17 تشرين لم تمت: حين تُخذَل الثورة ولا يموت الحق

د. جيلبير المجبر
لم تكن ثورة 17 تشرين خطأً في تاريخ لبنان، بل كانت لحظةً استثنائية قرّر فيها اللبنانيون كسر جدار الصمت، ومواجهة منظومةٍ اعتادت إدارة الأزمات بدل حلّها، وتوزيع الوعود بدل تحمّل المسؤوليات. كانت صرخة كرامة في وجه الفساد، وانتفاضةً من أجل دولةٍ تحكم بالقانون، وتصون السيادة، وتضع مصلحة المواطن فوق حسابات السلطة ومصالح المتنفّذين.
كنتُ مع الثورة، وما زلتُ مؤمنًا بجوهر مطالبها؛ لأنّ الإيمان بالدولة ليس موقفًا موسميًا، ولأنّ المبادئ لا تسقط عندما تتعثّر محاولات تحقيقها. قد تخسر الثورات جولات، وقد تتراجع الحشود، لكنّ ذلك لا يجعل مطالبها باطلة، ولا يمنح الذين عارضوا التغيير صكّ براءة من مسؤولياتهم.
لم تكن مطالب الثورة هي المشكلة؛ المشكلة أنّ قيام دولة فعلية يصطدم بمصالح لا تريد للقانون أن يكون أقوى منها، وبموازين قوى تجعل القرار الوطني عرضةً للتعطيل والمساومة. وبين من طالبوا باستعادة الدولة ومن تمسّكوا بامتيازاتهم، دفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا من استقرارهم وأموالهم وثقتهم بمستقبل وطنهم.
بعد سنوات، ما زال السؤال قائمًا: هل استعاد لبنان دولته، أم أنّ السلطة اكتفت بإدارة الأزمة وانتظار تعب الناس؟
أين المحاسبة التي تعيد الثقة بالمؤسسات؟ وأين الإصلاح الذي يترجم الوعود إلى نتائج؟ وأين السيادة التي تجعل قرار الحرب والسلم وشؤون البلاد المصيرية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الدستورية؟ لا يكفي أن تُرفع هذه العناوين في الخطب والبيانات؛ فقيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحوّل إلى قرارات واضحة، وتنفيذ فعلي، ومسؤولية لا يستطيع أحد التهرّب منها.
إنّ الدولة لا تُبنى بأنصاف القرارات، ولا تستعيد هيبتها بسياسة التأجيل، ولا تحارب الفساد إذا بقيت المحاسبة خاضعةً للاعتبارات السياسية. كما أنّ الإصلاح لا يكون انتقائيًا، والسيادة لا تكون شعارًا يُستحضر في ملف ويُغيَّب في ملف آخر. فالمبادئ التي تتغيّر وفق المصالح تفقد معناها، والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تتحوّل إلى عبء إضافي على شعبٍ أنهكته الانتظارات.
والأخطر من تعثّر الإصلاح أن يصبح العجز أمرًا مألوفًا، وأن يُطلب من اللبنانيين التكيّف مع انهيار حقوقهم، وكأنّ الاعتراض على الواقع ترفٌ لا يحقّ لهم. فالشعب ليس مسؤولًا عن حماية مصالح الطبقة السياسية، بل إنّ السلطة هي المسؤولة عن حماية حقوق الشعب، وتقديم الحساب عن قراراتها وإخفاقاتها.
لن تتحوّل خيبة الأمل إلى تنازل عن الحق، ولن يصبح الفشل السياسي براءة ذمّة، ولن تمحو السنوات مسؤولية من عطّلوا قيام الدولة.
إنّ الوفاء لثورة 17 تشرين لا يعني إنكار أخطائها أو تقديس تجربتها، بل يعني التمسّك بمطالبها المحقّة، ومراجعة ما تعثّر من مسيرتها، ومواصلة العمل من أجل دولة عادلة وسيدة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وقضاء مستقل، وقانون يسري على الجميع دون استثناء.
لبنان لا يحتاج إلى سلطةٍ تتقن تأجيل الخلاص، بل إلى قيادة مسؤولة تمتلك إرادة الإصلاح، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة. ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى نتائج يستطيع المواطن أن يلمسها في حياته وحقوقه ومستقبله.
قد تخفت أصوات الساحات، لكنّ الحق لا يفقد مشروعيته بالصمت، والكرامة لا تصبح مطلبًا قديمًا لأنّ السلطة تجاهلتها.
أنا مع 17 تشرين، لأنّني مع دولةٍ لا يُختطف قرارها، ولا يُحمى فيها الفاسد بالنفوذ، ولا يُترك المواطن وحيدًا أمام الانهيار. ومع لبنان الذي يستحقّه أبناؤه، لا لبنان الذي تفرضه عليهم التسويات والعجـز والمصالح.
17 تشرين لم تمت؛ ما دامت مطالبها حيّة، وما دام هناك من يرفض أن يكون الفساد قدرًا، والعجز نظامًا، والسيادة مجرّد كلمة.
فالأوطان لا تنهض بأنصاف الحلول، بل بإرادةٍ كاملة لبناء دولةٍ كاملة.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development