المقالات

العلامة فضل الله نموذج يحتذى به – بقلم: د. محمد علي الضناوي

وانتقل العلامة المجتهد الشيخ محمد حسين فضل الله إلى جوار ربّه

، يحمل معه جهاداً طويلا على مختلف الأصعدة، كان فيها مجلياً خفّاقاً مقداماً شجاعاً، ولم ينس محاولة الخروج من الاختلاف بين المذاهب الإسلامية، بعد أن حاول إخراج المذهب الجعفري إلى حيث يجب أن يكون، مفنِّداً بعض ما علِقَ به من عادات وتقاليد لا تمتّ إليه ولا إلى الإسلام بصلة، كما طالب بإخراج المذاهب السنية من بعض جمودها، وتحريكها في أطرٍ اجتهادية سليمة لتلتقي مع المذهب الجعفري، ولتشكل تلك المذاهب الخمسة مساحة يمكن أن يتصدى من خلالها العلماء لكل الشبهات الجديدة، والعمل على استيعاب أية تطورات ومسائل مستجدة أو طارئة.
وإزاء تلك الهموم والمتاعب والمشاكل التي أثقلت كاهل العالم الإسلامي، وبخاصة قضايا لبنان والجولان وفلسطين والعراق وغيرها، لم يتردد العلامة فضل الله من إقرار العمل المقاوم، والدفع به إلى موقعه الطبيعي في مصاف العقيدة، مؤكداً أنه وحده القادر على مقاومة إسرائيل ولجم مطامعها في المنطقة وأنها جرثومة الداء وأس الشقاء، وبدون استئصالها لا يمكن لهذه المنطقة من العالم أن تستريح، كما لا يمكن أن يرتاح العالم بأسره.
* * *
وعمل العلامة الرائد على التفاهم المشترك بين الإسلام والمسيحية، مؤكداً بذلك على وحدة المصدر الإلهي للإسلام والمسيحية، وعلى ذلك، فإنّ على أبنائهما أن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه. أما لبنان فهو بلد جامع لكل الفئات، ويجب أن يتطور لما فيه مصلحة الجميع دون المساس بأساس العقائد والقيم الدينية العليا، وفقا لما نص عليه الدستور وما يقول به العقل وتقتضيه المصلحة.
* * *
برحيله ترك العلامة فضل الله فراغاً كبيراً على مستوى المساحات اللبنانية والفلسطينية والإسلامية، نرجو أن يسدَّه أبناء مدرسته المميزة، ويستمروا في أداء رسالته المتميزة التي جعلته نموذجاً يحتذى به في صعد عدّة، وما كتاباتنا نحن وسوانا لمثل هذه السطور إلا أثر من آثاره الفريدة في التقريب وإزالة أسباب الاختلاف .
* * *
مشاكل الفكر والفقه الإسلامي، كما مشاكل الأمة من أقصاها إلى أقصاها لا تُبقي للرجال الكبار مساحاتٍ للعمل في الجوانب الميدانية والخيرية، غير أن العلامة الكبير كشف أن تلك الأعمال تعتبر أساسية كسائر الاهتمامات، وعلى الفقيه، المتمتع بنظر شامل، والمالك لموازين العدل والشمول، أن يوجِد لنصرة الفقير والمسكين واليتيم والمريض والمحتاج ولطالب العلم ولسائر تلك الأصناف المهيضة الجناح، أن يوجِد لأولئك كلهم أوقاتٍ وبرامجَ عمليةً وميدانية، ما يوفر لبعضهم قدرات هامة، ويساهم في حل مشاكلهم والتخفيف من أعبائهم. فهؤلاء لم يتخل عنهم ربهم فكيف يتخلى عنهم عبيد الرّب العظيم؟؟
* * *
لقد خلّف العلامة الفقيدُ شروحات وآراء ونماذجَ عمل على مختلف صعد الحياة، مستنداً في ذلك إلى عقل راجح، وفكر نيّر، وعلم متين، ونفس مطمئنة وهدى رشيد، خالف من خالف رحمه الله حتى من فقهاء مذهبه، ووافق من وافق من آخرين، وأرسى بذلك قواعد ثابتة في المجالين الفقهي والاجتهادي الميداني، وثار بوجه العادات البائسة والأفكار المتحرفة البائدة، كما ثار بوجه الاحتلال الأجنبي لبلاد العالم الإسلامي، وبخاصة في لبنان وفلسطين والجولان والعراق، معتبراً بحق أن الولايات المتحدة وسائر الدول التي تحمي إسرائيل هي أسّ البلاء، وعلينا أن نخاطبهم بشجاعة، ونحاربهم بإيجابية، ونقنع الرأي العام العالمي بعدالة قضايانا وشفافية فكرنا وشمولية فلسفتنا.
رحم الله العلامة الكبير، وأخلف على الأمة من يُجدّد لها فكرها ويتابع المسيرة…ولأهله وإخوانه وأنصاره وأتباعه وإلى كل لبناني وعربي ومسلم صادق العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى