لماذا يقبل المعلمون بكثافة على بعض المدارس؟بقلم أ.علي سلمى

من الملاحظ في السنوات الأخيرة ومع إفتتاح العديد من المؤسسات التربوية أن هناك مدارس تستقبل عددًا كبيرًا من طلبات المعلمين عند الإعلان عن أي وظيفة شاغرة، بينما تعاني مدارس أخرى من صعوبة كبيرة في إيجاد معلمين،
لأسباب عديدة منها عدم دفع المستحقات أو اكل حقوق المعلم أو تغير المعلمين كل سنة أو سنتين للتهرب من الجهات الضامنة وعدم تسجيل المعلم فيها
أو بيئة غير مؤسساتية تعتمد على فرد لا على نظام واضح ومحدد الأهداف
فيكون الحل ان تلجأ الى حديثو التخرج
( Fresh Graduates)
رغم افتقارها الواضح لمعلمين ضمن ملاكها وضعف راقبة اجهزة الدولة على هذه المدارس مما ينعكس سلبا على بيئة المدرسة وعلى مستوى التحصيل العملي للطلاب.
وهنا يطرح نفسه سؤال بسيط: ما الذي يجعل المعلم يفضّل مدرسة على أخرى؟
قد يعتقد البعض أن السبب هو اسم المدرسة أو شهرتها، أو ربما موقعها، لكن في الواقع الموضوع أعمق من ذلك. المعلم، مثل أي موظف، أصبح يبحث قبل كل شيء عن الاستقرار المالي والاستدامة. يريد أن يعرف أن راتبه سيصل في موعده، وأن ما تم الاتفاق عليه عند التوظيف سيبقى واضحًا، وأنه لن يستيقظ كل صباح ليكتشف أن هناك مهمة جديدة أضيفت إلى عمله.
فالراتب المنتظم، حتى لو لم يكن الأعلى في السوق، يعطي الموظف شعورًا بالأمان. والمعلم لديه بيت والتزامات وعائلة ومصاريف، وبالتالي فإن معرفة موعد راتبه وقيمته وانتظامه أمر أساسي بالنسبة إليه.
ومن هنا نجد أن بعض المدارس استطاعت أن تبني سمعة جيدة بين المعلمين ليس فقط بسبب مستوى التعليم فيها، وإنما بسبب طريقة إدارتها لموظفيها. عندما يعرف المعلم أن هناك نظامًا واضحًا، وأن الراتب يُدفع بانتظام، وأن حقوقه معروفة، يصبح العمل في هذه المدرسة أكثر جاذبية بالنسبة إليه.
الأمر لا يتعلق بالراتب فقط. هناك مدارس قد تدفع راتبًا قريبًا من راتب مدارس أخرى، ولكن ظروف العمل مختلفة تمامًا.
في مدرسة منظمة، يعرف المعلم منذ البداية ما هو المطلوب منه. يعرف الصفوف التي سيدرسها، والمواد التي سيتولى تدريسها، وعدد الحصص، وساعات العمل، ومن هو المسؤول المباشر عنه. لا يجد نفسه مضطرًا كل فترة إلى الانتقال بين مراحل مختلفة أو تدريس مواد ليست ضمن اختصاصه فقط لأن هناك نقصًا في عدد المعلمين.
وهذا الأمر مهم جدًا.
فليس من المنطقي أن يتم توظيف معلم على أساس اختصاص معين، ثم يصبح مطلوبًا منه تدريس كل شيء وكل المراحل لمجرد أن المدرسة تعاني من نقص في الكادر. عندما تتكرر هذه الممارسات، يشعر المعلم أن الوصف الوظيفي لا قيمة له، وأن المطلوب منه يتغير بحسب الظروف.
كذلك، فإن عدد الطلاب في الصف له تأثير مباشر على المعلم. هناك فرق كبير بين معلم يدخل إلى صف بعدد طلاب يمكنه التعامل معهم، وبين معلم يجد نفسه أمام عدد كبير جدًا من الطلاب، إضافة إلى التحضير والتصحيح والمتابعة والمهام الأخرى.
وهنا تظهر أهمية الإدارة المدرسية.
الإدارة الجيدة لا تنتظر المشكلة حتى تقع، بل تخطط مسبقًا. تعرف حاجتها وتتقن إدارة الإداء والتقييم الدوري للتحسين المستمر.
أما عندما تغيب هذه الأمور، فإن المشكلة لا تكون فقط في المعلم. تصبح المشكلة في النظام نفسه.
ولذلك، أعتقد أن جزءًا من الفارق بين المدارس التي تستقطب المعلمين بكثرة والمدارس التي تعاني من نقص مستمر في الكادر يعود إلى طريقة إدارة الموارد البشرية داخل المدرسة ومن يتولى هذا الموقع.
المعلم اليوم لا يبحث فقط عن “وظيفة”. هو يبحث عن مكان يشعر فيه أن وقته وجهده لهما قيمة، وأن هناك حدًا أدنى من الاحترام والاستقرار المهني.
ومن الأمور التي أصبحت مهمة أيضًا التقديمات والحقوق الاجتماعية. فالراتب عنصر أساسي، لكنه ليس العنصر الوحيد. الإجازات، الضمان، التقديمات الاجتماعية، بدل النقل إن وجد، ساعات العمل، العطل، وآلية التعامل مع الموظف كلها أمور تؤثر في قرار المعلم بالبقاء أو المغادرة.
قد تجد مدرسة تدفع راتبًا مقبولًا، لكنها تخسر معلميها باستمرار بسبب سوء التنظيم او متطلبات تفوق القدرات اليومية للمعلم
وقد تجد مدرسة أخرى لا تدفع أعلى راتب في المنطقة، لكنها تحافظ على معلميها لسنوات لأن لديها نظامًا واضحًا وتعاملًا مستقرًا واستقرار مالي.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
ليس من العدل دائمًا أن نقول إن المعلمين أصبحوا يبحثون فقط عن الراتب الأعلى أو أنهم لم يعودوا يريدون العمل. أحيانًا يكون المعلم مستعدًا للعمل وبذل جهد كبير، لكنه يريد في المقابل أن يعرف ماذا سيحصل عليه وماذا يُطلب منه.
هناك مدارس، للأسف، تتعامل مع المعلم وكأنه يستطيع القيام بكل شيء: يدرس أكثر من مادة، ويغطي أكثر من مرحلة، ويتحمل أعدادًا كبيرة من الطلاب، ويقوم بمهام إضافية، وفي النهاية يحصل على راتب لا يتناسب مع حجم المسؤولية.
في مثل هذه الحالة، لا يجب أن نتساءل فقط: لماذا يترك المعلم المدرسة؟
بل يجب أن نسأل: ما الذي فعلته المدرسة حتى تجعل المعلم يرغب في البقاء؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تفكر فيها الإدارات التربوية بجدية.
فالمدرسة ليست فقط مبنى وطلابًا وأقساطًا ومناهج. المدرسة أيضًا مجموعة من الأشخاص الذين يقومون بتشغيل هذا النظام، والمعلم هو في قلب هذه المنظومة.
إذا أردنا مدرسة قوية، علينا أن نبدأ من المعلم. وإذا أردنا أن نجذب المعلمين الجيدين، علينا أن نقدم لهم بيئة عمل جيدة من خلال إدارة عامة منظمة وإدارة موارد بشرية متخصصة
ليس بالضرورة أن تكون مثالية، ولكن يجب أن تكون واضحة وعادلة ومستقرة.
وفي النهاية، أعتقد أن كثافة الإقبال على بعض المدارس ليست صدفة. عندما يسمع المعلمون أن مدرسة معينة تدفع رواتبها بانتظام، وتقدم راتبًا مقبولًا، وتحترم اختصاص المعلم، وتنظم الصفوف والحصص، وتحدد المسؤوليات، وتوفر حقوقًا وتقديمات واضحة، فإن سمعة هذه المدرسة تنتشر بين المعلمين بشكل طبيعي.
المعلمون يتحدثون فيما بينهم، وتجاربهم تنتقل من شخص إلى آخر.
ولهذا فإن أفضل إعلان توظيف يمكن أن تقوم به المدرسة ليس دائمًا الإعلان المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
أحيانًا يكون أفضل إعلان هو سمعة المدرسة بين موظفيها السابقين والحاليين.
فالمدرسة التي تحترم موظفيها لن تحتاج دائمًا إلى البحث طويلًا عن المعلمين، لأن المعلمين أنفسهم سيبحثون عنها.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development