المقالات

فيصل كرامي «القابض على الجمر»: بيضة قبّان طرابلس – بقلم: عبد الكافي الصمد

ينظر مناصرو آل كرامي إلى وزير الشباب والرياضة على أنه الأمل في عودة زعامة هذه العائلة إلى سابق عهدها. هذا الاستنتاج يبدو سابقاً لأوانه، وإنْ كان فيصل كرامي يعتبر أن استحقاق 2013 يعدّ خطوة أولى في هذا الطريق

بدأت القوى السياسية في طرابلس، منذ مدّة غير قصيرة، بإجراء دراسات أولية عن الانتخابات النيابية المقبلة، طرحت خلالها الاحتمالات كافة على الطاولة، من تحالفات ونتائج ومآلات المشهد السياسي في عاصمة الشمال. وبحسب ما توافر من معطيات عامّة، يتبيّن أن غالبية القوى السياسية في عاصمة الشمال تعاني مشاكل بنيوية، وهي غير مطمئنة إلى وضعها بما يكفي لجعل نتائج استحقاق 2013 مضمونة لمصلحتها. وهذا القلق يعود إلى عامل رئيسي يتمثل في تعدّد الانتماءات في المدينة وعدم قدرة طرف على احتكارها سياسياً من دون مراعاة الأطراف الأخرى.
انتخابات 2009 أكدت هذا الانطباع ورسّخته، وأظهرت أن أربع قوى سياسية رئيسية هي التي تتصدر الساحة السياسية في طرابلس: الرئيسان نجيب ميقاتي وعمر كرامي والوزير محمد الصفدي وتيار المستقبل. لكن التحالفات التي خيضت بها تلك الانتخابات بين ميقاتي والصفدي وتيار المستقبل في وجه كرامي، لا يبدو أنها ستتكرّر في الانتخابات المقبلة، بعدما انفخت الدفّ وتفرق عشاق «لائحة التضامن الطرابلسي».
إثر تلك الانتخابات، أعلن كرامي أنه لن يترشح ثانية، تاركاً هذه المهمة لنجله فيصل الذي بدأ يجري حسابات أولية لما يمكن أن تفرزه صناديق الاقتراع في المدينة من نتائج، واحتمالات الربح والخسارة.
وبعد دخوله «جنة» الحكومة للمرة الأولى قبل نحو سنة وأربعة أشهر في عملية قيصرية، بعدما كسر وجوده في حكومة ميقاتي التوازن المذهبي المتعارف عليه، وجد كرامي الابن نفسه في مواجهة استحقاق مفصلي، وهو لا يزال في مستهل حياته السياسية. وقد سئل والده، بعد مرور أشهر على تسلمه حقيبة الشباب والرياضة، كيف يرى تجربة نجله في الحكومة، فكان ردّه أن «فيصل يشبه التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة كي يتعلم».
الانطباع الأول الذي تكوّن عن تجربة الوزير الشاب كان مقبولاً، خصوصاً أنه عمل في موازاته على تفعيل حضوره في طرابلس؛ فهو لم يغيّر عادة استقباله هو ووالده الناس في مكتب كرم القلة كل يوم جمعة، واستقبالهم في مكتبه الخاص في شارع نديم الجسر كل يوم سبت، إلى حدّ بات معه الوزير الوحيد من بين أربعة وزراء يمثلون طرابلس في الحكومة، إضافة إلى ميقاتي، الذي يمكن أن يلتقيه الطرابلسيون أسبوعياً. وهذا التواصل مع أهل المدينة، زاد عليه إصراره على زيارة المناطق الشعبية ولقاء ناسها، برغم المخاطر الأمنية التي جعلت بقية زملائه الوزراء ينأون بأنفسهم عن القيام بجولات مماثلة.
يرى فيصل كرامي أن توزيره أسهم في ضخّ الدماء مجدّداً في زعامة عائلته بعد طول غياب عن السلطة، وجعل قاعدة آل كرامي الشعبية تعيد الالتفاف حوله، وهي تنظر إليه على أنه الشخص المناسب الذي سيؤمن مصالحها ويكمل مسيرة عائلته السياسية.
عن وضعه الحالي يقول كرامي: «أنا مرتاح ولا مشكلة عندي، وأعمل جهدي وضميري والباقي على ربّ العالمين»، موضحاً أنه «مستعد للتعاون مع الجميع من أجل مصلحة طرابلس ولبنان، وقلت سابقاً وأقول اليوم أن يدي التي أضعها في يد أحد لا أسحبها ولو قطعت».
وجوده في الحكومة لم يجعله ينام على حرير، بل هو لا ينفك يمارس نقداً ذاتياً يشبه أحياناً جلد الذات، عندما يشير مراراً على مسمع الرأي العام الرأي الطرابلسي تحديداً، إلى أن «وجود رئيس حكومة و4 وزراء من طرابلس في هذه الحكومة أنا منهم، لم يحقق الآمال التي علقت عليها»، ما يجعله يدعو باستمرار إلى «اغتنام هذه الفرصة التي قد لن تتكرر ثانية، وعدم تفويتها».
لكن درب الوزير الشاب ليس مفروشاً بالورود. فهو يعرف أن شرائح واسعة في المدينة ستعامله على أنه يحمل إرثاً سياسياً يمتد من جده عبد الحميد إلى عمه رشيد ووالده، وستحاسبه على هذا الإرث بكل إيجابياته وسلبياته. وبناءً على ذلك، سيكون استحقاق 2013 نقطة تحوّل في مصيره ومصير عائلته السياسي. كذلك يدرك كرامي الابن أن غياب عائلته عن السلطة، وزارياً ونيابياً، أسهم في انفضاض قسم لا يستهان به من القاعدة الشعبية عنه.
ولا يغيب عن بال الوزير الشاب أن دخول عنصر المال السياسي على الخط أسهم بدوره في تراجع قدرة العائلة على جذب الناخبين، وإقناعهم بالتصويت لها، ما جعل آل كرامي يحاربون بـ«اللحم الحي»، على حد تعبير والده مراراً، كي يستمروا في الحياة السياسية.
إلى ذلك، يعي وزير الشباب والرياضة أن والده دفع ثمناً كبيراً نتيجة تمسكه بمواقفه السياسية، وتحديداً من سوريا وسلاح المقاومة. وهي مواقف كان والده يرى أنه «لا يمكن أن نغيّر جلدنا حتى نغيّرها»، ما جعله بدوره متمسكاً بها، برغم أجواء الاحتقان السياسي والمذهبي السائدة في طرابلس التي تجعل المتمسك بمواقف كهذه كالقابض على الجمر.
كل هذه الاعتبارات وغيرها لا تغيب عن بال فيصل كرامي، ما جعله طوال الفترة السابقة يعمل على إزالة الألغام التي صادفته، سواء داخل عائلته بعد سوء الفهم الذي نشب مع عمه معن بعد توزيره، أو كسره الجليد مع نسيبه وزميله في الحكومة أحمد كرامي، أو مع القوى السياسية.
شيئاً فشيئاً، بدأ كرامي ينسج خيوط الالتقاء مع الأقطاب السياسية في طرابلس أو على الساحة السّنية، من غير تراجع أو تنازل عن مواقفه السياسية.
ميقاتي يقول إن علاقته معه «ممتازة جداً جداً»، وتيار المستقبل لا يراه خصماً ليس ممكناً الالتقاء معه يوماً، ذلك أن بعض كوادر التيار في طرابلس حاولت إقناع الرئيس سعد الحريري عام 2009 بالتحالف مع كرامي بدلاً من ميقاتي، لكن الحريري رفض. أما مع الصفدي، فقد نشأ تقارب كبير بينهما بعد إعلان الأخير عزوفه عن الترشح لانتخابات 2013.
في الحصيلة الأولية، يجد فيصل كرامي أنه بات قوة سياسية وانتخابية معتبرة، لكن المفارقة أن هذه القوة ليست ناتجة من جهوده وحده، بقدر ما أسهم بها تفكك خصومه وتباعدهم. فالثقة بين التيار الأزرق وميقاتي حالياً شبه معدومة، والصفدي بعزوفه عن الترشح أفسح في المجال أمامه كي يؤدي دور المرجّح بين المتخاصمين، ودفعه كي يطرح قيام توافق نيابي العام المقبل على غرار التوافق البلدي عام 2010، لتجنيب طرابلس مزيداً من الانقسامات، بعدما باتت أغلب القوى السياسية على الساحة السّنية تحديداً في مواجهة جدار عالٍ من الاحتقان المذهبي يهدد بالانهيار فوق رؤوس الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى