المقالات

تجليات منهج عبد الله الغذامي في قراءات فراس حج محمد النقدية

ناشرون فلسطينيون (رام الله- فلسطين المحتلة)

الملخص Abstract

تناقش هذه الدراسة المعمقة مظاهر وآليات تأثر الناقد الفلسطيني فراس حج محمد بطروحات الناقد والمفكر السعودي عبد الله الغذامي في سياق النقد الثقافي، وتتبع الدراسة التحول المنهجي في أدوات حج محمد القرائية، مبينة كيف انتقل من التحليل الجمالي الخالص إلى تفكيك الأنساق الثقافية، والكشف عمّا هو مضمر منها، ونقد الفحولة، ومساءلة الأوزان الخليلية كنسق سلطوي، وتركز الدراسة بشكل خاص على صياغته لمصطلح “متلازمة درويش” ككابح إبداعي، موازناً إياها بالمقاربة الفلسفية للبروفيسور عبد الرحيم الشيخ.

تخلص الدراسة إلى أن مشروع حج محمد يمثل ممارسة عملية لنقل النص المعاصر من فضاء التبجيل العاطفي إلى فضاء المساءلة والمختبر النقدي الحقيقي، وتقدّم نموذجاً لتأثر الجيل الجديد من النقاد بجيل الروّاد وتفاعلهم معهم والاستفادة منهم وتطوير طروحاتهم.

الكلمات المفتاحية (Keywords)

فراس حج محمد، عبد الله الغذامي، النقد الثقافي، متلازمة درويش، الأنساق المضمرة، عبد الرحيم الشيخ، نقد الفحولة، بلاغة الصنعة الشعرية، الأدب الفلسطيني المعاصر.

مقدمة وتوطئة

يشهد الخطاب النقدي العربي المعاصر تحولاً جذرياً مدفوعاً بضرورة ملحة للبحث عن نظريات نقدية أصيلة، نابتة من صلب الهوية والواقع الأدبي المحلي، وفي طليعة النقاد الذين خاضوا غمار هذا التحول المعرفي، يبرز الناقد والباحث الفلسطيني فراس حج محمد، الذي اتخذ من أطروحات المفكر السعودي عبد الله الغذامي منصة منهجية صلبة ومبضعاً جراحياً لإعادة هندسة أدواته القرائية.

لم يكن تبني حج محمد للنقد الثقافي الغذامي محاكاة عابرة أو ترفاً فكرياً مستورداً، بل كان استيعاباً إجرائياً عميقاً امتد من فحص “الأنساق المضمرة” وعيوب الثقافة، إلى تفكيك الأيقونات المعاصرة والموروثات العروضية المستقرة، موظفا بوعي نقدي نظرية الغذامي حتى دون أن يفصح عن ذلك في كثير من مقالاته وكتبه، وقد أثارنا هذا الالتفات، لا سيما بعد أن أعلن عن ذلك في مقاله الأخير الذي تناول فيه أحد كتب الغذامي النقدية، معتبرا نفسه تلميذا للناقد عبد الله الغذامي.

تبين هذه المادة بالتفصيل كيف استثمر فراس حج محمد نظريات الغذامي وكتبه التأسيسية، محاكياً ومطوراً لآلياته النقدية في مؤلفاته ومقالاته المنشور، وتأتي في قلب هذا البحث صياغته المبتكرة لمصطلح “متلازمة درويش”، بوصفها نسقاً ثقافياً مضمراً وعقدة نقدية جمعية تحاول تفكيك أدوات “الفحولة المعاصرة” وسلطة الأيقونة التي كبحت جماح التعددية لدى الأجيال الجديدة، لتفتح هذه القراءة تحليلاً مقارناً، يضع رؤية حج محمد التي تحارب “المسطرة الدرويشية” في مواجهة المقاربات الفلسفية والسياسية الموازية، ولا سيما أطروحة البروفيسور عبد الرحيم الشيخ، لتكشف كيف يساهم هذا الاشتباك المعرفي في نقل النص الأدبي من فضاء التقديس والتبجيل العاطفي إلى مختبر المساءلة النقدي الحقيقي.

أولاً: التأسيس المعرفي والتحول نحو النسق (2020-2026)

بدأ التأثر المنظم لحج محمد بالغذامي يتبلور بشكل علني بدءاً من عام 2020، فخلال إعداده لكتابه “بلاغة الصنعة الشعرية”[1]، عكف على قراءة الثلاثية التأسيسية للغذامي: “النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية”، “المرأة واللغة”، و”تأنيث القصيدة والقارئ المختلف”. هذه القراءة أحدثت انزياحاً فكرياً لديه من تتبع جماليات النص الخالصة (البلاغة، الموسيقى، التناص) إلى تفكيك “العنصر النسقي” باعتباره عنصراً أساسياً من عناصر الاتصال، فقد انطلق حج محمد عام 2020 من مبدأ الغذامي الذي يرى أن البلاغة المفرطة قد تكون قناعاً يختبئ خلفه عيب ثقافي أو سلوكي جمعي وصولا إلى عام 2026 حيث دافع حج محمد في مقالة بعنوان “مع الناقد الثقافي عبد الله الغذامي مرة أخرى” عن هذا المشروع، معتبراً إياه “نظرية نقدية مستوية على سوقها نابتة من لحمنا الثقافي الحي”، منتقداً التبعية العمياء للنقاد العرب الذين يهرولون نحو البنيوية والتفكيكية الغربية متناسين ما قدمه الغذامي وقبله عبد القاهر الجرجاني.

ثانياً: من “تأنيث القصيدة” إلى نقد الفحولة

أحد أوضح تجليات التأثر بنظريات الغذامي يظهر في مقاربة حج محمد للأدب النسوي، وتحديداً في كتابه “شهرزاد ما زالت تروي”[2] ونقده لبعض الأصوات الشعرية كنزار قباني، ومقالاته اللاحقة، فقد وظف حج محمد مقولات الغذامي حول “تأنيث القصيدة” ومحاربة “الفحولة والمؤسسة الأبوية الذكورية للغة”، ثم تجسد هذا التطبيق عملياً في مقالته النقديّة “أمير الشعراء ومحاولة كسر النسق الثقافي”[3]، والتي كتبها عقب فوز الشاعرة العمانية عائشة السيفي بلقب “أمير الشعراء”، فحلل حج محمد الحدث من منظور النقد الثقافي الغذامي، معتبراً الفوز ليس مجرد تتويج جمالي، بل هو اشتباك واعٍ لكسر نسق “الفحولة” المهيمن تاريخياً على ذائقة المؤسسة الشعرية العربية، كما تتبع في دراساته للأدب النسوي مدى قدرة الكاتبة على ابتكار “جملة ثقافية مؤنثة” مستقلة، بدلاً من الوقوع في فخ محاكاة الخطاب الذكوري المهيمن، كما في بعض أبحاث كتابه نسويّ الطابع “الكتابة في الوجه والمواجهة”[4].

ثالثاً: مساءلة “اللابس المتلبس” والتباس الأنساق

لم يكن فراس حج محمد متلقياً خاملاً لأطروحات الغذامي، بل واكب نتاجه اللاحق بالمساءلة والتحليل الفلسفي. في قراءته المنشورة بعنوان “التباس الأنساق في توريقات الغذّامي الثقافيّة”[5]، حيث فكك كتاب الغذامي الصادر عام 2024 “اللابس المتلبس- من أوراق أبي الطيب المتنبي”، مستثمراً حج محمد مفهوم الغذامي حول “تلبّس الشاعر بالنسق”، ولكنه نقل التحليل إلى مستوى أعمق يتعلق بمعاناة الناقد نفسه وثنائية الكتابة الأكاديمية الصارمة مقابل الكتابة الحرة. وفي ذات السياق، كما التفت حج محمد إلى المراجعات الفكرية التي قدمها الغذامي في كتابه “ماذا لو كنت مخطئاً؟”[6]. فرأى حج محمد أن نقد النقد ومساءلة الذات عند الغذامي لا تمثل تراجعاً، بل هي تأكيد لديناميكية النقد الثقافي وقدرته على التجدد والتحرر من جمود النسق التنظيري المغلق.

رابعاً: إسقاط “الخماسية” على السرد وعقدة “متلازمة درويش”

توسعت التطبيقات المنهجية لحج محمد لتطال الخطاب السردي والرموز الحداثية المعاصرة عبر توظيف الأدوات الخمس للنقد الثقافي الغذامي (النسق المضمر، الجملة الثقافية، المؤلف المزدوج، المجاز الكلي، المستهلك الثقافي):

متلازمة درويش والأيقنة: طبق حج محمد آليات تشريح “الفحل البليغ” (التي استخدمها الغذامي مع المتنبي ونزار قباني) على الشاعر محمود درويش. من خلال صياغته لمصطلح “متلازمة درويش”، فقد فكك نسق التقديس في المنظومة الثقافية المعاصرة في مقالة بعنوان “متلازمة درويش وأثرها في توجيه النقد”[7]، وفي مقالته التفكيكية “ما لم يقله محمود درويش عن ريتا”[8]، نحّى الجماليات اللغوية جانباً ليعري النسق الصراعي والهزيمة النفسية المتخفية وراء الخطاب الغزلي الحداثي.

الأوزان الخليلية كنسق سلطوي: في كتابه “بلاغة الصنعة الشعرية”، جرد حج محمد “الأوزان العروضية” من براءتها الفنية، واصفاً الإصرار عليها وتأطير الشعر بها بأنه إعادة إنتاج “للنسق السلطوي الأبوي” الذي يهدف إلى ضبط وتنميط العقل العربي.

الفنتازيا الإسلامية وتوسيع المقاربة: عندما أعلن عن كتابه “الفنتازيا الإسلامية- ميتافيزيقيا السرد الإسلامي”، التفت الناقد د. إياس الصائغ [9] إلى أن حج محمد استبطن خماسية الغذامي الإجرائية بالكامل؛ حيث حوّل الخطاب السردي والمنامات العتيقة ونصوص المتصوفة إلى حقل معرفي يضمر أنساقاً تعويضية وصراعات ثقافية مسكوت عنها.

خامساً: الخطاب الشعري واستلهام روح النظرية:

وعلى هامش كتاب الفنتازيا الإسلامية التفت الدكتورة سامية الأفغاني إلى نص شعري كتبه حج محمد، ورأته ينطلق من روح نظرية الغذامي الثقافية، فأخضعته للتحليل مبينة كسر الشاعر للنمط الشعري القديم المتمثل في فحولة الشاعر ومركزيته النصية [10]. ما يعني أن الناقد يتبنى عن قناعة تامة طروحات الغذامي بحيث تراها مطبقة في نصه الإبداعيّ كذلك، ولم تقتصر على خطابه النقدي، ولعلّ هذه الإشارة من الباحثة تفتح المجال واسعا لقراءة ما أنتجه فراس الشاعر متمثلاً النظريات النقدية التي يؤمن بها، ويطبقها في دراساته وقراءاته النقدية المتعددة.

سادساً: الاستطراد والتجاوز (الجملة الدينية والمؤسسية)

لم يقف حج محمد عند حدود التبعية المنهجية، بل قدم استطرادات هامة على مشروع الغذامي، لا سيما في كتابه “إشكالات النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق” في مقاله المشار إليه أعلاه “مع الناقد الثقافي عبد الله الغذامي مرة أخرى”، فناقش فيه إشكالية “الجملة الثقافية” ومفهوم “الجملة الدينية”، ويرى حج محمد أن الدول القطرية الاستعمارية شوهت “النسق الجمالي الأصيل” للجملة الدينية الإسلامية الأولى التي جاءت لهدم العصبيات. هذا الربط المحكم بين تفكيك النص وتفكيك الواقع السياسي المعاش يمثل ارتقاءً بنظرية الغذامي من النقد الأدبي-الثقافي التراثي إلى نقد السوسيولوجيا السياسية المعاصرة.

سابعاً: متلازمة درويش وعلاقتها بالنقد الثقافي وجدل المواقف

أثارت صياغة الناقد الفلسطيني فراس حج محمد لمصطلح “متلازمة درويش” وتطبيقه لآليات النقد الثقافي (الغذامي) على إرث محمود درويش ردود أفعال متباينة في الأوساط النقدية الفلسطينية والعربية. انقسم الموقف النقدي حيال هذا الطرح الجريء إلى تيارين رئيسيين بين مؤيد يرى فيه تحريراً للنقد، ومعارض يراه تجنياً على الرمزية الوطنية والجمالية.

1. التيار المؤيد والمرحب:

يرى عدد من النقاد والباحثين الشباب، والمهتمين بالدراسات الثقافية، أن أطروحة فراس حج محمد تمثل خطوة ضرورية طال انتظارها في المشهد الثقافي الفلسطيني، ويشيد هذا التيار بامتلاكه “شجاعة مواجهة الرمز المقدس” التي يخشاها الكثيرون تجنباً للصدام مع الذائقة الجمعية، كما أيدوا تفكيك “المسطرة الدرويشية” التي تحولت لعائق أصاب الأجيال بالعقم الشعري، واعتبروا نقده لبعض النقاد الكبار كصبحي حديدي محاولة لإنقاذ النقد من التحول إلى “صكوك تبجيل” عاطفية.

2. التيار المعارض والمتحفظ:

واجهت الأطروحة اعتراضات من نقاد ينتمون للمدرسة الجمالية التقليدية، حيث رأوا في نقده لكتاب صبحي حديدي “مستقر محمود درويش” تجاهلاً لطبيعة العلاقة بين المبدع وناقده المخلص للقيمة الكونية لشعره. وانتقد البعض الخلط بين الجمالي والسياسي عند ربطه بين “تقديس الشاعر” و”العقلية الديكتاتورية”، واعتبروا ذلك تعسفاً نسقياً، كما جادلوا بأن محمود درويش يمثل حالة تلاحم نادرة صاغت الوعي بالقضية، وتفكيك هذه الأيقونة قد يضعف السردية الوطنية الفلسطينية.

3. التقييم المعرفي العام:

بعيداً عن الرفض أو القبول المطلق، فإن إسهام فراس حج محمد نقل درويش من فضاء “التبجيل العاطفي” إلى “المختبر النقدي الحقيقي”[11] ورغم التحفظات على بعض الشطحات التأويلية، إلا أن طروحاته حركت المياه الراكدة وأثبتت حيوية أدوات النقد الثقافي العربي عند تطبيقها على رموز الحداثة المعاصرة.

ثامناً: المقارنة الاصطلاحية بين حج محمد وبين عبد الرحيم الشيخ

على الرغم من اشتراك الناقدين في استخدام المصطلح نفسه المستعار من الحقل الطبي “متلازمة درويش”، إلا أن فراس حج محمد والبروفيسور عبد الرحيم الشيخ (أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت) يوظفان المصطلح في حقلين وسياقين مختلفين تماماً؛ حيث يتناولها حج محمد كأزمة ثقافية ونقدية إبداعية، بينما يفككها الشيخ كأطروحة فلسفية وتاريخية وسياسية.

ويتجلى التباين المعرفي بين الناقدين في طريقة توظيف مصطلح “متلازمة درويش” تبعاً للحقل المنهجي والغايات القرائية لكل منهما، فبينما يحصر فراس حج محمد المصطلح في حقل أدبي نقدي يرى فيه حالة سلبية أنتجت عقماً شعرياً، ينقله عبد الرحيم الشيخ إلى فضاء فلسفي وسياسي معتبراً إياه ظاهرة استثنائية صاغت الوعي والسردية الوطنية الفلسطينية.

فراس حج محمد المفهوم “كابح إبداعي”:

ينطلق في توظيفه للمصطلح من بوابات النقد الثقافي الغذامي، فالمتلازمة لديه هي بمثابة “مرض نَقدي” أصاب المنظومة الأدبية العربية، حيث تحوّل النقاد إلى حرّاس لأيقونة درويش، وصار يُقاس كل نص جديد بمسطرته، حيث تعني المتلازمة هنا تعطل آليات النقد الحر وتجميد التطور الأدبي لصالح “الفحل البليغ”، مما جعل إرث درويش عبئاً ثقيلاً يكتم أنفاس الجيل الشعري الجديد.

عبد الرحيم الشيخ المفهوم “صياغة للوعي التاريخي”:

على النقيض من ذلك، لا يرى عبد الرحيم الشيخ في دراسته الموسعة المنشورة بمجلة الدراسات الفلسطينية [12] المتلازمة كمرض أو عائق، بل كخوارزمية توليدية للوعي، فالمتلازمة لدى الشيخ هي الحالة التلازمية والتشابكية النادرة التي نجح فيها درويش عبر نصوصه الشعرية ونثرياته الموازية في جمع السياسات، الأخلاقيات، والجماليات معاً. إنها الآلية الفكرية المعقدة التي نقلت الهوية الفلسطينية وتجربة اللجوء من حيز الهزيمة والمنفى إلى حيز الثورة واستعادة الفكرة والدولة.

تاسعاً: الصياغة المعجمية للمصطلح في مشروع حج محمد النقدي

لصياغة “متلازمة درويش” كمصطلح نقدي أصيل ومستقل ينضم إلى معجم فراس حج محمد النقدي[13] إلى جانب مصطلحاته الأخرى مثل “التفخيم النقدي” و”الإنقاص البلاغي” و”الفنتازيا الإسلامية”، يجب تأطيره وفق التقاليد المعجمية العلمية التالية:

1. المفهوم والتعريف الاصطلاحي (Conceptual Definition):

“متلازمة درويش” هي نسق ثقافي مضمر وعقدة نقدية جمعية، تتسم بالانحياز الكامل والتأليه النقدي لنموذج شعري حداثي واحد؛ محمود درويش بوصفه “الفحل البليغ المعاصر”، ويؤدي هذا النسق إلى تحويل المبدع من حالة فنية خاضعة للمساءلة، إلى “أيقونة مقدسة” ومعيار مطلق؛ مسطرة قياس تُقاس وتُحكم بها صلاحية النتاج الشعري للأجيال اللاحقة، مما يترتب عليه تعطيل أدوات النقد الحر وإصابة المشهد الإبداعي بالتبعية الجمالية والعقم التعددي.

2. الحقل المعرفي والمنهجي (Methodological Field):

الحقل العام هو النقد الثقافي ودراسة الأنساق، والحقل الخاص هو نقد النقد (Meta-criticism) وسوسيولوجيا الأدب المعاصر.

3. البنية والمكونات الإجرائية للمصطلح (Operational Components):

تتكون المتلازمة من ثلاثة عناصر متداخلة:

أ. الأيقنة والتقديس: انتقال عقلية فحولة التراث إلى الحداثة وحجب نقاط الضعف الفنية.

ب. المسطرة الإبداعية الكابحة: إجبار الشعراء الشباب على محاكاة لغة الأيقونة كشرط للاعتراف.

ج. المحاماة النقدية: تحول دور الناقد من التفكيك إلى الحراسة والتبرير التأويلي للشطحات.

4. المرجعية السوسيوسياسية للمصطلح (Socio-political Reference):

يرتكز على مقاربة إسقاطية تربط بين النسق الأدبي والنسق السياسي، حيث تعكس المتلازمة رغبة “العقلية العربية المستبدة” في إيجاد “ديكتاتور جمالي” يلغي التعددية، محاكاة للأنظمة الشمولية في تدمير المبادرات الفردية، ولعلها من تجليات العقلية العربية التي اعتادت على التدجين والإخضاع.

5. الغاية المعرفية من استخدام المصطلح (Epistemological Purpose):

لا يهدف الناقد من صياغته للمصطلح الانتقاص من درويش، بل يسعى إلى تحرير النص الدرويشي وإعادته للمختبر النقدي، تحرير الجيل الجديد من عبء المحاكاة القسرية، ومكافحة الجمود والتبجيل النقدي لضخ دماء جديدة في المناهج القرائية.

خاتمة وخلاصات

في المحصلة، يُثبت المنجز الإجرائي للناقد فراس حج محمد أن النقد الثقافي بنسخته الغذامية لم يكن ترفاً فكرياً مجتلباً، بل تحول لديه إلى مبضع جراحي قادر على التبيئة والتشعب داخل سوسيولوجيا الأدب الفلسطيني والعربي المعاصر، وإن نجاح حج محمد في صك مصطلح “متلازمة درويش”، وتفكيكه لأنساق “الفحولة” والأوزان الخليلية، يعكس وعياً نقدياً متجاوزاً لا يكتفي بالتبجيل العاطفي أو الانبهار بالجماليات البلاغية المحضة.

وعلى الرغم من التباين المعرفي الجلي بين مقاربة حج محمد التي ترى في المتلازمة كابحاً وعقماً إبداعياً، وبين مقاربة البروفيسور عبد الرحيم الشيخ التي تؤطرها كخوارزمية توليدية للهوية والسردية الوطنية، فإن كلا الطرحين يلتقيان في نقل الأيقونة الدرويشية من فضاء القداسة الرمادية إلى مختبر المساءلة النقدي الحقيقي، وبذلك يظل مشروع فراس حج محمد علامة فارقة تدعو إلى تحرير الذائقة المعاصرة، وضخ دماء التعددية في عروق الجيل الجديد، ممهداً الطريق لولادة نظريات نقدية عربية مستوية على سوقها، قادرة على تفكيك النص والواقع السياسي في آن معاً.

وبناءً على الإشكالات المعرفية المفتوحة التي أثارتها المادة النقدية ومشرع الناقد فراس حج محمد، نورد فيما يلي مجموعة من التوصيات البحثية الموجهة لطلبة الدراسات العليا والباحثين في حقول النقد الأدبي، والنقد الثقافي، وسوسيولوجيا الأدب:

1. في حقل نقد النقد ومتابعة المصلحات الإجرائية

تبيئة وتطبيق مصطلح “متلازمة درويش”: نوصي بإجراء دراسات تطبيقية تفحص مدى انطباق هذا المصطلح على بيئات ثقافية عربية أخرى خارج فلسطين، مثل: تتبع “متلازمة أدونيس” في الشعر السوري، أو “متلازمة السياب” في العراق، أو “متلازمة نزار قباني” في شعر الحب العربي.

2. في حقل النقد الثقافي وجندرة الأدب

• تأنيث القصيدة وتفكيك الخطاب الأبوي المعاصر: إعداد بحوث متخصصة تتقصى “الجملة الثقافية المؤنثة” في نتاج الشاعرات والروائيات العربيات في الألفية الجديدة، ومدى نجاحهن في الفكاك من “النسق الفحولي” المهيمن تاريخياً على الذائقة المؤسسية.

• تفكيك أنساق “الأيقنة” في المشهد الثقافي الجديد: دراسة الآليات المؤسساتية والإعلامية التي تصنع “الرموز المقدسة” في المشهد الثقافي الراهن، وتأثير منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تدوير أنساق التبجيل والتقديس الفردي.

3. في حقل سوسيولوجيا الأدب والخطاب السياسي

 • الجملة الدينية والمؤسسة السياسية: التوسع في دراسة “التباس الأنساق” داخل الخطاب الديني والمؤسسي المعاصر، وبحث الكيفية التي جرى بها تشويه الأنساق الجمالية للخطابات الكبرى لخدمة الأجندات السياسية الضيقة للدول القطرية.

• جدلية الوزن والسلطة: فتح ممرات بحثية جديدة تدرس الرابط الأنثروبولوجي والسياسي بين التمسك بالأطر الموسيقية التقليدية (كالأوزان الخليلية) وبين عقلية المحافظة والضبط والسيطرة في المجتمعات العربية.

4. في حقل الدراسات المقارنة والمراجعات الفكرية

• تكامل المقاربات النقدية حول الرموز الوطنية: إجراء دراسات تجمع بين الرؤية الأدبية التفكيكية (مدرسة حج محمد) والرؤية الفلسفية التوليدية للوعي (مدرسة عبد الرحيم الشيخ)، للخروج بنموذج نقدي متكامل يتعامل مع الأيقونات الوطنية دون تقديس أعمى ودون هدم للقيمة الجمالية أو التاريخية.

• نقد النقد ومراجعات الرواد: دراسة مقارنة بين كتاب الغذامي “ماذا لو كنت مخطئاً؟” وبين كتاب عبد الفتاح كليطو “في جو من الندم الفكري” أو كتاب “أمواج” للناقد العراقي عبد الله إبراهيم على سبيل المثال، لفحص حيوية المراجعة الذاتية لدى النقاد العرب وقدرة المناهج الحديثة على التحرر من جمودها التنظيري الخاص.

الهوامش والإحالات:

[1] راجع الكتاب، الفصل الثالث ص 118- 205، وبداية الفصل الخامس 236- 239.

[2] صدر الكتاب عن دار الرقمية للنشر والتوزيع الإلكتروني، القدس، 2017.

[3] تدوين، نشر بتاريخ: 6 كانون الأول 2024: https://tadween.alhadath.ps/article/167548.

[4] صدر الكتاب عن دار الرعاة للدراسات والنشر (رام الله) وجسور ثقافية للنشر والتوزيع (عمّان)، 2023.

[5] شبكة النبأ المعلوماتية، نشر بتاريخ: 27 تشرين الاول 2024: https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/40498

[6] ينظر: مقال “لماذا لم يكن عبد الله الغذامي مخطئاً؟”، مجلة اليمامة، عدد 2882، 30/10/2025، ص 34- 35.

[7] يُنظر: صحيفة الاتحاد، حيفا، عدد الجمعة، 29/11/2024.

[8] ينظر: موقع ولاتي مه، نشر بتاريخ 27/2/2026: https://cand.welateme.net/153318-2/

[9] ينظر مقالته بعنوان “قراءة ثقافية في كتاب “الفنتازيا الإسلامية” في ضوء خماسية الغذامي، موقع قدس نت، نشر بتاريخ: 29/9/2026: https://qudsnet.com/post/572554

[10] ينظر مقال “تعدد المسارب النقدية في تحليل النموذج الشعري: قراءة في قصيدة “حذف الهمزة أهمّ عنصر في الحكاية”، موقع الوفاق نيوز، نشر بتاريخ: 4/10/2026: https://www.alwifaknews.com/archives/135063

[11] إشارة إلى مقال “محمود درويش في المختبر النقدي”، مادة مولدة بالذكاء الاصطناعي حول علاقة الناقد حج محمد بمنجز درويش الإبداعي، يُنظر: موقع شبكة أخبار البلد، نشر بتاريخ: 14/3/2026: https://www.akhbarelbalad.net/ar/1/11/9152

[12] نشرت مقالته على عددين، الجزء الأول: مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 122، ربيع، 2020، وجاء الآخر في العدد 125، شتاء، 2021، ينظر (1): https://www.palestine-studies.org/ar/node/1649860، و(2): https://www.palestine-studies.org/ar/node/1650895. [13] تعمل ناشرون فلسطينيون على إنجاز معجم نقدي خاص بالناقد فراس حج محمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى