المقالات

القـيــادة المفقودة. د. بلال سهيل الدندشي

يشهد العالم اليوم أزمة قياديّة تتجلى في تعذّر إيجاد الحلول المناسبة والممكنة للعديد من المشكلات التي تواجه المجتمعات . وبما أنّ هموم الناس ومشاكلهم في تفاقم متصاعد فقد باتت الأمور معقّدة وصار من شبه المحتم أن يقع كبار القياديين في العالم في عجز كبير. وهذا أقل ما يمكن توقّعه أمام الانحدار الذي وصل مؤخّرًا إلى أدنى المستويات في ما يخص الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الراهنة.
من المسلّم به أن القيادة، وكما هو معروف بأبسط معانيها، هي القدرة على قيادة المجموعة عبر بناء علاقة سليمة معهم. كما يرى (B. Benjamin and C. OReilly. 2011) في كتابهما ” لتصبح قائداً”. وذلك يتطلّب بالتالي المهارة في التواصل لتصب الأخيرة في بناء العلاقات السليمة والصادقة مع الناس.
على صعيد الفرد، يتماشى رمز القيادة مع تلك الأسماء المتداولة في التاريخ القديم للأبطال الذين وبفضل حكمتهم القياديّة ما نزال نتحدث عنهم ليومنا هذا. فضلًا عن أنّه ومع مرور السنين دائمًا ما يسعى الأفراد لقيادة المجموعات، ونحن نشهد ذلك في المؤسسات الاقتصادية و العسكرية وغيرها من مؤسسات. فالقيادة حكمة تحمل في طيّاتها السمو الجامع ما بين الرأفة والمهارة على حد سواء. “إن الهدف الجيد للقيادة هو مساعدة أولئك الذين يقدّمون أداءً ضعيفًا كي يقدموا الأداء الجيد ومساعدة أولئك الذين يقومون بعمل جيد على الأداء بشكل أفضل.” وفق جيم رون.
في الواقع يبرز القائد عندما نلحظ انعكاسه على أتباعه من الناس من حيث الصدق في العمل، تأدية الواجبات المترتّبة عليه في مقابل الحقوق التي بحوزته، فضلًا عن شعوره بالحب تجاه عمله ومن يعمل معهم، وبالتالي حب الوطن برمّته وخدمته. فيتأثر بذلك الأتباع ايجابًا أو سلبًا مما تعلمّوه أو استشعروه من قِبل قائدهم الذي وبدوره لا يميّز بين أتباعه، وذلك بهدف تحقيق التوازن والعدل بين الناس، ما يرسم سمات القائد العادل.
أما في لبنان، تفتقد الرعيّة، ليس فقط للعدل والمساواة بل تفتقد إلى القيادة الصادقة. هناك الكثير ممن يضعون أنفسهم تحت عنوان قياديين سياسيين، لم يترددوا قط عن تطبيق الفشل في كل مسار وسلوك يطال جداول الأعمال التي من المفترض أنها تصب في مصلحة المواطنين. هذا فضلًا عن اعتماد أسلوب الخداع والكذب في القيادة تحت عذر الضرورة، وهذا أمر مشين يُرتكب بحق المجتمع اللبناني جرّاء تعزيز اللامصداقية، وبالتالي ليس فقط الفشل، إنّما الفساد وعن سابق إصرار، وهذا طبعاً ليس بقيادة ولا يمتّ بصلة لسمات القيادة.
ديمقراطيًّا، صوت كل واحد منّا يعتبر قوة في انتخاب شخص قائد، بإمكانه المثول في المجلس النيّابي، وبذلك يجسّد القادة الذي تم انتخابهم معتقدات ورغبات وإرادة الشعب. ومع ذلك، وفي الوقت الحاضر، يبدو أن هناك أزمة ثقة بين المواطنين والسياسي الذي تغاضى عن نيابته وركّز على اللقب الذي يُرفق مع اسمه. لكنه مازال هناك مواطن ينتظر منه تسيير النظم السياسية وشرح ما يحدث اليوم، وذلك في ظل الغياب الكامل للثقة والنزاهة. وبهذه الطريقة، من الضروري لنا جميعًا، نحن المواطنون، أن نعي دورنا، ومعرفة نوع السلطة والصلاحيات التي في حوزتنا. من الضروري أيضًا فهم دور السياسيين المنتخبين كممثلين لنتمكن من محاسبتهم، وهذا من حقنا أمام تقصير من اخترناه نائبًا عنّا، والأهم من ذلك، أنه من الضروري لنا جميعًا أن نلقي نظرة ناقدة على المكونات الأساسية لمجتمعاتنا، كي ندرك كيف لنا أن نطالب بحقنا كمواطنين.
الرؤية هي سمة أساسية للقيادة الفعّالة، كما أنها تعبير عن وجود هيكليّة أكثر مركزية تحافظ على جميع مستويات الدولة. كما يمكن لرئيس الدولة إنشاء رؤيته أو استراتيجيته وإبلاغ المواطنين بهما والحفاظ على تطوير وتقدم جميع المستويات في الاتجاه نفسه دون تمييز. لكن ما يحصل في لبنان، هو انحراف المسار والاتجاه الصحيح. يبقى هناك مناطق لا تنطبق عليها هذه الرؤية الواضحة لتشارك بقية المجتمعات في البلد الواحد.
أما من ناحية التكتلات الحزبية، تفشل المركزية في إدارة شؤون العلاقات مع مناصريها في المناطق المختلفة. فنلحظ الكثير من هؤلاء القياديين المنتخبين من الشعب ليس بمقدورهم مد يد العون إلى من اختارهم أولياء على إدارة شؤون البلد في كل مرة يغيبون عن السمع خوفًا من محاسبة الناس لهم جراء التسويف والوعود. إن قيادة الناس ليست وظيفة، إنما مسؤولية وأمانة تتطلّب النزاهة والصدق. فالقائد يتألم قبل مناصريه ويأكل بعد شبع مواطنيه تمامًا كالأب الذي يخاف عليهم ويحبهم. كما أن هذه التكتلات الحزبية وُجدت لرفع صوت الشعب إلى القيادة العليا لنقل حاجيات مجتمعهم في ظل التغييرات السريعة في السياسة ومستقبل الأجيال. فكل واحد من هؤلاء النواب هو بمثابة وسيط ومشارك في أخذ القرارات التشريعية في البلاد، وبالتالي، يجب عليه الحفاظ على حقوق الشعب وعدم العبث بمستقبله وأمنه وأمانه. وهذا بالأمر البديهي لكل من يخطو في القيادة الفعّالة التي تعي حاجة المناصرين بعدم الاستهانة أو التغاضي عن حقوقهم أبدًا. فلمن لم يجد في نفسه الشجاعة الكافية لتسلم زمام ما ينشده المواطن لأجل عيشة كريمة، فليتنحى متى شعر أنه “مجرد لقب” ليس إلّا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى