الانتخابات الفلسطينية ومواجهة تثبيت مفهوم الدولة على الأرض ومواجهة الاستحقاقات الدولية وليست معركة صندوق انتخابي \ محمد سليم باحث ومحلل سياسي

لا تبدو الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل مجرد استحقاق انتخابي تأخر نحو عشرين عاما بقدر ما تبدو اختبارا سياسيا لمستقبل النظام الفلسطيني نفسه ولقدرته على الحفاظ على وحدة الجغرافيا والتمثيل والقرار في واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ القضية الفلسطينية
فمن حيث الشكل هناك مسار انتخابي يتحرك بالفعل وهناك مرسوم رئاسي وجدول زمني ولجنة انتخابات بدأت إجراءاتها وهناك تأكيد رسمي على الالتزام بالموعد ولذلك سيكون من غير الدقيق القول إن الانتخابات مجرد إعلان سياسي بلا خطوات تنفيذية لكن المسافة بين وجود الموعد والقدرة على الوصول إليه لا تزال واسعة لأن المشكلة الفلسطينية اليوم لم تعد في قرار إجراء الانتخابات وحده وإنما في البيئة التي يفترض أن تجرى فيها
ولا أشكك هنا في جدية توجه الرئيس محمود عباس نحو إجراء الانتخابات وتجديد المؤسسات الفلسطينية لكنني أعتقد أن الظروف المحيطة بهذا الاستحقاق قد تكون أقوى من الإرادة السياسية نفسها إذا لم تحدث خلال الأشهر المقبلة اختراقات حقيقية في الملفات الأكثر تعقيدا وفي مقدمتها غزة والقدس والموقف الإسرائيلي والبيئة الأمنية في الضفة والتوافق الفلسطيني على قواعد العملية ونتائجها
فالانتخابات تأتي هذه المرة في واقع مختلف جذريا عن انتخابات عام 2006 وحتى عن محاولة إجراء انتخابات عام 2021 التي انتهت بالتأجيل فغزة لم تعد غزة التي عرفها النظام السياسي الفلسطيني قبل الحرب والضفة الغربية تواجه تحولات متسارعة بفعل الاستيطان والاقتحامات وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والقدس ما تزال تخضع لمعادلة سياسية وأمنية تجعل مشاركة الفلسطينيين فيها مرتبطة إلى حد كبير بالموقف الإسرائيلي
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت فتح أو حماس أو القوى الأخرى ستفوز بعدد أكبر من المقاعد وإنما بما إذا كان الفلسطينيون قادرين أصلا على إجراء انتخابات واحدة في جغرافيا تتعرض بصورة متسارعة إلى التجزئة
وهنا تكمن في تقديري الأهمية الاستراتيجية للانتخابات المقبلة
فالاستيطان لا يعمل فقط على زيادة عدد المستوطنين أو توسيع المستوطنات وإنما يعمل على خلق واقع جغرافي وسياسي جديد يجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة وكل طريق استيطاني جديد وكل توسع في الكتل الاستيطانية وكل محاولة لفرض سيطرة إضافية على الأرض تحمل في داخلها أثرا سياسيا يتجاوز المساحة التي تستولي عليها إلى مستقبل الدولة الفلسطينية نفسها
وفي مقابل هذا التفتيت الجغرافي تستطيع الانتخابات إذا جرت في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة أن تنتج فعلا سياسيا معاكسا
فصندوق الاقتراع في هذه الحالة لا يعود مجرد وسيلة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي وإنما يصبح تعبيرا عن وحدة سياسية تقول إن الفلسطيني في القدس والفلسطيني في نابلس والخليل وجنين والفلسطيني في غزة ينتمون جميعا إلى نظام سياسي واحد وإن الجغرافيا التي يحاول الواقع الميداني تقسيمها ما تزال في الوعي والشرعية السياسية الفلسطينية جزءا من دولة واحدة
ولهذا فإن الانتخابات يمكن أن تتحول من استحقاق ديمقراطي إلى أداة للدفاع عن مفهوم الدولة الفلسطينية نفسها
لكن المفارقة أن هذا المعنى تحديدا هو الذي يجعل إجراء الانتخابات أكثر صعوبة
فالقدس ستعود على الأرجح إلى قلب المعركة الانتخابية تماما كما حدث عام 2021 لأن إجراء الانتخابات الفلسطينية فيها يحمل دلالة سياسية تتجاوز عدد الناخبين المقدسيين إلى مسألة السيادة والهوية ومستقبل المدينة
وأي رفض إسرائيلي لإجراء الاقتراع فيها سيضع القيادة الفلسطينية مرة أخرى أمام معادلة صعبة بين إجراء الانتخابات دون القدس بما يحمله ذلك من ثمن سياسي وبين التمسك بمشاركتها والمخاطرة بتعطيل العملية برمتها
أما غزة فتطرح هذه المرة معضلة أكثر تعقيدا
فالقطاع يعيش واقعا انتقاليا جديدا أفرزته الحرب وترتيبات اليوم التالي ووجود مجلس السلام والأطر الإدارية والأمنية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية وهو ما يطرح سؤالا لم يكن موجودا بهذه الصورة في الانتخابات الفلسطينية السابقة
كيف ستجرى انتخابات تشريعية فلسطينية داخل غزة في ظل هذه البنية الانتقالية
ومن سيضمن حركة لجنة الانتخابات والمرشحين والمراقبين ومن سيوفر البيئة الأمنية والإدارية اللازمة لفتح مراكز الاقتراع
ولا يوجد حتى الآن نص واضح يمنح مجلس السلام صلاحية قانونية بالموافقة على الانتخابات الفلسطينية أو منعها ولذلك سيكون من الخطأ التعامل معه باعتباره صاحب القرار في هذا الشأن لكن وجود ترتيبات انتقالية تشرف على جوانب أساسية من إدارة غزة يجعل السؤال مشروعا حول كيفية تعامل هذه المنظومة مع انتخابات هدفها انتخاب مؤسسة فلسطينية يفترض أن تمثل غزة والضفة والقدس معا
وهذه المسألة تتجاوز التفاصيل الإدارية إلى مستقبل القطاع السياسي
فإذا جرت الانتخابات في غزة فإنها ستعيد تأكيد ارتباط القطاع بالمؤسسات الفلسطينية المنتخبة وسترسل رسالة واضحة بأن المرحلة الانتقالية مهما امتدت لا تعني إخراج غزة من النظام السياسي الفلسطيني
أما إذا تعذر إجراء الانتخابات فيها فإن الفلسطينيين قد يجدون أنفسهم أمام مفارقة خطيرة تتمثل في محاولة تجديد شرعية نظامهم السياسي من خلال انتخابات لا تشمل جزءا أساسيا من الشعب والجغرافيا التي يفترض أن يمثلها هذا النظام
وهنا يصبح مجلس السلام جزءا من السؤال الأكبر وليس الإجابة عنه
فإذا كانت الترتيبات الدولية لما بعد الحرب تستهدف في نهايتها إعادة الاستقرار وتوحيد المؤسسات الفلسطينية فإن الانتخابات يمكن أن تشكل جسرا نحو هذه الوحدة أما إذا أنتجت المرحلة الانتقالية واقعا إداريا وسياسيا منفصلا في غزة فإن الفلسطينيين سيواجهون تحديا يتجاوز الانتخابات إلى مستقبل وحدة النظام السياسي نفسه
وفي الداخل الفلسطيني أحدث إعلان حماس استعدادها للمشاركة في الانتخابات ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن تحولا مهما لأنه يزيل واحدة من أكبر الشكوك التي أحاطت بالمشهد خلال الأسابيع الماضية لكنه لا ينهي الانقسام ولا يحل الخلافات المتعلقة بشروط الترشح والبرنامج السياسي وقواعد المنافسة
بل ربما يكون السؤال الأصعب هو ما سيحدث في اليوم التالي للانتخابات
فتجربة عام 2006 أثبتت أن الوصول إلى الصندوق لا يكفي إذا لم يكن هناك اتفاق مسبق على احترام ما يخرج منه ولذلك فإن الفلسطينيين يحتاجون قبل الانتخابات إلى ضمانات سياسية بأن الجميع سيقبل النتيجة أيا كانت وأن انتقال السلطة أو إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات لن يقود مرة أخرى إلى صدام يعيد إنتاج الانقسام
كما أن المزاج الشعبي الفلسطيني نفسه لا يمكن تجاهله فالمجتمع الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع إن جرت الانتخابات ليس المجتمع الذي صوت قبل عشرين عاما
الحرب والانقسام والأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات والتحولات التي أصابت فتح وحماس والقوى الأخرى صنعت جيلا جديدا من الناخبين وبدلت أولويات شرائح واسعة من الفلسطينيين وهو ما تؤكده مؤشرات أحدث استطلاعات الرأي التي تتحدث عن تغيرات في موازين التأييد السياسي بعد الحرب
ولهذا قد تحمل الانتخابات إذا جرت مفاجآت تتجاوز الحسابات التقليدية للفصائل وقد تتحول إلى استفتاء شعبي غير مباشر على مجمل التجربة السياسية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين
لكن قبل الوصول إلى سؤال من سيفوز هناك سؤال أكثر إلحاحا وهو هل ستجرى الانتخابات أصلا
حتى الآن لا توجد معطيات موضوعية تسمح بالجزم بأنها ستؤجل وفي المقابل لا توجد ضمانات كافية تجعل انعقادها في موعدها أمرا محسوما
هناك مسار انتخابي حقيقي بدأ وهناك أكثر من مليون ونصف مليون ناخب مسجل في الضفة الغربية حتى بداية العملية الحالية وهناك جدول يفتح باب الترشح في السادس والعشرين من أيلول ويحدد الثامن والعشرين من تشرين الثاني يوما للاقتراع لكن وجود الجدول شيء وقدرة الواقع السياسي والميداني على اللحاق به شيء آخر
وخلال الأسابيع المقبلة ستبدأ الصورة بالوضوح أكثر
إذا تقدمت ترتيبات الانتخابات في غزة وظهرت صيغة واضحة لمشاركة القدس واستمرت القوى الفلسطينية في الانخراط بالعملية وسمحت البيئة الأمنية بحرية الحركة والترشح فإن احتمال الوصول إلى صناديق الاقتراع سيصبح أكثر واقعية
أما إذا اقترب موعد الترشح دون حلول لغزة والقدس وتصاعدت الإجراءات الإسرائيلية أو انفجرت الخلافات الفلسطينية حول شروط العملية فإن احتمال التأجيل سيتحول من مجرد فرضية سياسية إلى سيناريو جدي
ولهذا أعتقد أن انتخابات تشرين الثاني لا ينبغي النظر إليها باعتبارها منافسة على مئة واثنين وثلاثين مقعدا في المجلس التشريعي فقط
إنها في جوهرها اختبار لقدرة الفلسطينيين على إعادة إنتاج شرعيتهم السياسية في مواجهة واقع يعمل يوميا على تفتيت جغرافيتهم
وهي اختبار لما إذا كانت غزة ستبقى جزءا عضويا من النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب
واختبار لقدرة الفلسطينيين على تثبيت القدس داخل بنيتهم السياسية
واختبار لقدرة القوى المختلفة على الاحتكام إلى صندوق الاقتراع ثم احترام ما يقرره
وهي قبل كل ذلك اختبار لمفهوم الدولة الفلسطينية نفسها
فالاستيطان يحاول أن يصنع على الأرض جغرافيا مختلفة بينما تستطيع الانتخابات الشاملة أن تقول سياسيا إن هناك شعبا واحدا وأرضا واحدة ونظاما سياسيا واحدا
ومن هنا فإن نجاح الانتخابات لن يكون في مجرد فتح الصناديق بعد عشرين عاما من الغياب بل في قدرتها على إعادة وصل ما تحاول السياسة والجغرافيا تفكيكه
أما إذا تعذر إجراؤها فإن الخسارة لن تكون تأجيل استحقاق انتخابي آخر فقط بل ستفتح سؤالا أشد خطورة حول قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدة تمثيلهم السياسي في وقت يعاد فيه رسم مستقبل غزة وتتغير فيه خريطة الضفة وتتعرض فيه فكرة الدولة الفلسطينية نفسها لأحد أصعب اختباراتها
ولهذا ربما يكون السؤال الذي يجب أن يشغل الفلسطينيين خلال الأشهر المقبلة ليس فقط من سيفوز في الانتخابات
بل هل يستطيع الفلسطينيون الوصول إلى الصندوق قبل أن تسبقهم التحولات على الأرض




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development