المأزق الانتخابي الفلسطيني: بين قفص (أوسلو) والحاجة لشرعية وطنية شاملةبقلم: عماد العيسى

تمر الساحة الفلسطينية بإنعطافة سياسية حرجة،بعد سنوات عجاف ، أعادت فتح الجراح القديمةالتي لم تغلق ، وتجديد النقاشات المعقدة حول ماهية وجدوى العمل السياسي الفلسطيني ، تحت مظلة الاحتلال، تأتي الدعوة التي وجهها رئيس السلطة محمود عباس، لإجراء انتخابات المجلس التشريعي، لتضع الكل الفلسطيني أمام اختبار مصيري، ليس فقط من الزاوية الديمقراطية، بل من زاوية الصلاحية الوطنية والسياسية ،لمشروع ترهل ودخل في سبات عميق ،وتجاوزته الأحداث على الأرض.
الإشكالية المركزية في هذه الانتخابات، لا تختزل في صندوق الاقتراع كأداة، بل في (الهندسة السياسية) التي تسبقه، بحيث بات الترشح مشروطاً بالتوقيع المسبق ،على صك الالتزام بالقرارات السياسية والاتفاقيات ،الموقعة الصادرة عن السلطة ومنظمة التحرير، هذا الاشتراط يحول العملية الديمقراطية من وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية، إلى مصيدة سياسية يُراد منها طوعاً أو كرهاً ،حشر القوى الحية للشعب الفلسطيني داخل (القفص الأوسلوي)، وتجريدها من أي هوية مواجهة أو مقاومة،أمام هذا الواقع، انقسمت القوى الفلسطينية في تقدير الموقف، وهو انقسام يعكس عمق الأزمة البنيوية للمشروع الوطني الفلسطيني .
تيار الرفض والمقاطعة ،ينطلق من قراءة مبدئية ترى في القبول بهذه الشروط ،انتحاراً سياسياً واعطاء شرعية مجانية لاتفاقيات منتهية الصلاحية، أجهز عليها الاحتلال في الميدان بشكل كامل ، بالنسبة لهذا التيار، فإن وهم (التغيير من الداخل)، قد تبدد عبر تجارب مريرة سابقة ، وأن المشاركة في انتخابات معلبة ،لا تعدو كونها (تجميلاً لوجه سلطة مكبلة) ،وتمديداً لسنوات الضياع السياسي ،في المقابل يتحرك تيار المشاركة أو “الاشتباك من داخل المؤسسة”، بدوافع تكتيكية تخشى الاستنكاف السلبي، يرى هذا الطرف أن إخلاء الساحة بالكامل، يتيح للتيار( الأوسلوي) الاستفراد بالقرار والمؤسسات ومقدرات الشعب الفلسطيني ،( كما هو حاصل بشكل فعلي ) ، ومن هنا تصبح المشاركة محاولة لانتزاع شرعية شعبية ،تُستخدم كمنصة لمحاربة الفساد، وتعزيز صمود المواطن، ومواجهة سياسات التنازل من داخل البرلمان ذاته.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه، العقل السياسي الفلسطيني اليوم، هل تنحصر الخيارات الفلسطينية فعلاً في هذا الخيار الصفري، بين الخضوع لشروط التطبيع الأوسلوي أو العزلة والمقاطعة؟
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب الانتقال بالنقاش ،من شكلية “المشاركة أو المقاطعة” إلى فرض أطر سياسية وعملية جديدة، تتناسب مع تطلعات وتضحيات الشعب الفلسطيني، وتتمثل في ثلاثة مسارات استراتيجية…
أولاً: إطار إرساء المرجعية الوطنية (المنظمة أولاً)…
إن المخرج الحقيقي يبدأ من فك الارتباط، بين مصير الشعب الفلسطيني، ومؤسسات السلطة الناشئة عن أوسلو، المجلس التشريعي هو ابن شرعي لاتفاق الحكم الذاتي المحدود، بينما المرجعية العليا هي منظمة التحرير الفلسطينية، الحل الحقيقي يكمن في إعادة بناء وتفعيل المنظمة، لتصبح مظلة جامعة حقيقية، تضم كافة الفصائل والقوى (بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي والكفاءات المستقلة)، عبر انتخابات للمجلس الوطني، حيثما أمكن والتوافق حيثما تعذر، دون شروط إقصائية، لتقود المنظمة المشروع كحركة تحرر وطني، لا كجهة مانحة للوظائف والامتيازات ( والتوريث )
ثانياً: ميثاق الشرف والبرنامج الوطني المشترك…
المطلوب فوراً هو حوار وطني شامل ،ومستقل عن إملاءات الرئاسة، يفضي إلى صياغة ميثاق شرف ،تلتزم به القوى كافة، يرفض الشروط الإقصائية ويؤكد على (شرعية المقاومة)، يجب التوافق على برنامج القواسم المشتركة ،الذي يركز على الثوابت، صيانة حق المقاومة بكافة أشكالها، حماية القدس، لجم التغول الاستيطاني، ورفض التنسيق الأمني، مما يجعل أي برلمان قادم أداة ،لمواجهة الاحتلال لا شريكاً في إدارة أزماته.
ثالثاً: الفصل بين البعدين الخدمي والسياسي للسلطة…
يجب تحييد المجلس التشريعي والسلطة ،عن صياغة القرار السياسي السيادي، المطلوب هو التعامل مع هذه المؤسسات ،كأدوات “إدارية وخدمية” بحتة، مُسخرة لخدمة صمود الإنسان الفلسطيني، وتوفير مقومات حياته (التعليم، الصحة، الاقتصاد المقاوم) وبهذا الفصل، يُقطع الطريق على أي محاولة، لتوظيف المقعد البرلماني كجواز مرور، لتقديم تنازلات سياسية أو إقرار اتفاقيات تصفوية،
إن الإصرار على إجراء انتخابات ،مشروطة ومقيدة بسقف أوسلو لن يقود إلا إلى تعميق شرخ الانقسام، وتوسيع فجوة الثقة الآخذة في الاتساع بين الشارع والقيادة السياسية،
إن الشعب الفلسطيني الذي يواجه ،آلة الحرب والاستيطان والحصار، بحاجة اليوم إلى صندوق اقتراع، يكسر القيود ويسهم في تحرير الإرادة الوطنية، لا صندوق يعيد إنتاج الأغلال ،ويمنح أوسلو قبلة حياة اصطناعية، لقد آن الأوان لتغليب منطق ،”حركة التحرر” على منطق “السلطة والمكاسب”، والذهاب الشجاع نحو شراكة وطنية حقيقية تصنع القرار ،ولا تُملى عليها الإملاءات.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development