التاريخ وجهتا نظر: أسامة اسماعيل

المسار التطوري وهو الصحيح والمسار الانحداري وهو السائد
تختلف وجهات النظر إلى التاريخ وفق المنطلقات فإذا كان المنطلق العقل والإرادة الفرديين وعقيدة التوحيد والحرية والاستقلال والعدالة الإقتصادية والإجتماعية والمفهوم الصحيح والحقيقي للانسان كان التاريخ مسارا”تطوريا”من الوثنية والصنمية وعبادة اشخاص او تقديسهم إلى عقيدة التوحيد،ومن القبلية والعشائرية وحالة القطيع الجماعي والشعبي إلى قيمة الفرد والتحرر والاستقلال،ومن الحكم الجماعي والشعبي والاستبدادي والوراثي والثيوقراطي والمذهبي إلى حكم النخبة المستقلة،ومن اقتصاد الريع والاستئثار والاحتكار وتراكم الثروة بين يدي فئة قليلة إلى اقتصاد الإستثمار والتنمية والعدالة في توزيع الثروة والدخل بين الأفراد.أما وجهة النظر الأخرى فتنطلق من المذهب الديني والايديولوجيا والأساطير والعاطفة ومصالح فئات معينة سياسية واقتصادية،ووجهة النظر هذه لاترى التاريخ بمجمله مسارا”تطوريا”بل تجعله اجزاء ،فبعض الأجزاء تطورت مثل وسائل التكنولوجيا فيما الأجزاء الأخرى لم تتطور وتستعاد وتستمر عبر السلطات الدينية المذهبية والسياسية والمنظمات والأحزاب والأثرياء،ومايحدث اليوم يدل على سيطرة وجهة النظر هذه،فما فعله الاستعمار والحركة الصهيونية،والحروب،والظلم والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي،وتراكم الثروات بين أيدي فئات قليلة،وحالة القطيع،وأنظمة الحكم السيئة،والمذهبية والطائفية،واحياء مناسبات مذهبية عاطفية وعبادة أشخاص أو تقديس أشخاص وتعظيمهم دليل على ذلك.
الانحدار من عقيدة التوحيد إلى تقديس أشخاص
غالت المذاهب الدينية في العهود التي تلت غياب أصحاب الرسالات ومتلقي الكتب الدينية التي تعتبر منزلة أو موحى بها في تقديس بعض المرسلين والأنبياء والذين تعتبرهم خلفاءهم،حيث ارتأت بعض السلطات السياسية تأليه أحد أصحاب الرسالات فيما ارتأت أخرى في دين آخر وتاريخ آخر تقديس أشخاص تعتبرهم خلفاء لآخر أصحاب الرسالات في التاريخ الديني والمذهبي،فالاهتمام بالشأن السياسي الدنيوي تغلب على الاهتمام بعقيدة التوحيد والشأن الأخروي الميتافيزيقي في التاريخ الديني والمذهبي لصعوبة الايمان بالخالق وقصة الخلق والعالم الميتافيزيقي والكائنات الميتافيزيقية أو غير المرئية بدون دليل حسي ويقيني،لذلك كان تأليه شخص أو تقديس أشخاص بشريين لضمان استمرار الأديان والمذاهب التي لاتقوم على العقل والإرادة الفرديين والتجربة Experience الحسية المباشرة،أما وجهة النظر الأخرى للتاريخ،التي تقوم على الفلسفة الفردية والعلم فليس لديها أشخاص مؤلهون ومقدسون ومعصومون عصمة مسبقة ومطلقة ولاتؤيد أنظمة الحكم التي سادت في التاريخ الديني والمذهبي والسياسي بل تؤيد حكم النخبة المستقلة التي تحقق العدالة والتنمية والحرية.
الظلم والتفاوت الاقتصادي
وجهة النظر الصحيحة للتاريخ ترى أن التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الأفراد وظاهرة الأغنياء والفقراء نتيجة غياب العدالة في توزيع الثروة والدخل، والإدارة السيئة للموارد،واستئثار فئة قليلة من الناس بالثروات فيما وجهة النظر الأخرى حول هذا الموضوع فتقوم على الغيب والقدر والحتمية التاريخية.فسبب الظلم والتفاوت الاقتصاديين والفجوة الكبيرة بين الناس على مستوى الدخل والقدرة الشرائية ليس الله والغيب والملائكة أو الجن ولاالحتمية التاريخية بل السبب بشر يسخرون الاقتصاد والمال العام لخدمة مصالحهم ونفوذهم وسيطرتهم عالمياً وإقليمياً ومحليا”ولأجل مراكمة ثرواتهم وحساباتهم البنكية والتمييز بين الأفراد على أساس التبعية والولاء لهم وخدمتهم والمحسوبية Favorism لاعلى أساس العلم والاختصاص والثقافة والكفاءة والجدارة والأخلاق، وتضاف إليها الأزمات المالية والنقدية والاقتصادية التي يفتعلها السياسيون والأحزاب والأثرياء والمضاربون والمرابون،مايؤدي إلى زيادة الظلم والتفاوت الاقتصاديين بين الأفراد.فالتضخم Inflation يؤدي إلى المزيد من تدني القدرة الشرائية لذي الدخل المحدود والمنخفض مقابل ارتفاع الأسعار فيما الانكماش Depression يؤدي إلى تفاقم مشكلة قلة فرص العمل والوظائف والاستثمارInvestiment,Investissement ،فكيف الحال إذا اجتمع التضخم والانكماش أو الركود في ان واحد أي مايسمى الركود التضخميStagflation ؟
أما وجهة النظر السائدة للتاريخ فترى أن سبب التفاوت الاقتصادي وظاهرة الأغنياء والفقراء هو الخالق والقدر والحتمية،ونشأ هذا الاعتقاد نتيجة تحريف الأديان وتشويهها والتدليس فيها على أيدي السلطات السياسية ورجال الدين التابعين لهم ثم الأحزاب لاحقاً لتبرير غياب العدالة في توزيع الثروة والدخل،والطبقية الإقتصادية والمعنوية بالإضافة إلى النظرية الماركسية التي ترى أن الصراع الطبقي Lutte de classضرورة وحتمية تاريخية لإقامة المجتمع الشيوعي وديكتاتورية البروليتاريا والنظرية الرأسمالية Capitalism التي ترى أن التفاوت الاقتصادي هو ظاهرة طبيعية ونتيجة حتمية لحقيقة وجود أفراد يملكون وسائل الإنتاج وأفراد لايملكونها،وآلية السوق والمنافسة والأزمات الدورية مثل التضخم والانكماش والبطالة والاحتكارات.
وجهتا النظر ومفهوم الإنسان
نظرية النشوء والارتقاء Anthropogenesis,evolutionisme التي تقول إن الإنسان من أصل مشترك مع القرد طغت خلال فترة طويلة،على غيرها من النظريات العلمية وأصبحت الأكثر شهرة منذ أواخر القرن التاسع عشر لأنها تدعم المفهوم القائل إن الإنسان حيوان اجتماعي وسياسي،وتلاقت هذه النظرية مع وجهة النظر التاريخية السائدة التي لخصها كل من غوستاف لوبون وبراترند راسل بأن التاريخ هو تاريخ جماعات لاتاريخ أفراد،وأن ماسير ويسير الأمم ليست العقل الفردي والمنطق بل العاطفة والغريزة والحاجات المادية.وقد استفاد الاستعمار من هذه النظرية وكذلك “الحركة الصهيونية”لتسيير الناس في القطيع أو الجماعات على أساس طائفي وقومي وعشائري وحزبي وشعبي وراء أشخاص وأحزاب ومنظمات ومنها المنظمة الصهيونية التي لم تستطع أن تصل إلى أهدافها لولا تسيير أكثر المنتمين إلى الدين اليهودي في العالم في القطيع الجماعي وراءها بحجة الهروب من الاضطهاد والتشريد والعودة إلى أرض صهيون وانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين،ورسخت النظرية القائلة إن الإنسان حيوان أو كائن اجتماعي وسياسي،وإن شؤونه الشخصية هي نفسها شؤون الجماعة أو الشعب،وإنه لايستطيع أن يتصرف بها ولاان يحصل على حقوقه الطبيعية والمكتسبة إلا إذا انتمى إلى الجماعة أو الشعب،وتتساوى في الأخذ بهذه النظرية الرأسمالية والشيوعية واليهودية السياسية والمسيحية السياسية والإسلام السياسي،فيما النظرية الصحيحة هي التي تقول إن الإنسان كائن فردي اجتماعي بشروط وحدود،وشؤونه الشخصية تخضع لعقله وارادته،وحقوقه ملك ذاته وليس مجبراً على السير في القطيع الجماعي والشعبي كي يحصل على حقوقه،وإن علاقته مع الجماعة أو المجتمع هي علاقة حقوقية من الند إلى الند.
الاختلاف في وجهات النظر حول التاريخ مرتبط بالمنطلقات والمسارين التطوري والانحداري،وقد تغلب المسار الانحداري على المسار التطوري في مجالات الدين والسياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن والفن.ولاشفاء من مرض المسار الانحداري للتاريخ الابترسيخ وجهة النظر المؤيدة للمسار التطوري،وإن مهمة وسائل الإعلام والتواصل اساسية في مجال تشجيع وجهة النظر هذه وترسيخها بدلاً من تسويق المسار الانحداري وترسيخه.وان الديموقراطية الانتخابية العددية وخاصة ذات التركيبة الطائفية العشائرية الحزبية التي تشجعها معظم وسائل الإعلام والتواصل السياسية المحلية والدولية هي أحد وجوه المسار الانحداري للتاريخ وهي تقوم على أساس نظرية العقد الاجتماعي Le contrat social والعواطف والمصالح الجماعية ويقول جان جاك روسو مؤسس هذه النظرية ناقداً لها:”حين يفوض الأفراد حقوقهم للجماعة ككل فإنهم يفقدون جميع حرياتهم”،وإن مايحدث من حروب وافتعال أزمات وتمييز اقتصادي واجتماعي ومعنوي لأجل الإنتخابات والفوز فيها دليل واضح على أنها جزء من المسار الانحداري للتاريخ!!!
أسامة اسماعيل

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development