قراعلي: كفرقاهل ليست قضية مربط… إنها قضية دولة بقلم: د. مصطفى قراعلي

في كفرقاهل، لا تدور القضية حول مربط خيل، بل حول منظومة تقول لكل مستثمر مستقل: إمّا أن تمر عبر الزعيم، أو ستجد الدولة نفسها في مواجهتك.
مربط المشرق العربي مشروع استثماري مستقل لعائلة طرابلسية استثمرت في الكورة، وله امتداد لبناني وأسترالي ومعايير دولية في تربية الخيل العربي الأصيل. وفي شباط الماضي بدأ الضغط يتصاعد بمحاولة إخلاء الحيوانات عبر اتصالات أمنية شفوية، من دون إبراز قرار خطي.
ونحن نعرف هذه المنظومة جيدًا. فقد وصل الضغط علينا بسبب هذا المشروع إلى سجن رومية، ثم خرجنا أبرياء.
واليوم يعود الضغط من جديد، فيما تُظهر الوثائق والتسجيلات التي نحتفظ بها أن التحرك الأخير لم يبدأ بقرار جديد من المجلس المحلي، بل عبر شبكة اتصالات داخل قيادة الدرك سبقت تحريك القوة الأمنية إلى الموقع، بينها اتصالات مرتبطة بمكتب قائد الدرك العميد جان عواد.
لذلك لم يعد السؤال: ما قصة الرخصة؟ بل السؤال الحقيقي هو: من يستطيع تحريك الدولة؟
المستقل يُعاقَب والمحمي يُغطّى
لم يولد مربط المشرق العربي من عباءة زعيم، ولم يطلب حماية حزب، ولم يقبل أن يكون “البيك” هو الباب إلى الدولة.
وهنا تبدأ المشكلة. فحين يكون المشروع مستقلًا، تتحول الإجراءات إلى استنزاف، والاستنزاف إلى ضغط أمني، ثم يُعاد دفع النزاع إلى لغة الطائفة و”السلم الأهلي”.
وفي زغرتا المجاورة، تظهر ازدواجية الدولة بوضوح، حيث نشط مؤخرًا مشروع فروسية مرتبط بعائلة فرنجية ضمن بيئة سياسية مختلفة تمامًا.
المشكلة ليست أن ينجح مشروع في زغرتا، بل أن يصبح الغطاء السياسي هو الرخصة الحقيقية.
فإذا تشددت الدولة مع المستثمر المستقل وتراخت مع المحمي، لم تعد المسألة تنظيمًا مدنيًا؛ بل أصبحت سؤالًا عن من يستطيع استعمال الدولة.
وهنا تكمن الفضيحة: في الكورة، يُستنزف مشروع دولي في الرخص والأمن والقضاء، فيما تتحرك في الجوار مشاريع مرتبطة بعائلة سياسية نافذة من دون أن تواجه المستوى نفسه من الحصار.
والفارق ليس في الخيل. الفارق هو الغطاء.
ولا تقف شبكة الضغط عند نفوذ آل فرنجية. ففي الكورة نفسها، نضع النائب أديب عبد المسيح ضمن القوى السياسية التي ضغطت على المشروع، وفق ما نملكه من وثائق وشهادات. وهنا تنكشف طبيعة المنظومة: قوى تختلف في شعاراتها واصطفافاتها، لكنها تلتقي حين تواجه قوةً مستقلة لا تدور في فلكها.تحليل سياسي
المشكلة إذًا ليست حزبًا واحدًا، بل منظومة نفوذ تتجاوز خلافاتها لتطويق القوة المدنية المستقلة.
منظومة أقدم من الأسد
وهذا الغطاء لا يمكن فصله عن شبكة سياسية قديمة في الشمال، وعن إرث المردة وعائلة فرنجية وتحالفاتها الطويلة مع نظام الأسد ومنظومة الوصاية السورية على لبنان، وما عُرف سياسيًا بـ”حلف الأقليات”.
لكن المشكلة أقدم من نظام الأسد نفسه.
الطائفية السياسية هي البنية اللبنانية التي وجد فيها النظام السوري مدخله. لم يخترع المحاصصة، بل استثمر فيها؛ ولم يصنع الزعامات الطائفية من الصفر، بل عرف كيف يستخدمها ويربطها بشبكات نفوذ تمتد من السياسة إلى الإدارة والأمن والاقتصاد.تحليل سياسي
ولهذا لم تسقط هذه الشبكات بسقوط النظام السوري. بقيت تعمل وكأنها الأصل، فيما كان النظام الذي حماها طويلًا واحدًا من أدواتها ومصادر قوتها.
وهذا ما تكشفه كفرقاهل اليوم: سقط النظام السوري، لكن النفوذ بقي؛ وبقي الوسيط، وبقيت قدرة بعض القوى على الوصول إلى الدولة من داخلها.
حين يصبح الغطاء هو القانون
المحاصصة لا توزّع المناصب فقط؛ بل تنتج شبكات حماية تمتد إلى الإدارة والأمن والاقتصاد، ومن يقف خارجها يدفع ثمن استقلاله.
وهنا يصبح الخطر اقتصاديًا أيضًا. فالدولة التي تقول للمغترب “عُد واستثمر”، ثم تجعله يبحث عن زعيم يحميه، لا تجذب الاستثمار بل تطرده.
حين يصبح الغطاء أقوى من الرخصة، والهاتف أقوى من المؤسسة، لا يعود لدينا اقتصاد دولة بل اقتصاد نفوذ.
الخطر اسمه الطائفية السياسيةتحليل سياسي
قضية مربط المشرق العربي ليست خصومة عائلية ولا نزاعًا بين منطقتين؛ إنها نموذج لما يحدث حين تواجه قوة مدنية مستقلة منظومةً تريد إبقاء الدولة تحت نفوذ شبكاتها.
اكتشاف المزيد
أخبار لبنان
اخبار لبنان
تحليل سياسي
فسقوط نظام الأسد لا يكفي إذا بقيت البنية اللبنانية التي استثمر فيها وعمل من خلالها. المشكلة الأعمق هي الطائفية السياسية: نظام يحوّل الزعامة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة على الوصول إلى الإدارة والأمن والاقتصاد من داخل الدولة نفسها.
ولهذا لا يكون الحل بإعادة توزيع النفوذ بين الزعماء، بل بكسر النظام الذي يجعل النفوذ أقوى من الدولة.
وهنا يعود الطائف إلى مكانه الحقيقي: لم يجعل الطائفية السياسية مستقبل لبنان، بل جعل إلغاءها هدفًا وطنيًا أساسيًا.تحليل سياسي
كفرقاهل ليست قضية مربط؛ إنها إنذار. فإذا بقي لبنان أسير هذه المنظومة، سيكون الثمن مزيدًا من انهيار الدولة، وهروب الاستثمار، واتساع الصدام بين المجتمع المستقل وشبكات النفوذ؛ وحينها تصبح المنظومة التي تدّعي حماية السلم الأهلي هي نفسها مصدرًا لتهديده.
لم يعد تنفيذ الطائف خيارًا مؤجلًا؛ بل ضرورة وجودية: إلغاء الطائفية السياسية قبل أن تُسقط ما تبقّى من الدولة.
- دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم، محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة طرابلس أولًا
13 تشرين الأول 2026 · 11:02 ص
المصدر جريدة اللواء

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development