هكذا عفنا العفن – بقلم د محمد علي الحلبي

في عام1942ألقى”مصطفى النحاس”رئيس وزراء مصر خطاباً في مجلس الشيوخ أعلن فيه سعيّ مصر لعقد مؤتمر للقادة العرب،وفي أيلول-سبتمبر-1943بدأت المشاورات بين الوفود المدعوة للمؤتمر،وفي تلك الأيام الغابرة،وأكرم بها من أيام،وعلى بُعد زمانها تركزت غايات الوفود بــ:
1- وحدة سوريا الكبرى بزعامة الأمير”عبد الله بن الحسين”.
2- قيام دولة موحدة تشمل أقطار الهلال الخصيب بزعامة العراق.
3- قيام وحدة،أو اتحاد أشمل وأكبر يضم مصر،سوريا،اليمن،بالإضافة إلى أقطار الهلال.
وانقسم أصحاب التوجه الوحدوي إلى قسمين،قسم يدعو إلى اتحاد فيدرالي،أو كونفدرالي،أو نوع من الاتحاد له سلطة عليا تفرض إراداتها على الدول الأعضاء،وقسم آخر يرى قيام اتحاد ليعمل على التعاون والتنسيق بين الدول العربية مع احتفاظ كل دولة على استقلالها،وفي اجتماع اللجنة التحضيرية لما سُميّ بالمؤتمر العربي الذي انعقد في الإسكندرية يوم25أيلول-سبتمبر-1944أخذ المجامعون باقتراح رئيس الوفد العراقي”نوري السعيد”بتكوين مجلس اتحاد لا تنفذ قراراته إلا الدول التي توافق عليها خوفاً من التأثير على سيادة الدول الأعضاء.
المرجع:دراسة لــ”محمد عبد العاطي”
وهكذا كانت الولادة المشوّهة بعد استبعاد كل الأفكار الوحدوية،ولو في حدها الأدنى،و”السعيد”صاحب التوجه الأخير كان العميل المتفاني في خدمة بريطانيا،وفي لقاء له مع الراحل”جمال عبد الناصر”في القاهرة قال له:”إنني لا أستطيع أن أعتمد على العرب في الدفاع عن بلادي،فإذا قلت لشعبي وأصدقائي الأجانب أنني سأعتمد على جيش سوريا والسعودية،ولبنان للدفاع عن بلادي،فسيقولون لي:نوري،إنك أحمق!!…إن الطريقة الوحيدة للدفاع عن بلادك في عقد تحالف مع الغرب…إنني افهم شكوكك تجاه بريطانيا،ولكنني ذاهب إلى هناك”وفي بداية الثورة العراقية عام1958قتل الثوار”نوري”بعد الإمساك به متخفياً بثياب إمرأة،وسحلت الجماهير جثته في شوارع بغداد يوم15/7/1958.
وفكرة الواقع المتعفن،والمتراجع باستمرار،وبعيداً عن إدعاء “الإنجازات الهائلة” القطرية التي تتصدر نشرات الأخبار،ويزين رياؤها الصحف والمجلات،وحتى ما حققته التكوينات الاتحادية الوحدوية بمختلف درجاتها وتوجهاتها،سنأخذ جانباً واحداً من المآسي المتركزة في زيادة مساحات الفقر،وجمع العديد من أبناء الوطن تحت ظلاله،فتقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) تشير بياناته المتعلقة بمعالم الوطن العربي إلى أن حوالي40مليون عربي يعانون من نقص التغذية،أي ما يعادل13%من السكان تقريباً،بالإضافة إلى نحو مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر وذلك بالرغم من الثروات الضخمة التي انهالت على الأمة العربية بفعل ارتفاع أسعار النفط بدءاً من عام1973بعد حرب تشرين التحريرية التي خاضتها مصر وسوريا ضد إسرائيل،والدراسات والتقارير المتخصصة تشير بوضوح جليّ أن ما يُسمى بالأمن الغذائي،ورغم الصخب والأحاديث عنه لم يجد الطريق لتحقيق الحد الأدنى منه،ففي الصومال يهدد الموت جوعاً نحو3,5ملايين صومالي أي ما يعادل45%تقريباً من عدد السكان،وفي العراق البلد الذي قدّم للأمة العربية التضحيات الهائلة زمن الحروب،وزمن السلم فالتقرير الصادر عن وزارة التخطيط والتعاون الإنماثي أواخر عام2007يقرّ بأن60%من العراقيين شملهم الفقر في حين بلغت نسبة البطالة50%،وفي مصر أكد تقرير للمجالس القومية المتخصصة أن46%من المصريين لا يحصلون على الغذاء الكافي،ويعانون من سوء التغذية،وأن35%من النساء،و53%من الأطفال لا يحصلون على الطعام اللازم،والسودان ليس أسعد حالا ً،فنسبة الفقر تتجاوز 50% , وباقي الأقطار العربية برمتها تتقارب كثيراً من هذه الأوضاع مما يؤكد فشل السياسات الزراعية في تلافي الفجوات الغذائية،ويثبت ذلك تقرير المنظمة العربية للتنمية الزراعية الموضح لاتساع الفجوة التي قاربت20مليار دولار عام2008،ففي الوطن العربي يستهلك الفرد الواحد أعلى المعدلات العالمية في مجال الحبوب مما يؤدي الى استيراد50مليون طن من هذه المادة سنوياً،فالسياسات المتبعة دفعت أكثر،وأكثر إلى تدني مساحات الأراضي الزراعية المُستغلة التي لا تمثل سوى30%فقط من الأراضي الصالحة للزراعة،إضافة إلى عدم الأخذ بالتطورات العلمية التي تزيد من حجم مردود الوحدة الزراعية من خلال تطوير نوعيات البذور،واستعمال الأدوات الحديثة بل واعتماد المخصبات والأسمدة مع البدء والتوسع بتنمية البوادي بزراعتها بنباتات رعوية كالأتربلكس،والهوهويا التي لا تحتاج إلا إلى كميات مياه قليلة لسقايتها في المراحل الأولى لزرعها،وبيانات المنظمة العربية للتنمية تشير بجلاء ووضوح إلى أن إجمالي قيمة الواردات العربية فيما يخص سلع المواد الغذائية ارتفعت من14,13مليار دولار سنة2000إلى 32,70 مليار دولار عام2007شكلت نسبة واردات الحبوب 41% من القيمة الكلية للسلع الغذائية،كما ويشتري الوطن العربي ثلث احتياجاته من مادة السكر،وأكثر من نصف احتياجاته من الزيتون،وتنبهنا دراسة صادرة عن الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية إلى توقع ارتفاع الفجوة الغذائية العربية إلى44مليار دولار عام2020،وذات الدراسة عَزت هذه الظاهرة لا بسبب زيادة الاستهلاك فقط إنما بتزايد قيم الواردات لتراجع الإنتاج أيضا مما زاد في عجوز الموازين التجارية،وهذه الدراسات بمقدار ما هي صورة تعبيرية عن مستقبل مظلم فهي تشير،وبجلاء إلى انعدام التصدي لها،وتحديها على كل المستويات.
في هذه الأيام تتعالى تحذيرات للبنك الدولي من الارتفاع المؤكد لأسعار المواد الغذائية، و التي ستؤدي الى ارتفاع نسب الفقر،ونسب الذين يعيشون تحت ما يُسمى بخط الفقر مبيّنة أن أحوالهم ستزداد سوءاً،وسترتفع نسبة الوفيات بين أطفالهم بسبب الغلاء،وعدم قدرتهم على التكيف معه ، بل إن”فان شنجين “مدير عام المعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية في الولايات المتحدة ينصح دول الخليج العربي إلى إنشاء مخزون استراتيجي موحد من الطعام،والمواد الغذائية بدلا ًمن إنشاء كل دولة مخزونها الخاص محذراً من أن أسعار الغذاء عالمياً ستقفز مبيّناً أن أسعار الحبوب شهدت ارتفاعات كبيرة مؤخراً حيث ارتفع سعر القمح بمعدل60%والذرة بنسبة50%كما وتوقعت منظمة(الفاو)العالمية أن تصل فاتورة استيراد الغذاء عالمياً إلى أكثر من تريليون دولار نتيجة الاستهلاك العالمي،وارتفاع الأسعار مشيرة إلى انكماش أرصدة الحبوب بنسبة7%حيث هبطت أرصدة الشعير بنسبة35%والذرة12 %والقمح10%ويعزو كبار المحللين النتائج المتوقعة حتما إلى ظاهرة التصحر،وقلة الأمطار،والتغير المناخي الذي بات يجتاح العالم،والسبب الثاني وهو ما اتخذته المنظمة العالمية للتجارة سنة1995من اتجاه لتفكيك آليات ضبط أسعار المواد الغذائية في دول الشمال كما في الجنوب بضغط من البنك العالمي ، وصندوق النقد الدولي لتتماشى أسعارها مستقبلا ًمع الأسعار العالمية،والسبب الثالث انطلاق فكرة تصنيع الوقود الحيوي في الولايات المتحدة وأوروبا الأقل كلفة ،ويكفي أن نعرف أن أكثر من ثلث إنتاج الذرة وُجه في أمريكا لهذه الغاية.
أمام هذا الخطر العظيم الداهم يتبادر إلى الذهن سؤال هل من الواجب تنبيه”المتعفنين”الذين تعوّدوا،واعتادوا الاسترخاء في كل قطر،وكل منظمة عربية حُملت ظلماً وبهتاناً أماني كل عربي ألا تفاجئنا وتفجعنا أرقام التراجع في الأراضي المزروعة،وتدني الإنتاج تقابلها زيادة الاستهلاك لفئات محدودة بعينها من سعداء المادة والحياة؟!…..ويتوارد إلى الذهن بيت شعر للشاعر صالح السويسي القيرواني عاش في تونس ما بين1878-1941:
مضى الخلق الراقي مضى العزم والحجا مضى من له في الحق قول وأفعال
وروائع الكلم،ومطابقته لما هو قائم شدتني لأتذكر حكاية رواها لي دبلوماسي سوري أثق في حديثه،وقد عمل في السودان،رواية رواها له الرئيس”البشير”عن لقاء جمعه مع الرئيس السابق “حسني مبارك”حيث اقترح عليه أن يضعا خطة لنقل مليوني فلاح مصري من المهرة للسودان،وبذا يضعان بداية لعمل اقتصادي موحد بين البلدين كانا موحدين مطلع القرن الماضي فكان جواب”مبارك”فورياً:لا أستطيع،فأمريكا لن تسمح لي بذلك.
لكن إشراقة أمل أومضت،ومنذ أيام في اجتماع بين الرئيس”البشير”وبين الرئيس”مرسي”بعد الثورة المصرية تركزت المباحثات فيها حول التعاون،والتكامل الاقتصادي،وخاصة الزراعي بين القطرين.
بوادر آمال بدأت تلوح في الأفق بعد نجاح بعض الثورات العربية في إزالة العفن وروائحه التي زكمت الأنوف فكانت ردات الفعل الشعبية لتغيير الواقع المأزوم.
محمد علي الحلبي

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development