئ التي قامت عليها الثورة القضاء على الاستعمار وأعوانه، وإنهاء الإقطاع والاحتكار، ‏وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإطلاق ‏مشروع تنموي يضع الإنسان في صلب عملية البناء. وهي مبادئ لا تزال، رغم مرور العقود، ‏تحتفظ براهنيتها في ظل ما تعيشه الأمة العربية من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما ‏تواجهه من محاولات تفتيت وإضعاف واستنزاف لمقدراتها‎.‎
لقد وقف جمال عبد الناصر في مواجهة الاستعمار بكل أشكاله، سواء كان احتلالاً عسكرياً ‏مباشراً أو نفوذاً سياسياً واقتصادياً يهدف إلى السيطرة على القرار الوطني. وكانت معركة تأميم ‏قناة السويس عام 1956، ثم التصدي للعدوان الثلاثي، من أبرز المحطات التي أثبتت أن إرادة ‏الشعوب قادرة على الانتصار عندما تتوفر القيادة المؤمنة بقضاياها، والإرادة الشعبية الملتفة حول ‏مشروعها الوطني‎.‎

كما لم تقتصر مواقفه على الوطن العربي، بل امتدت إلى دعم حركات التحرر الوطني في آسيا ‏وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وأسهم في ترسيخ حركة عدم الانحياز، لتكون منبراً للدول الساعية إلى ‏الاستقلال بعيداً عن هيمنة المعسكرات الدولية، مؤمناً بأن الحرية لا تتجزأ، وأن مقاومة الظلم حق ‏مشروع لكل الشعوب‎.‎
أما القضية الفلسطينية، فقد كانت في قلب مشروعه القومي، ولم ينظر إليها باعتبارها قضية ‏شعب فلسطيني وحده، بل قضية الأمة العربية بأسرها. وكان يرى أن فلسطين تمثل معيار الكرامة ‏العربية، وأن التفريط بها هو تفريط بمستقبل الأمة وهويتها. ولذلك بقي دعم الشعب الفلسطيني ‏ومقاومة الاحتلال ركناً ثابتاً في سياساته ومواقفه، مؤمناً بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن ‏الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن‎.‎‏ وما إطلاق اللاءات الثلاث في القمة العربية في السودان ‏المنعقدة بتاريخ 1‏‎ ‎أيلول/سبتمبر 1967 “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض” الا لتأكيد قواعد ثابتة ‏بوجه العدو الصهيوني.‏
واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على انطلاق الثورة، تبدو الأمة العربية أحوج ما تكون إلى ‏استعادة جوهر تلك المبادئ، لا إلى استنساخ ظروف الماضي، بل إلى استلهام قيمه. فالواقع ‏العربي الممزق، وما يحيط به من تحديات ومشاريع تستهدف وحدته وسيادته وثرواته، يفرض ‏العودة إلى ثقافة الاعتماد على الذات، وتعزيز التضامن العربي، وبناء مشروع تنموي مستقل، ‏وإحياء مفهوم الأمن القومي العربي بمضمونه الشامل‎.‎
غير أن التجارب التاريخية تعلمنا أن الأمم لا تبنى بالأفراد مهما عظمت مكانتهم، وإنما تبنى ‏بالشعوب الواعية والمؤسسات الراسخة. لقد غاب جمال عبد الناصر جسداً، لكن المبادئ التي ‏حملها لا ينبغي أن تغيب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكوين كتلة شعبية عربية واعية، تمتد من ‏المحيط إلى الخليج، تؤمن بوحدة المصير، وتتمسك بالثوابت القومية، وتدافع عن استقلال القرار ‏العربي، وتضع القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها، وتكون قادرة على حمل مشروع النهضة ‏جيلاً بعد جيل، بعيداً عن الارتهان للخارج أو الانقسام الداخلي‎.‎

إن هذه الكتلة الشعبية ليست بديلاً عن الدولة، بل هي الحاضنة الحقيقية لأي مشروع إصلاحي ‏ونهضوي، وهي الضمانة لاستمرار المبادئ مهما تغيرت القيادات وتعاقبت الأجيال. فالأفكار ‏العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وإنما تحيا بإيمان الشعوب بها، وتحويلها إلى ثقافة وسلوك ‏وعمل يومي‎.‎
إن إحياء ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الماضي أو ‏تمجيد الشخصيات، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بقيم الحرية والعدالة والسيادة ‏والوحدة، والعمل من أجل مستقبل عربي أكثر قوة وتماسكاً. فالأمة التي تمتلك تاريخاً حافلاً ‏بالتضحيات والإنجازات، قادرة، إذا توفرت الإرادة الشعبية والرؤية المشتركة، على استعادة دورها ‏الحضاري وصناعة مستقبل يليق بأبنائها‎.‎

‏* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى