ما بعد الانتخابات الإسرائيلية: ما هي الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية للمواجهة؟

إعداد: بكر أبو بكر والمحامي علي أبو حبلة
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي داخلي، أو منافسة حزبية على تشكيل الحكومة، بل أصبحت محطة مفصلية تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية ككل، وطبيعة الصراع العربي-الصهيوني، ومصير الأرض والحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة، في ظل تصاعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة والضفة ومسلسل القتل واللصوصية وإرهاب المستوطنين إضافة إلى مشاريع الضم والاستيطان والتهجير ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسكاني «الديموغرافي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لقد أفرزت الانتخابات الإسرائيلية خريطة برلمانية معقدة؛ إذ حصل معسكر المتهم بجرائم الحرب اليميني «بنيامين نتنياهو» على 53 مقعدًا، ومعسكر المعارضة (اليمينية أيضًا) بقيادة غادي آيزنكوت على 48 مقعدًا، فيما حصلت القائمتان العربيتان على 19 مقعدًا، دون أن يتمكن أي من المعسكرين من تحقيق الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
وهذه النتائج تفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة، واحتمالات تشكيل حكومة أقلية أو ما تسمى «حكومة وحدة» أو استمرار حالة الانسداد السياسي وصولًا إلى انتخابات جديدة.
لكن السؤال الفلسطيني الأهم ليس من سيشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وإنما ماذا تعني هذه النتائج لمستقبل الشعب الفلسطيني؟ وهل يمثل احتمال خروج نتنياهو من الحكم تحولًا حقيقيًا في السياسة الإسرائيلية، أم أن الخلاف يدور أساسًا حول إدارة الاحتلال وأدوات السيطرة على الفلسطينيين؟
أولًا: الانتخابات الإسرائيلية بين تغيير الحكومة واستمرار السياسات
إن قراءة المشهد الإسرائيلي تكشف عن تباينات بين معسكري نتنياهو والمعارضة في إدارة الدولة، والعلاقة بالمؤسسات القضائية، والتجنيد العسكري، ومكانة اليمين الديني والاستيطاني، وحدود التوسع الاستخرابي (الاستيطاني)، لكنها لا تعني بالضرورة وجود تحول جوهري في الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة وتحرير دولة فلسطين القائمة لكنها المحتلة.
وتكتسب هنا أهمية ما نشرته وكالة رويترز في 22 تشرين الأول 2026، إذ أشارت إلى أن نتنياهو وآيزنكوت يعارضان إقامة دولة فلسطينية مستقلة (فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا يُفترض التوضيح بأن الدولة الفلسطينية قائمة ومعترف بها لكن المطلوب إزالة الاحتلال عنها)، ويتمسكان ببقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع وجود اختلافات في التعامل مع المستخربات (المستوطنات) والبؤر الاستيطانية وممارسات عصابات التلال الإرهابية.
وهذه القراءة تعكس حقيقة سياسية ينبغي ألا تغيب عن القيادة الفلسطينية: المعارضة لنتنياهو لا تعني بالضرورة معارضة الاحتلال، والتغيير في القيادة الإسرائيلية لا يساوي تلقائيًا تغييرًا في المشروع السياسي تجاه الفلسطينيين.
كما أن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في تحليله للانتخابات المنشور في أيار 2026، أشار إلى أن النقاش الإسرائيلي الداخلي بات يتمحور بصورة متزايدة حول مستقبل النظام السياسي، والتوازن بين السلطات، والعلاقة بين الدين والدولة، ومشاركة المواطنين الفلسطينيين العرب بالداخل في الائتلافات الحكومية، فيما تراجع حضور القضية، أي قضية الصراع العربي-الفلسطيني-الإسرائيلي بوصفه محورًا مركزيًا في المنافسة الحزبية.
وهنا تكمن المفارقة: تنشغل الأحزاب الإسرائيلية بإعادة ترتيب النظام السياسي الإسرائيلي الداخلي، بينما يبقى الفلسطينيون أمام تحديات الاحتلال والإبادة الجماعية التي لا تتوقف، والقتل والهدم والاستيطان والتهجير، دون أن تقدم غالبية القوى الإسرائيلية برنامجًا واضحًا لإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.
ثانيًا: التصريحات الإسرائيلية تكشف طبيعة المخاطر
إن الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية المطلوبة ينبغي أن تستند إلى قراءة دقيقة لما يصدر عن المسؤولين الإسرائيليين، لا إلى الشعارات الانتخابية وحدها.
فوزير المالية الإسرائيلي الإرهابي الشهير «بتسلئيل سموتريتش»، أحد أبرز قادة اليمين الاستيطاني، دعا في تصريح نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 27 أيلول 2026 إلى شن حرب في الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية، وتكرار ما وصفه بما جرى في قطاع غزة. كما تحدث عن ضم مناطق تسيطر عليها «إسرائيل» في القطاع.
ولا يمكن التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد مواقف انتخابية عابرة، بل ينبغي قراءتها في سياق السياسات العدوانية والإرهابية المتعلقة بتوسيع الاستخراب «الاستيطان» ونقل الصلاحيات المدنية والإدارية إلى مؤسسات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني الصهيوني.
وفي المقابل، فإن تصريحات نتنياهو الرافضة للدولة فلسطينية، ومواقفه المعلنة بشأن بقاء السيطرة الإسرائيلية، تؤكد أن القضية الفلسطينية لا تحظى بأفق سياسي واضح في برنامج المعسكر الحاكم.
أما «غادي آيزنكوت»، الذي يقود معسكر المعارضة (المعسكران ضمن بيت اليمين)، فقد أعلن في 31 تشرين الأول أربعة مبادئ لتشكيل الحكومة، تتعلق بطبيعة «إسرائيل» كدولة يهودية وديمقراطية وليبرالية، والخدمة العسكرية أو المدنية لجميع المواطنين، والتعامل مع فصيل «حماس»، وتفكيك قدراتها العسكرية والحكومية في غزة.
ورغم وجود اختلافات بين آيزنكوت اليميني، واليمين الحاكم بشأن التوسع الاستيطاني وعنف إرهابيي التلال ومشروع E1، فإن مواقفه المعلنة لا تتضمن قبولًا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يستدعي التعامل مع أي تغيير حكومي إسرائيلي وفق معايير سياسية وقانونية واضحة، وليس وفق التوقعات أو الانطباعات.
إن هذه المواقف، عند جمعها وتحليلها، تكشف أن مساحة التباين عند الإسرائيلي تتعلق بدرجة كبيرة بأدوات إدارة الصراع، وليس بالضرورة بالاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
ثالثًا: التعامل مع البدائل/السيناريوهات الإسرائيلية دون أوهام سياسية
إن القيادة الفلسطينية مطالبة بإعداد خطط بديلة للتعامل مع مختلف احتمالات تشكيل الحكومة الإسرائيلية.
فإذا تشكلت حكومة يمينية “أ” بقيادة نتنياهو، فإن الأولوية ستكون مواجهة تسارع الإبادة الجماعية والضم والاستيطان والتهجير، وتفعيل التحرك الدولي لحماية الأرض الفلسطينية.
أما إذا تشكلت حكومة (يمينية “ب”) بقيادة آيزنكوت، فإن المطلوب اختبار سياساتها الفعلية، وعدم منحها شرعية سياسية مجانية قط، وربط أي انفتاح أو حوار بالتزامات محددة تتعلق بوقف الإبادة الجماعية في غزة وبوقف الاستيطان والضم، وحماية المدنيين، ووقف التهجير، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وفي حال تشكيل ما يسمونه «حكومة وحدة إسرائيلية»، ينبغي الحذر من تحويل هذه «الوحدة الإسرائيلية» الداخلية إلى غطاء سياسي لتوسيع الإجماع الرافض للدولة الفلسطينية.
أما استمرار الانسداد السياسي والذهاب إلى انتخابات جديدة، فيتطلب خطة طوارئ فلسطينية تمنع استغلال المرحلة الانتقالية لفرض وقائع جديدة على الأرض.
رابعًا: المأزق الفلسطيني الحقيقي.. والاستراتيجية الوطنية الموحدة
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الفلسطينية هو استمرار الانقلاب والانقسام الداخلي في وقت تتسارع فيه التحولات الإسرائيلية والإقليمية والدولية.
فالكيان الإسرائيلي يتحرك ضمن مؤسسات وقرارات وسياسات متراكمة، بينما لا يزال النظام السياسي الفلسطيني يعاني من انقسام فكري وجغرافي ومؤسسي وسياسي، وتراجع الثقة الشعبية، وضعف القدرة على تحويل المواقف السياسية والجماهيرية بالعالم وتلك القانونية إلى أدوات ضغط مؤثرة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإصدار بيانات التنديد أو انتظار نتائج مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وإنما إطلاق عملية نقد ذاتي ومراجعة وطنية شاملة تقوم على المحاور التالية:
1. عقد مؤتمر وطني للنقد الذاتي والمراجعة العلنية
الدعوة إلى مؤتمر للمراجعة والنقد الذاتي لا سيما في جريمة القرن أي المذبحة والإبادة الجماعية في قطاع غزة والمآلات والمسؤولية، والحلول الوطنية الجامعة.
2. إنهاء عقلية البديل والانقلاب والانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية
ولا يتأتى ذلك إلا بقرار ذاتي لكل فصيل بالتخلي عن عقلية البديل أولًا ثم الانطلاق في حوار وطني شامل يضم منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني كافة (بما فيها الجهاد وفصيل حماس)، والقوى المستقلة، ومراكز الأبحاث الفلسطينية والعربية المهتمة وكذلك مؤسسات المجتمع المدني المتابعة وصولًا إلى برنامج سياسي موحد ومرجعية وطنية جامعة، وتشكيل حكومة توافق وطني تتولى توحيد المؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما يجب تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وتجديد شرعيتها التمثيلية، والتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني وفق توافق وطني وضمانات تتيح مشاركة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
3. حماية الأرض وتعزيز الصمود
اعتماد خطة وطنية لحماية القدس والأغوار ومناطق «ج» والتجمعات البدوية والقرى المهددة بالاستيطان، وتعزيز النضال الشعبي السلمي المنظم، وتوفير الدعم القانوني والاجتماعي والاقتصادي للمواطنين المتضررين وبدعم الرديف العربي والمتضامنين الأجانب.
إن الصمود لا يتحقق بالشعارات، بل بسياسات إسكان وزراعة وتعليم وصحة وفرص عمل، وبموازنات حكومية مخصصة للمناطق الأكثر تعرضًا للتهجير والاستهداف.
4. تفعيل المسار القانوني الدولي، وتحقيق استقلال الدولة القائمة
الاستفادة من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز 2024 بشأن عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، ومواصلة المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية ضمن اختصاصها، وتقديم ملفات موثقة حول الاستيطان والتهجير والانتهاكات والجرائم الداخلة في اختصاصها.
كما يجب الانتقال من المطالبة الدولية إلى الضغط على الدول لتنفيذ التزاماتها القانونية، وعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الاحتلال أو تقديم المساعدة في استمراره.
والانتقال من المطالبة بـ«حل الدولتين» إلى المطالبة بتحقيق استقلال دولة فلسطين وهي الدولة القائمة والمعترف بها ولكنها ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني.
5. إعادة صياغة العلاقة مع الإسرائيلي
مراجعة الاتفاقيات القائمة، بما فيها اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، ووضع آليات تنفيذية للقرارات الوطنية المتعلقة بتحديد العلاقة مع الإسرائيلي، وفق رؤية قانونية وسياسية متدرجة، بعيدًا عن القرارات الانفعالية أو غير القابلة للتنفيذ.
ويجب رفض أي محاولة لتحويل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى إدارة محلية محدودة الصلاحيات، أو استبدال المرجعية الوطنية بكيانات عشائرية أو إدارية، أو فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
6. الإنقاذ الاقتصادي وتعزيز الاستقلال الوطني
إن احتجاز أموال المقاصة وتقييد الحركة والتجارة والعمل للمواطنين الفلسطينيين، وما يترتب على ذلك من أزمات مالية واجتماعية، يجعل بناء اقتصاد الصمود أولوية وطنية.
وهذا يتطلب إنشاء صندوق وطني للطوارئ والصمود، وتعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنويع الأسواق التجارية، وتطوير الأمن الغذائي والدوائي والطاقي، ووضع خطة مالية شفافة تخضع للرقابة والمساءلة، وتنشيط الرديف العربي من خلال دعم المنتجات الفلسطينية ومقاطعة كافة المنتجات الإسرائيلية.
7. ضرورة القيام بتعزيز الرواية الفلسطينية العادلة
إن تعزيز الرواية الفلسطينية العادلة داخل فلسطين ذاتها وداخل جماهير الأمة العربية وحكوماتها يمثلان أولوية لا تفرط أبدًا بحق تقرير المصير وتحقيق استقلال دولة فلسطين، وباعتبار قضيتها أمنًا قوميًا عربيًا شاملًا، وباعتبارها كانت وما زالت قلب الأمة العربية وبما يؤكد الحق التاريخي والقانوني والسياسي للعربي الفلسطيني بأرضه منذ الأزل، والذي يتم تكريسه من خلال صون الرواية ودعمها في كل المجالات ومنها الثقافية بالمؤتمرات والندوات والكتب والقصص والمسلسلات والشرائط (الأفلام) والمقالات والمدونات في الشابكة (الإنترنت) ووسائط التواصل الاجتماعي كلها وفي العروض الثقافية والمعارض والفنون السمعية والبصرية.
8. التحرك العربي والإسلامي
تفعيل العمق العربي والإسلامي، والدعوة إلى موقف عربي وإسلامي موحد يحيي سنويًا الإبادة الجماعية في فلسطين، التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثالًا، وإلى ذلك يرفض ذات الإبادة الجماعية والأبارتهايد والاحتلال القائم (ويطالب بمعاقبة المجرمين الغزاة المعتدين على جرائم الحرب والإبادة كما قررت المحاكم الدولية) كما يطالب برفض الضم والتهجير والتصفية السياسية للقضية الفلسطينية، وربط أي ترتيبات إقليمية مستقبلية بضمانات واضحة للحقوق الوطنية الفلسطينية. وضرورة تحول البيانات العربية والمبادرات الهامة والرصينة إلى آليات دعم ملموس للفلسطيني من جهة سواء مباشرة عبر المؤسسات الفلسطينية، أو بأي طرق تفعل «الأونروا» وتدعم السلطة الوطنية الفلسطينية مباشرة، وما يقابله بالأمم المتحدة من السعي إلى إسقاط عضوية الإسرائيلي المعتدي.
9. التحركات الدولية والجماهيرية العالمية
يجب استثمار النهضة الجماهيرية العالمية، وعلى رأسها الطلابية والشبابية، والاقتراب الأوروبي والغربي عامة من القضية الفلسطينية وعدالتها واستثمار الاعتراف بدولة فلسطين بتحويل ذلك إلى إجراءات عملية تنعكس على المقاطعة والتعامل مع الشركات الصهيونية خاصة بالمستخربات (المستوطنات)، وربط أي تفاعل أكاديمي أو ثقافي أو فني أو غيره بإدانة الإبادة الجماعية للفلسطينيين ومحاسبة مرتكبيها وتحقيق استقلال دولة فلسطين وأيضًا من خلال تنويع العلاقات الدولية مع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، وعدم حصر الخيارات الفلسطينية في مسار سياسي واحد أو الاعتماد على طرف دولي واحد.
خامسًا: الخلاصة.. حماية المشروع الوطني مسؤولية تاريخية
إن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تقدم حتى الآن مؤشرًا حاسمًا على تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية، لكنها كشفت عن تباينات داخلية يمكن أن تؤثر في أدوات السيطرة ووتيرة الاستخراب «الاستيطان» والضم ومستوى العنف وحجم استمرار الإبادة الجماعية القائمة، وهي تباينات ينبغي قراءتها واستثمار ما تتيحه سياسيًا وقانونيًا دون الوقوع في وهم الرهان على تغيير الحكومة وحده.
إن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول عقل الانقلاب والانقسام الفلسطيني والضعف المؤسسي والاقتصادي إلى عوامل تساعد على فرض مشاريع الضم والتهجير وتفكيك التمثيل الوطني، أو تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني وإداري منزوع الأبعاد السياسية والقانونية.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية للقيادة الفلسطينية تقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة البرنامج والخطة الوطنية والاستراتيجية، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الاكتفاء بالمواقف السياسية إلى بناء أدوات الضغط القانوني والدبلوماسي والاقتصادي.
إن المطلوب اليوم ليس انتظار حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالًا، بل بناء موقف فلسطيني موحد يدعمه عمق عربي فاعل قادر على فرض احترام الحقوق الوطنية، وحماية الأرض والإنسان، وتفعيل الشرعية الدولية، واستعادة المبادرة السياسية.
إن المعادلة الاستراتيجية للمرحلة المقبلة تقوم على المراجعة الحقيقية للذات، والتخلي عن العقلية الفصائلية الإقصائية بالتخلي عن عقلية البديل أو الانقلاب أو عدم رؤية الشريك الآخر من جهة، ثم الإيمان بوحدة القرار الوطني الفلسطيني المدعم بالعمق العربي الذي لا خيارعنه، وأيضًا تحقيق الثبات والصمود لشعبنا العربي الفلسطيني البطل على أرضه، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل القانون الدولي، وحشد الفواعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين والفنانين والاقتصاديين المؤثرين، وكل قوى العالم الحية وتلك الحزبية المؤيدة لفلسطين، وأيضًا التشبيك مع الحراكات الشبابية والجماهيرية المؤسسية المنظمة حول القضية وتصليب الموقف الدولي، وصولًا إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن فلسطين تحتاج إلى استراتيجية دولة (والدولة قائمة ولكنها تحتاج لإزالة الاحتلال عنها) لا إلى إدارة أزمة، وإلى قيادة وطنية عروبية تحررية الفكر تجمع ولا تفرق، وتبادر ولا تنتظر، وتحمي المشروع الوطني ولا تسمح باختزاله أو تجاوزه.
إن المعركة الحقيقية ليست على هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة وحدها، وإنما على مستقبل الوجود الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.



Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development