المقالات

في الطريق – بقلم: براق صبيح

إنها ذات الصبيحة التي تتكرر كل اسبوع مرة من كل يوم احد,و لكنني تعمدت هذه المرة كسر عادتي البقاء في البيت فترة الصباح ,بدلت ملابس الاحلام و لبست ثوب الواقع و نزلت الشارع ,حيث كانت الشمس مشبعة بالحرارة الشتوية و نور الصباح فاقع الصفاء و مريح, قررت اني سأزور بعض محطات مدينتي الدافئة وابدل انفاسا غير تلك التي تعودت المكوث بين جدران منزلي ..هدوء نسبي في الشوارع كما جرت عليه العادة, إلا ان توقا في نفسي كان يجرني دونما إرادة مني بإتجاه الحجارة الحمراء عند المدينة العجوز التي اثقلت محطاتها تعبا من اوضاع و ظروف لم يعد بمقدور ناسها التحمل اكثر,كانت عيناي تقعان في اعين اعياها الهم و التعب و حالات اخرى لا تقرأ إلا بالموت و طقطقات مسابح لأناس تلاصقهم ذكرياتهم بحائط على رصيف واسع يزورهم في كل صباح حامل المصبات و صاحب القرقعات …. وانا امشي وانا امشي , امشي تاركا ورائي رصيفا.. طريقا و عربات ,عبرتها منذ بعض الوقت مخلفا ورائي احاسيس عميقة , كنت افتش عنها لفترة طويلة , وصلت بوابة الجامع المنصوري الكبير حيث استوقفني نفر من قدامى الاصحاب مصرين علي مجالستهم على شربة قهوة و أركنوا لي كرسيا الى الحائط , جلست اليهم استمع منهم اطراف احاديث متفرقة ..نكاتا.. اخبارا عما يدور في البلد ,فبين إيماءآتي لهم و هزات رأسي تناقضات كبيرة و امور كثيرة تدور و فنجان القهوة لا زال ساخن …لاحظت امرا لم اتعمده في نية المسير الى حيث انا, صرت مراقبا ارى اكثر و اسمع افضل و اشعر بقيمة هذا الركن الذي تموضعت فيه لإشارك ثلة من اناس طيبين هذه الصبيحة قبل ان ارحل, صرت ارى وانا مكاني اشخاصا يمرون علينا يلقون السلام و يرحلون فيدور الحديث بين من انا بينهم ..يا فلان هذا إبن فلان و تلك أبنته..و اناس آخرين اعرفهم منذ زمن طويل لم اتصور اني سألقاهم يوما ,صرت اسمع من المارة همسات و كلمات ايقظت عندي الحنين ,صرت ارى المكان برؤية الفنان و فكرة المهندس لا كما يلمحه المارون فيه دون ذكريات , وكنت بين الفينة و الاخرى اشتم روائح افتقدتها لسنوات ..سحلب ..كعك..و اشياء اخرى , وانا ارتشف فنجان القهوة استجمع نفسي اكثر و اصبح في غور ذاكرة المكان ,حينها تساءلت عن كل تلك المشاهدات في التلفاز في الانترنت او صورة في كتاب ,عن تلك البلدان التي تستثمر سياحتها في الشوارع وتعتني بها كما لو انها منزل او دار, ادركت في جلستي تلك مقدار اهمية وجودنا في الشارع ,ادركت اهمية تلك الحارات و تلك الجلسات على ان تكون لما وجدت له و ان تفعل تلك الجلسات لغايتها لكي تكون منفعة وترابط بين الناس و إعتراف بالمكان ,سلمت على الجميع و عدت ادراجي الملم ما تساقط مني في نفس الطريق..اجمعهم مرة اخرى في ثنايا خافقي المسرور ,جميعنا محض مشاعر و ذكريات …سيمحوها يوم الممات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى