المقالات

نكسة حزيران – كتب: د قصي الحسين

كان عام 1967، عام الحزن. دخلت إلى قاعة إمتحانات دار المعلمين، في أبي سمراء. في المبنى المخصص للبنات، لتقديم مادة الأدب الفرنسي، للسنة الثانية. كانت السابعة، صباح الخامس من حزيران العام 1967.
كانت هذة المادة، عطب دراستي. كنت أخشاها جدا. لأنني، لم أوفق طيلة سنواتي الدراسية السابقة، بأستاذ يحسن قيادتي للنجاح والفوز بها.
بدأت الإمتحان بها. وخرجت بعد ساعتين، من القاعة مدوخا. عرفت مسبقا إنهزامي أمامها.
لم تكن خسارتي في هاتين الساعتين، خسارة واحد. بل خسارة أمة.
كنت أشعر بعمق الإلتزام بأهلي وعائلتي. وأن فشلي، يعدمني منحة الدراسة، التي أعيل بها عائلتي وشخصي. كان والدي يأتي إلي آخر كل شهر، ليأخذ مني ستين ليرة، ويترك لي أربعين، أدفع منها عشرين، أجرة غرفتي، وأعيش على تسعة عشرة ليرة طيلة الشهر. من يصدق. لأن الليرة المتبقية من المئة، كان يقتطعها المحاسب الأستاذ سعدي ضناوي، الدكتور والزميل لاحقا، لصندوق الدار.
وقعت المصيبة على رأسي، في السابعة صباحا من حزيران العام 1967، وخرجت من القاعة محطما، في التاسعة، بعد ساعتين. إستغرقت الحرب ساعتين فقط، لتكسير عمري الذي يناهز العشرين.
كنت أسمع المراقبين في الغرفة، يتحدثون عن حرب وقعت. وعن طيران العدو المغير على مطارات الجمهورية العربية المتحدة، ويباغتها ويكسر أدراجها، منذ الساعة السابعة. وعندما خرجت من القاعة أجر أذيال الخيبة. كانت عائلتي ورائي تجر أذيال الخيبة. وكانت الأمة العربية ورائي، تجر أذيال الخيبة. تحطمت ادراج المطارت كلها خلال ساعتين.
تماهى حطامي، مع حطام أمتي، في برهة التحطيم الجماعي، في السابعة من صباح الإثنين، في الخامس من حزيران. شعرت وأنا لا أزال في أرض الملعب، أن عائلتي كلها معي، تتساقط من أثوابي تهر كما يهر العشب اليابس من ثوبي. وأن أمتي كلها، تتساقط، أيضا من وجهي. تهر منه كما يهر العمر والدمع من عيوني.
كان وجهي وجه مهزوم، يخرج من القاعة. وكانت أذيالي أجرها معي. لم أعد أحدق في وجه أحد من الزملاء الفريحين الموفقين في المسابقة. كنت أنتبه بحزن شديد أتلمظه، وأنا منكسر الرأس، إلى ظل ثوبي الأسود المتهدل على الأرض، لفرط الخيبة، في قاعة الإمتحان.
كنت أتوارى من سوء ما بشرت به منذ تلك اللحظة. شعرت أن مسابقة اللغة الفرنسية، طفلة مؤودة. وأدتها بيدي النحيلتين في ارض الإمتحان. و شعرت أن قضية أمتي، وأدتها بذات اليدين في ارض الإمتحان. كنت حقا جماع حزنين معا في برهة، أصابت مني مقتلا.
خسرت سنة دراسية، لعلامة لاغية لنجاحاتي كلها. وطارت من يد أبي، “منحته” الدراسية، فبكيت. حقا بكيت. وظللت أبكي عاما كاملا، في حرب إستنزاف حقيقية.
كنت وأنا ببالي ما جرى لي من صيف حزين، ومن عودة حزينة، إلى الصف بلا منحة، أرى جدتي، “أم مصطفى”، تقف خلفي. تهمسي في أذني: “لا تحزن إن الله معنا”. تمسك بيدي وتتقدمني، بخطواتها المتعثرة السبعين، إلى زاوية “الليوان”/ الإيوان، من دارنا في مشتى حسن، بناه جدي لعروسه. وتنشل من عبها، ثماني ليرات ذهبية. حميديات ومجيديات. تضعها في جيبي، وتخيط عليها ب”الميبر”. وتقول: أعد صفك يا ستي..
بكيت من تلك العجوز العنيدة على الصبر والقهر بعد موتي جدي بعشرين عاما. كانت لا تزال تحتفظ بذهبه وذهابه في ثوبها. وكأنه أمامها.
عدت إلى صفي كرة أخرى. وضعت خطتي لإستنزاف وقتي كله، في دراسة اللغة الفرنسية. لا أحمل معي، أينما توجهت، إلى ساعة الرياضيات، وساعة العلوم، أو ساعة علم النفس ودروس الفلسفة، إلا كتب الأدب الفرنسي. عرفت عدوي الحقيقي، الذي ألغى نجاحاتي كلها، بعلامة لاغية منه.
كان تدرجي بين رفاق الصف الثلاثين، الأول عليهم. وكان تدرجي، بين رفاقي التسعين من الشعب الثلاث، الثاني أو الثالث.
كنا نتزاحم، “ماريو دابلي” من كفر عقا، و”شفيق خوري” من شدرا، و”إلياس الزغبي” من بزيزا، على المرتبة الأولى.
لم أكن أحسب حسابا للسقوط المدوي. و لم احسبها جيدا. تلك الخسارة أمام العلامة اللاغية، وهي5/20. تلغي نجاحاتي المتفوقة كلها. تشطبها من عمري، بكل عتو وبكل عنف. غضب علي الأستاذ وهبي، الدكتور لاحقا، مدرس مادة الفلسفة وعلم النفس “غضبة مضرية”. ألزمني أن أتقدم بطلب حر لإمتحانات البكلوريا- القسم الاول. قال لي: قف من جديد وكف عن البكاء وكفكف الدمع. تعال معي بقوة، بلا حزن، إلى الدروس الخصوصية، إخلع نعليك، لإمتحانات البكالوريا، وكأنك “وادي موسى”.
كان الأستاذ موسى وهبي، الدكتور لاحقا، كما قلت، يعرف عمق النكسة الحزيرانية، التي حطمتني. يعرف مطر حزيران الذي أصاب أعماقي. أمسك بيدي بكل قوة. عصرها عصرا حتى خرج الخوار منها، وعادت إلي عزيمتي، في إعادة الصف، وفي التسجييل الموازي الحر، في الصف الجديد للبكالوريا- القسم الأول.
خضت حرب الإستنزاف، بكل قوة. كنت أنام على كتبي، والألم يذبحني لشدة “العلامة اللاغية” في حياتي، التي أصابت مدارجي، مع مدارج الطيران في أمتي، صبيحة الخامس من حزيران.
تخرجت في الصيف الثاني، بعد عام، بشهادتين: عبرت إلى السنة الثالثة في دار المعلمين، بكل تفوق. وعبرت إلى القسم الثاني من شهادة البكلوريا/ الثانوية العامة، بعلامات عالية. وصار “العلامة اللاغية”، جرحا عميقا، مثل نكسة حزيران.
كان العبور عظيما. كان فتحا للدراسات الجامعية، التي ما كنت أحلم بها، بمانع قانوني ثابت من الشهادة التعليمة؛ ألغي فيما بعد؛ التي لا تسمح لحاملها، بالحلم بالدراسة الجامعية.
عبرت “خط بارليف”، الذي أرسته النكسة في صيف العام 1968، قبل عبور الأمة في حرب تشرين العام1973.
كان العبور، عندي تحررا، من الأعباء المادية. وكان عبور الأمة للقنال تحريريا، من عار النكسة.
تخرجت في العام1969، وبيدي، سلاحان، وظيفة مدرس، في مدرسة طيرفلسيه الرسمية شرقي صور، ملتحقا بها في 1/10/1969، وأمامي الصف، والدرس. وبئر الحزن، تحتي. كنت أعرف أني على مصطبة فوق بئر قديم.
كنت أمضي ساهرا، فوقه أما باب منزلي الجديد، أدرس “عباس”،على مصطبة بيته، أمام البئر، وأضع إلى جانبي، كتابي الجامعي.
كان عباس شابا، لا طفلا. أبناء القرى يولدون رجالا، على أبواب المدارس. يتأخرون عن العلم، لفاقة العمل وعسر لفافة الخبز. كان يدلني، على الدرب، التي يسلكها الفدائيون، إلى تلال فلسطين لتحريرها من الأعداء الغاصبين.
كان يدلني على أقدامهم على الدرب. كان يقول لي: هنا تعثر أحد الفدائيين، برشاشه وجعبته، وتدحرج إلى عمق نهر الليطاني، قبالة “الزرارية”. (لم يكن هناك جسر بين الضفتين ولا ما يحزنون). نزل إليه جماعتنا، ونشلوه، وحملوه، إلى بيتنا. في غياب أبي عنا للعمل في الكويت لتنفق أمي علينا.
إهتمت به أمي كثيرا. وجدته من عمري. ويشبهني كثيرا. نظرت إلي، وقالت: الفقراء يشبهون بعضهم بعضا.
وبعد إنصراف “عباس” في آخر السهرة، أنصرفت أنا، لإعادة أغنية لا أحسن غناءها لوديع الصافي:
“إديشني صحبة أنا وهالبر”.
عتاء نحنا من زمان كتير
غماء غماء شوفي سرار مطوية.
نظرة عتاب وحب ومشاوير.”

منذ ذلك اليوم، كان الفدائيون يعبرون معي أيضا. يسيرون في الليل، إلى فلسطين. وكنت أقرأ في وجوههم، الصفحات المتبقية من النصر على الهزيمة وبعدها على النكسة.
وكنت أردد مع الشاعر محمود درويش، في قصيدته: “الرمادي”:
النيل ينسى،
والعائدون إليك لم يصلوا
هناك حمامتان،
ورحلة أخرى،
وموت يشتهي الأسرى”.

كنت أسهر حتى تحصحص الفجر. أطوي دروسي وجروح نكستي ونكسة أمتي، وأقرأ في عيني “عباس”، يدلني على طريق المقاومة. يمسح خطواتهم عن عشب الجنوب، ويقيس بقدمه أقدامهم، ويمتحن بعينه عيونهم، ويسائل نفسه: هل يكبر مثلهم، يريد عبور اللطياني وعبور القنال، وعبر الصف، مع الفجر الجديد أما أنا فكنت أردد مع الشاعر خليل حاوي كمدرس عنيد:
” يعبرون النهر في الصبح خفافا
أضلعي إمتدت لهم جسرا وطيد
من كهوف الشرق. من مستنقع الشرق
إلى الشرق الجديد
أضلعي إمتدت لهم جسرا جديد.”

2) رسوم وغيوم

كلما تذكرت عكار، كلما تذكرت مفرق العبدة. خط يسير مع الشاطئ، وخط ينعطف إلى الداخل. الأول، يجتاز بلدة القليعات، ومن هناك إلى بوابة العبودية وتلكلخ وحمص. أو يظل بصحبة الشاطئ، إلى جسر العريضة الغربية، بوابة: الحميدية وطرطوس واللاذقية.
أما الخط إلى الداخل، فيسير الهوينى إلى القيطع و بلدة بنين وبرقايل وحرار ووادي جهنم، والجرد أو إلى جسر عرقة التاريخية وبلدة حلبا، عاصمة القضاء، ومن هناك إما إلى الدريب: القبيات وعندقت وشدرا ومشتى حسن ومشتى حمود والبقيعة ووادي خالد وجسر قمار وجسر العريضة الشرقية. وإما إلى الجومة وبزبينا والجرد.
هذة هي رسوم عكار: القيطع والجومة والدريب، بالإضافة إلى السهل، حيث الصراع التاريخي بين رجال الإقطاع، على الثروة والأراضي والنفوذ.
بعد الثورة البيضاء على رجل الإستقلال، الرئيس بشارة الخوري، ووصول الرئيس كميل شمعون، كان لا بد من تصفية الحسابات.
قتل النائب والوزير محمد العبود، وهو يهم بالخروج من القصر الجمهوري في القنطاري، في تموز1953، على خلفية الإنتخابات النيابية، التي ستجري بعد أسابيع.
قتله مرافق المرشح سليمان العلي، منافسه، المقرب من القصر وإفتتح العهد الجديد، بالدم. وبدأت سماء عكار تتلبد بالغيوم. وبدأ الصراع بين المعارضة والموالاة ولم ينته.
كان ذلك أول إغتيال سياسي لعهد الرئيس كميل شمعون. وكان ذلك أول تصيفة للحسابات، بين بيروت وبين دمشق. برقايل، باب الجرد، وحارس بنين، وحليفة دمشق، وبين الحوشب باب الدريب وحارس السهل، المتحالف مع القصر.
أسست برهة الإغتيال السياسي لعداء ودم، بين القيطع والدريب، إستمر حتى هبت غيوم الثورة، وإنتقام دمشق.
ظلت عكار تغلي، طوال عهد الرئيس شمعون. وكان الأمن على كف الرياح القادمة من بيروت، ومن خلف الحدود. تنسجها شمالا أو جنوبا.
كان يروى على مسامعي، هذا الحدث الدموي، الذي أسس لعفاء الغيوم على الرسوم.
جمد زمن الإزدهار في عكار، منذ برهة الإغتيال. لم يعد هناك من يغطي الخزينة العامة بالذهب. لم يعد هناك، من يحمي عكار. غاب الراعي، وطاش القطيع. وخف الأمن في البلاد. وإرتدت عكار، إلى الريف. يمسك القصر، بسيف السلطة. وتمسك حمص بالعشائر. وصرت كلما عادت بي الذكرى إلى هذا اليوم المشؤوم، أتذكر المطلع الطللي لإمرئ، وبرهة مقتل والده حجر:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول وحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها، من جنوب وشمأل..

أذن مقتل العبود، بالنقمة المبكرة، على العهد. وعلى سيد العهد. وتولت دمشق، الإنتقام من القتلة، في السلطة و فناءها الخارجي. دارت حول القصر الشبهات، في تصفية الحسابات. إستعان بالحوشب، على برقايل. ورفعت الجدران، بين السهل وبين الجرد. شرع الباب باكرا للترحيب بالثورة. كان مقتل العبود طعنة مؤلمة في ظهر عكار. كانت عكار، خزان المؤونة للبنان. كانت تمول خزينة الدولة، وترعى نموها، وتأخذ دورها في الحيز الوطني. قتل النائب والوزير محمد بك عبود عبد الرزاق، وفتح القبر لعكار، وقادت الأحقاد السياسية والدبلوماسية إلى العماء الأعمى، من الليالي السوداء. دخلت عكار في النفق المظلم منذ ذلك التاريخ، في تموز1953، وهي تقود الإنتخابات والنفوذ في كل لبنان، بالدعم الداخلي وبالدعم الخارجي، على حد سواء.
وكان لليل العهد الطويل أن ينتهي. وكان لنهار العهد الجديد، أن يبتدي.
راهن الناس على التغيير. وعلى إصلاح ما فسد في النفوس، وما سودته النصوص. راهن على إنتصار مشروع الدولة، وعودة الإزدهار لعكار. ولكن هيهات هيهات.
كانت الوسيلة الجديدة، بسط السلطة، في كل رسوم عكار. وكانت أداة السلطة، إطلاق أيدي الشعبة، في ترتيب البيت العكاري، الذي رحب، بقدوم العهد الشهابي.
كانت التجربة الجديدة، أمر من سابقتها. وقفت الشعبة، إزاء الخصوم تقسم لهما جبنة الإنتخابات. أكلت حصتهما حتى إنتفخت بها. وأمسكت بورقة العشائر. وتركت السلاح في أيديهم.
كان رجل الشعبة، يجول على البيوت السياسية كلها، في عكار. يمهد لتنظيم اللوائح. أغلق أبواب المناطق. اغلق القيطع والجومة والجرد. وناور مع حمص، دفاعا عن الوحدة والعهد. بدأ الناس يتحدثون عن لائحة العهد الوحدوي الوجه ، العروبي الوجه، جهارا. صار العهد ذا وجه عربي، وصارت لائحته، ذات وجه وحدوي، عهدوي.
وإبتدأ ليل العهد يدخل في نفق الظلمة والمظالم. ويلعب رجاله، تحت الطاولات. كان رجل الشعبة، يسمي أسماء لائحة العهد. ويعلن فوزها قبل الإنتخابات. ويطوب الفوز للحماة.
كان رجل الشعبة، أو قل رجل العهد، يخطو بخطى، لم يألفها الأهالي في عكار. ما كانت تخطر على بال الأهالي في عكار كلها. ما كان يظن بالإشتباه بالناس. ولماذ الإشتباه بهم، وهم، أبعد عن العدو الإسرائيلي من كل لبنان.
قبض على القيطع والجومة والدريب والسهل، بخيزرانة، كان يداعب بها ساق جزمته، أمام الوجهاء والبسطاء، فيهابه الأولون، ويهلل له القبضايات الآخرون.
كان رجل الشعبة، يستدعي الناس إلى بيروت. يشرح لهم الأخطار التي تحيق بالوطن. وأنه لا بد أن ينفذ إرادة العهد، بالحفاظ على الذمم التي قطعها للدفاع عن لبنان في وجه العدو.
كان يقول لهم بالفم الملآن، إن العدو الإسرائيلي يتربص بنا، ولا يمكن أن ندعه، يكمل اللعب معنا. وكان تحت هذا الإعلان، يقرع العصا، لمن يعلن العصيان.
كان تركيب الملفات أسهل ما يكون. كانوا يصادرون الناس كالأغنام، كانوا يداهمون القرى والبيوت، ويرسل الجرد على السهل والقيطع والجومة والدريب، حتى يهاب. وصار المهاجرون، يعودون، بأموالهم، ويشترون المقاعد، كما يحصل الآن.
صار العدو الإسرائيلي شماعة الإنتخابات منذ ذلك الزمان المبكر، ولم يزل.
لم يعد للأهالي دور، إلا في حفظ الوصية وتنفيذها. الذهاب إلى الإنتخابات، وتأييد “اللائحة البريمو.”
مضى عهد وإنقضى، لأنه أغرق عكار منذ أيامه الأولى ببركة من دماء، وبسلة وسلسلة من التارات. وجاء عهد، يبشر بضرورة مناعة القطيع ضد العدو الإسرائيلي. ويسرق حليب الرضيع، من ثدي الأمهات. صار العهد الجديد، بالتطهير والتأديب، ويمنع من لا يدفع عن نفسه، بما ملكت يداه.
كان رجل الشعبة، معتمد العهد وسيفه البطاش، يتعهد بفوز رجال العهد، على حساب الشعب. صار يسوق الشعب إلى المساءلة، عن العمالات والخيانات. وسع السجون، وسجن عكار وأبطل الديمقراطية و الإنتخابات
رسوم عكار، جلتها الغيوم. ومازال عهد يروح، وعهد يجيئ، والعدو شماعة في كل إنتخابات عكار للجميع.
رسوم وغيوم، وقذارة. وإنتحابات وخسارة وطن وخسران قضية.
عكار لا تنسى تأسيس الإنتخابات على الدم. لا تنسى شفاعات السفارات. لا تنسى تدخلات، حمص وتلكلخ. ولا تنسى الجباة.
عكار منذ ذلك الحين تأسو على زمن تولى ، كانت فيه سيدة لبنان .
عكارلا ترضى أن تأخذها الإنتخابات منذ ذلك التاريخ المبكر في لبنان إلى شماعة الإعدام والعدم.
تنادي الرسوم على الغيوم: بئس هذا الحظ العاثر مع الوطن. عكار خزان الرجال وسياج الوطن، لا حوش واسع للخدم.

3)
تسلح العشائر

لم تحمل عشائر الجرد، وبيت جعفر وجبل أكروم ووادي خالد، السلاح في منطقة الدريب، إلا حين صاحت طرابلس وبيروت وصيدا وبعلبك والمختارة وزغرتا/ سليمان بك فرنجية، على الثورة.ذهبت العشائر إلى حمص وتلكلخ، وتجندوا عند “أبو عبدو”، وجعلوا من السلاح “زينة الرجال”.
إنخرط أبو عبدو في تسليح العشائر وتمويلها، لإسقاط الرئيس كميل شمعون. قبل ذلك التاريخ، كانت فصيلة الدرك، ومخافرها الأربعة: في القبيات ومشتى حسن ووادي خالد وبلدة أكروم، كافية بعناصرها القليلة، لبسط سلطان الدولة، على كافة مناطق السهل كما على كافة مناطق الجرد.
كانت عشائر الجرود، تعيش على الفلاحة والزراعة، كما تعودوا منذ العهد العثماني وخلال الإنتداب الفرنسي، وكذلك خلال العد الأول من مرحلة الإستقلال، حتى ثورة العام 1958.
وكان السلاح في تلك المرحلة، محصورا بيد زعماء الدنادشة ، وزعماء المراعبة في السهل، وزعماء المشايخ، في القبيات وعندقت وغيرها. وكان سلاح هؤلاء: “المرتينة” و”المسدس أبو بكرة”. بالإضافة إلى بعض أنواع السلاح الأبيض الأخرى مثل: التطرية والخنجر وللسكين والموسى والسيف. وكنت عشائر الجرد كلها، تنزل في الشتاء للعمل في السهول والحقول،. وكان زعماء السهول يخرجون في أول الصيف، إلى الجرود، طلبا للإبتراد من حر السهل.
لم يصعد السلاح الحربي إلى الجرود، إلا مع ولادة الثورة.
كان الناس لا يعانون في تلك المرحلة، إلا من صراع زعماء الإقطاع على النفوذ السياسي. وعلى المشاعات للرعي، وعلى ملكية الأراضي، وعلى مساقط وجداول الماء.
كانت الثورة علامة فارقة في تاريخ منطقة الدريب. وكان للثورة بابها عند “أبو عبدو” في حمص.
أغدق “أبو عبدو” على العشائر السلاح، ودرب رجالها وشبابها وفتيانها.
كانت مدينة حمص، وجهة عشائر الدريب، لطلب المؤن، قبل الثورة. فلا طرقات عندها، إلى طرابلس. وكان رجال الدرك، يذهبون إلى حمص، للوصول بالسيارة إلى مخافر الجرد.
بعد الثورة، صارت عشائر الجرد تذهب، للتبضع بالسلاح، قبل المؤن.
شكل تسلح الجرد في العام1958، علامة فارقة في تاريخ التواصل بين السهل والجرد.
صار الأغوات والبكوات والمشايخ، يخطبون ود عشائر الجرد، كما يفعل أبو عبدو. وكما صار تفعل ثكنة القبة بطرابلس.
وحين إنتهت الثورة، لم تكلف الدولة نفسها، لجمع السلاح من أيدي العشائر. وحين أجلي “أبو عبدو” عن حمص، وجد سلاح الجرد، رعاية من الحكام الجدد، لغاية في نفس يعقوب.
أغلقت الثورة، مدرستنا، فذهبنا إلى الحقول والكروم والبساتين، وبيادر القمح والعدس والأرز والفول والترمس والبصل. ألجأت الثورة تلاميذ مدرستنا لرعي المواشي، فسرحوا وراءها، في الجبال والوديان، وأبطلت عمل راعي الأبقار المرحوم “فهد”، لأن الأهالي، أوكلوا أولادهم برعيها. وأبطلت الثورة خدمة النواطير، لأن الأهالي، لم يعد يأمنون على مزروعاتهم، من غزوات ثوار العشائر ليلا ولا نهارا.
كنا ننتظر على الطريق العام، وعلى الطرق الفرعية في البقيعة وعلى جسر الطليان وعلى تلة براغيث، وصول الجيبين التابعين للمراقبين الدوليين، يتقدمهما علم الأمم المتحدة، مرفرفا، بدون فائدة ، فوق مقدمة السيارة. وكنا ننتظر على البيادر ننتظر وصول طائرة الهيلوكوبتر، لنتعرف عليها.
كان مراقبو الأمم المتحدة، يفرحون حين نصل إليهم. كانوا يستقبلوننا بحبات “الدروبس” و”البابون”، وعلب التونة والسردين. وعلب الجبنة. تعرفنا منهم على خبز السمون. كنا نأخذه إلى البيت، لنلفه بالخبز المرقوق/ الصاج. ونتلذذ به في ملاعب السهر حتى منتصف الليل.
كان طاقم الطائرة المؤلف من رجلين، يطلبون منا أن نتحدث معهم بالفرنسية. كنا نتهجى لهم بعض الكلمات. وكان من حظ أحد التلاميذ الذي وصل إلى الصف الثاني من شهادة البروفية بمدرسة الجديدة بطرابلس، “غصوب سعد الدين”/ لاحقا عرف بغصوب دندشي، بعد زواجه، أن يتحدث معهم بالفرنسية. فأحبوه لصغر سنه، وأصعدوه إلى طائرتهم/ الهيلوكوبتر، في جولة على حدود المنطقة، وحدود نهر الكبير، وحدود جبل أكروم وحدود وادي خالد وحدود بيت جعفر، وحدود الجرد العكاري. كان يحادثهم، عما يعرف ويشاهد، من حركة الثوار. وعما إذا كانوا يأتون من خارج الحدود. فكان يقول لهم إن الثوار في الجرود. وكانوا كلما عادوا إلى للبيادر، يسألون عنه. مما دب الحسد في نفس مدير المدرسة، الأستاذ المرحوم “قاسم الزعبي”، الذي كان يرغب بالصعود معهم إلى الطائرة. فقضى رحمه الله، ولم يصعد إلى طائرة. مات وفي نفسه شيء من طائرة..وكنا نلتقي كذلك، بسليمان بك فرنجية، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهرية، فارا من وجه زغرتا، ملتحقا بصفوف الثورة في بلدة تلكخ. فنراه في الجبل الغربي لبلدتنا، ومعه “جفته” بعينتين، وعلى خصره مشكاة لتعليق الطرائد. وأمامه كلبه يدور حوله وربما سبقه، لإثارة الطيور من وكناتها، يتصيد الفري والسمان والطيور العابرة والمهاجرة. كان سليمان بك وحده بلا مرافقين. نسلم عليه، فيرد علينا السلام، ويمازحنا بروح طيبة وبلسان زغرتاوي، “مهذب جدا”.
سلحت الثورة العشائر في وادي خالد وفي جبل أكروم وبيت جعفر، وفي جرد عكار و”عكار العتيقة”، وحين أفلت، لم تقم الدولة بجمع سلاح العشائر. فظلوا يحكمون به أهالي السهل حتى اليوم.
حولت الثورة العشائر الفلاحين/ الهكارين / العكاريين، إلى ميليشيا دائمة غب الطلب. صاروا يعتاشون من بنادقهم، بدل معاولهم ورفوشهم ومناجلهم وثيرانهم ومواشيهم. وغابوا عن السهل وإنحسر عنهم الشرشف الأخضر، لإشتغالهم بما يتناسب مع وظيفة سلاحهم. فقدم جيران السهل والحقل والكرم، من خلف الحدود، وحلوا محلهم. أتوا نساء ورجالا، وبعد هاتيك السنين، غلبوا على الأهالي، فتغير الوجه الديموغرافي للدريب كله.
تسلحت العشائر، للمساهمة في تحديث لبنان، فإنقضت أيام الثورة، ولم يدعوا السلاح من أيديهم. وأتت الشرعية. وظل السلاح في أيديهم، بتفويض سري، وبتسوية علنية. أن يكونوا جنودا للدفاع عن الشرعية. “تسلح العشائر”، على الحدود، له وظيفة واحدة: زرع القلاقل. والإستقواء على الأهالي وعلى الدولة، أيا تكن الدولة، في دمشق، وفي حمص وفي تلكخ، أم في طرابلس وبيروت وثكنة القبة واليرزة والفياضية، لا فرق.
تسلح العشائر، غير شرعي، يغطي كل سلاح غير شرعي حتى اليوم. ويغطي كل مخالفة غير شرعية، ويغطي كل إعتداء غير شرعي. وربما أتت للشرعية، إلى العشائر، لا لنزع السلاح ولو بالمفاوضات، وإنما لإقامة شرعية دولة “تبويس اللحى” والمصالحات.
مات الدريب القديم، منذ ثورة- 58، ولم يقم بعد حتى اليوم. ولعله لن يقوم، من بعد، إلا بوقف تسلح العشائر. فالسلاح غير الشرعي، علة المخاطر.

4) ليل الإنقلاب

كنت أبيت في أوتيل ديو، حين عاد النقيب فؤاد عوض، إبن بلدة عندقت، من الجنوب، على رأس كتيبة من المصفحات، وحاصر وزارة الدفاع، التي كانت تقع بقربنا، على طريق الشام، قبالة المتحف الوطني.
وفي منتصف تلك الليلة، إهتز مستشفى أوتيل ديو كله، على وقع رشقات الرصاص، حين دخل النقيب عوض، لإحتلال وزارة الدفاع. كانت الكتيبة، تتموقع حول الوزارة وتحاصرها. فنزل فرانسو جنادري، ليمسح مدافعها، فنزع منها “الإبر”. ولم نلبث ان سمعنا جنازير الدبابات، تحاصر كتيبة المصفحات المنزوعة المدافع. ويتقدم جندها فيحاصرون النقيب المتمرد، فيجد مخرجا، ويتوارى، إلى حين إلقاء القبض عليه لاحقا، على جسر نهر إبراهيم، مختبئا في صندوق سيارة، متوجها إلى بلدته عندقت المجاورة لبلدتي مشتى حسن، في عكار.
سمعت الناس في المستشفى، يلهجون بإسمه. وقد نال منهم الهلع والفزع والخوف، ليل الإنقلاب. وكنت أنا أستغرق في نفسي، وأنا أسلم عليه بصحبة والدي، الذي كانت تجمعه به، معرفة ومودة، وحسن جوار.
كنت أستعيد صورته أمامي، طوال ليل الإنقلاب: وسامته وحسن إستقبله للناس، في إجازته الأسبوعية، في بلدته عندقت، وحوله إخوته الأطباء، المعروفون، الذين جعلوا من دارتهم مستوصفا للناس في منطقة الدريب كلها. فكانت دارة النقيب عوض، ملاذا ومرجعا ومستوصفا، من صباح السبت حتى عصر الأحد، على الدوام.
دارة مفتوحة للضيافة والإستشارة والسياسة والوساطة. وكانت مأدبة الغداء للجفلى، لا للنقرة. فكل الموجودين في دارته، إلى مائدة الغداء بلا إستثناء.
كنت أستعيد قامته الممشوقة، وإبتسامته المرحبة بالناس، وتهلله وأخوته وأهله لهم.
ليل الإنقلاب، نهضت فزعا، ولم أحسن العودة للنوم، لشدة قلقي عليه، وأنا إبن الثالثة عشرة.
كنت أستعيد دماثته، وهو يربت على كتفي، ويسألني عن دراستي، فأشعر أني واحد من أفراد أسرته.
كان ليل الإنقلاب ثقيلا علي في مستشفى “أوتيل ديو”، بجوار وزارة الدفاع، وأنا على قلق وحزن وخوف.
شعرت بإضطراب عظيم. وأني فقدت سندا معنويا، يشد من أزري، ويقوي عزيمتي، ويحضني على التحصيل العلمي. وأنظر وأنا أقف تحت مصباح الغرفة، فلا أرى إلا ظلي ضيئلا، هزيلا خائفا مرتعدا، مختبئا تحت قدمي.
وما هي إلا بضعة أيام، حتى خرجت من المسشفى وعدت إلى بلدتي.
كانت سيارة الخط، تشق بنا الطربق، بين حواجز الجيش التي إنتشرت في بلدة عندقت. وكنت أرى من شباك السيارة، الطريق المؤدية إلى دارة النقيب عوض، محصنة بالجنود.
هزتني شبابيكها المغلقة، وهزني بابها الحزين. وهزتني ذكرياتي عنها هزا عنيفا.
دارة فرت عنها عصافير الفرح. وغادرها الناس. وأغلقت الأبواب وراءهم على هم وحزن. وغرقت بلدة عندقت الضاحكة في سوقها وعلى التلال، في ليل الإنقلاب.
تقدمت السيارة تشق بنا الطريق بين “كروم عندقت” إلى مفرق بلدة العوينات، المطل على بيادر بلدة شدرا، وتوقفت على حاجز مستحدث للجيش. نزل جميع الركاب إلى الأرض، يبحثون عن “فؤاد عوض”، المختبئ في ملابسنا.
قال لنا أبو محمود، صاحب السيارة: إن الجيش، يملأ شدرا ومشتى حسن ومشتى حمود والعوينات والبقيعة، على الحدود.
بعد ليل الإنقلاب، لاذ الأهالي بالصمت. صار الأخ يفر من أخيه ومن صاحبته وبنيه. وما كان يجرؤ، على الجهار بإسم فؤاد عوض، لئلا تسمع به الشعبة الثانية.
كان سائق جيب فؤاد عوض، الذي تقدم كتيبة المصفحات، المعاون أحمد قدويح، من بلدتي. وكان قد مضى أكثر من عشر سنوات، على ليل الإنقلاب. وكنت قبالته، في دكانه، يصلح لي مذياعا صغيرا. وكنت آنذاك مدرسا في قريتي. كنا نتحدث عن مآلات الأوضاع في البلدة والجوار، بعد حل الشعبة في عهد الرئس سليمان فرنجية. قال لي: إنه خرج بالنقيب فؤاد عوض من صور، يتقدم كتيبة المصفحات كشهاب من نار، يخرج على الرئيس فؤاد شهاب، بعد عصر ذلك اليوم المشهود. وكان طوال الطريق، متشنجا على غير عادته. كان قبل وصوله إلى وزارة الدفاع، قد أخذ بثلاث زجاجات. وحين وصل إلى بوابة الوزارة، طلب التوقف والحذر. ونزل من الجيب سهما مندفعا، يجر الذيل تيها، كأنه على الرئيس، رئيس.
ليل الإنقلاب، قلب العهد لوجه الدريب، ظهر المجن. فوضعت البلدات تحت المجهر، ينقبون في الدارت وفي السيارات وفي الحقول وفي البساتين، وفي القاطرات، عن النقيب، فلا يعثرون إلا على وجه خائف حزين كئيب.

5) كبسة الرجم

بعد إبطال الثورة، بوصول الجنرال فؤاد شهاب. وبعد إرتفاع الأسعار وجنوحها نحو الجنون. لم يعد أمام عشائر وادي خالد، سوى أكل الحجارة، خصوصا في “رجم بيت حسين”، وهم من “عرب العتيق.”
ألهبت عشائرهم منطقة الدريب، كلها.
فإرتعب الناس. وكانوا يخافون على حياتهم، إذا سرحوا وراء مواشيهم في الجبال، أو إذا نزلوا إلى أراضيهم في الحقول. كانوا يقتنصون الناس على الطرقات، وفي المنعطفات، ووراء الأجمات، وفي الينابيع وفي الوديان. مثل الطرائد. ينهبون القرى ليلا. ويسلبون المارة، ليلا ونهار.
يسيلون في الليالي، على الطرقات. وما تورعوا عن سلب الأتوماتريس، ولا القطارات.
كانوا ينتظرون موعد وصولها إلى المحطات، في “الموقف”، قبالة المشاتي وشدرا، وفي المحطة، قبالة العماير والمقيبلة والمشيرفة في وادي خالد. يكبسون المسافرين على حين غرة.حتى ضاق الناس بهم ذرعا، وصاروا يقولون: ” في كل واد بنو عوف”.
وإشتد أذى عشائر وادي خالد على الناس. وإشتد خروجهم وعصيانهم على الدولة. فأعلنوا حرب دويلتهم، على الدولة، بعيد إعلان “الدقوم”، “دولة وادي خالد الأبية (حرة مستقلة)”.
نزل الجيش لحفظ الأمن، بعد تمرد العشائر، وإعلان عصيانهم عن طاعة الدولة. فكان الناس يتعرفون على ألبسة الجيش المميزة عن عناصر المخافر. ويتعرفون على سلوك جديد، وعلى قطاع عسكري جديد، ما شاهدوه في منطقتهم، بعد إنسحاب الأتراك والفرنسيين.
فبعد الإستقلال، لبث العسكر في ثكنة بلدة عندقت، وما كانت آليتهم تعمل إلا لنقل المؤن وتبديل الجنود. كانت الحدود هادئة، وكأنها حدود بلا حدود.
طوال عشر سنوات وأكثر، ما شعر الناس في المنطقة ولا شعرت الدولة، أنها بحاجة إلى عسكر. “كانت المخافر، بمثابة نائب فاعل، يسد مسد الخبر.”
فصيلة الدرك في القبيات، وأربعة مخافر، وعديدها لا يتجاوز الثلاثين، كانت كافية لنشرء الأمن لما بعد الحدود.
كانت الحدود مرسومة في النصوص، لا في النفوس. وكانت الثقة عميقة بين الأهالي قبل إستلام “أبو عبدو”، “العهدة” على حمص. وقبل ان يستلم المعتمدون الجدد في ثكنة القبة أمن المنطقة.
وبعد تمادي العشائر مدفوعين للعصيان والطغيان، نزل الجيش لأول مرة، يفرض الأمن على الحدود. ثبت وجوده: قال للناس: “أنا هنا” فما فهم الناس، “وأوهى قرنه الوعل.”
كنا نرى، ونحن نمر بحواجز الجيش، أن بيد الخفير ، أوراقا، تحمل أسماء المطلوبين.
غير أن هؤلاء، ما كانوا يمرون على الحواجز. ولذلك ما رأيناهم يقبضون على أحد. ولا كانوا يسوقون أحدا. ذلك أن مجموعات المعتدين، تعرف متى تقوم بواجبها، وأين تقوم بواجباتها.
وكثرت شكايات الأهالي من إضطراب حبل الأمن، في منطقة الدريب، فقررت الحكومة الإقتصاص من العشائر، بعدما كانوا قد تعودوا عليها: يلوذون بها في زمن الثورة.
كانت الحملة على عشائر وادي خالد، حملة “منتصف الليل.”
حمل الجيش عديده وعتاده، على ظهور البغال. قدمها أهالي الجرود في عكار، بعدما طلبها من وجهائهم ومقدميهم، وتكتم على السر.
سار الجيش بالبغال إلى “رجم بيت حسين” في وادي خالد، كما سار هنيبعل بالفيلة إلى روما.
إستيقظت وأهلي وكثيرين من أهالي بلدتي، على وقع حوافر البغال على الحجارة والصخور، وهم يجتازون ثلاثة دروب وعرة، إلى الرجم. وصلوا إليها قبيل الفجر بقليل. تحوطوا قرى الوادي كلها. وإستراحوا، بعد أن ثبتوا مراكزهم ومواقعهم على مبعدة منهم.
ومع بزوغ الفجر، كبسوهم كبسة واحدة. فاجأوهم، وهم على مرمى النار منهم. فأرهبوهم وأفزعوهم، وصاحوا في جميع أرجاء الوادي، فأفاق المطلوبون، “يحسبون كل صيحة عليهم٠”. “كاد المريب أن يقول خذوني”.
ساق الجيش المطلوبين بالعصا، ولم يحتاجوا، إلى البنادق. لأنهم أبناءهم من زمن ثورة مضت.
ومضت الكبسة العسكرية على خير. وسيق الدقوم إلى ثكنة القبة، مخفورا، ودخلها معززا مكرما، ماثلا أمام المعتمدين الجدد، في الشعبة الثانية.
ومن ثكنة القبة، سمعنا نقلا عن المجتمعين ، بالتواتر، كيف أعلن الدقوم، “سقوط” العصيان والتمرد على الدولة. وإنتهت دولة الدقوم في وادي خالد.
وعادت العشائر إلى كنف الدولة. و لكن باي ثمن؟..
6) بدو الهجانة

سمعت الناس في قريتي، يتحدثون كثيرا، بعد رحيل الرئيس شمعون، عن أيام الرئيس شمعون. وعن النهضة بلبنان، وعن البحبوحة في عهده. وعن المشاريع التي أتى بها، للأهالي وأصحاب البساتين والحقول.
كانوا يتحدثون عن قنوات الري التي إستحدثها، فسهلت لهم ري أراضيهم. وعن شبكة الكهرباء التي أنارات بيوتهم. وعن تعبيد الطريق الرئيسية التي تصلهم بطرابلس، وعن رخص السكر والأرز والملح والقمح والخبز. فخف توجههم إلى حمص لشراء حوائجهم، وصاروا ينزلون إلى طرابلس ويتعرفون عليها. صاروا في عهد الرئيس شمعون، يشعرون أنهم لبنانيون. فنمت عواطفهم الوطنية، وعظم إحساسهم الوطني، وصاروا يشعرون أن طرابلس على بعدها، جاذبة لهم أكثر من حمص، على قربها منهم.
وأتى الأهالي، بالتعاون مع الأثرياء من خارج البلدة بسيارتين للنقل العام: واحدة ل”أبو جورج”، والثانية ل”أبو خليل” من بلدة شدرا المتاخمة وكانا سائقين متقاعدين من الجيش اللبناني. وأشترى الأهالي السيارات الصغيرة للأجرة، واحدة ل”أبو محمود” من بلدتي، والثانية، ل”خالد سوقية”، من بلدة مشتى حمود المتاخمة.
كان الناس يتحدثون عن عهد الرئيس شمعون، بأنه وجه لبنان الحقيقي الأصيل، بعدما غاب عنهم هذا الوجه اللبناني.
كان الناس في بلدتي، يتذكرون، عهد الرئيس شمعون بحسرة، بعد وصول الرئيس فؤاد شهاب، على الرغم من أنهم كانوا مؤيدين للرئيس فؤاد شهاب. وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعاطفون مع الثوار في طرابلس وسائر المناطق.
ما ثار الناس عندنا على الرئيس شمعون. وما حملوا السلاح في الثورة. كانت الثورة من صنف العشائر. في وادي خالد وأكروم وبيت جعفر. لم يكن لها عندنا ثورة، لعدم وجود العشائر، ولو كان الناس يميلون لتأييد الثورة.
وحين نودي على الجنرال فؤاد شهاب، رئيسا للجمهورية، عمت الإحتفالات، في المناطق، وعم الحزن في مناطق. أما الرئيس شمعون، فكان محفل جميع المناطق.
وبإرتفاع الأسعار، وتبخر المال، وإنبثاث رجال الشعبة الثانية، عيونا للعهد، تراجع التأييد الشعبي وصار الناس يتذكرون عهد شمعون بالخير. وأما الإنجاز الوحيد في المنطقة لعهد الرئيس شهاب، فكان شق طريق
“إكس دينار”، من وادي خالد، حتى حدود حنيدر وقرحة وكنيسة، قبالة بحيرة حمص، وصولا إلى هيت والقصير، وجبال القلمون المحاذية.
كان الإنفتاح على الحدود، لا مثيل له. عاد الناس، عن الذهاب إلى طرابلس يوميا، كما في عهد شمعون. وصاروا يتوجهون إلى حمص. ومع قيام الثورة، إنمحت الحدود بين البلدين. صار الناس يذهبون بسيارتهم وبسيارات الأجرة وبالبواسط إلى حمص. وعادت حمص بوصلة التجار والزوار اللبنانيين. وخسرت طرابلس أسواقها، في ظل الثورة، وتراجع دورها، في قضاء عكار كله. صارت حمص عاصمة عكار، وعاصمة الثورة عند عشائر عكار. وتقدمت القرى على الحدود، وصارت تعبر إلى القرى المحازية من الجانب الآخر للنهر الكبير الجنوبي بكل حرية.
كانت الثورة قد حجزت طرابلس، عن الأقضية المحيطة بها. فإندفع اللبنانيون، إلى المدن والبلدات على الحدود الموازية.
كان حرس الحدود لا يأبهون لدخول اللبنانيين بسياراتهم. وكان رجال الجمارك، لا يأبهون للتجار والمتسوقين. وكنت أذهب بصحبة والدي إلى حمص، فتبهرني جموع الناس، يرتادون أسواق حمص قبل الصباح. وكنت أجد فارقا بين هذة الجموع بين طرابلس عنها في حمص. كان طغيان العشائر أقوى في حمص من طرابلس.
كان الناس في بلدتي يتحدثون، عن ترحيب “أبو عبدو” بهم في زمن الوحدة. وعن إهتمامه بهم، مثلما كان رئيس شعبة المخابرات في القبة بطرابلس، يرحب بهم.
وشيئا فشيئا، صار نفوذ رجال المخابرات يقوى في طرابلس، مجاراة لنفوذ مكتب أبو عبدو في حمص.
صار الناس، يتراجعون عن أبواب المرجعيات والزعامات، في طرابلس وبيروت والقرى، كما كان الأمر في عهد الرئيس شمعون، ويقبلون على أبواب رجال المخابرات، في طرابلس وفي حمص، في عهد الرئيس فؤاد شهاب.
وبدأ الرئيس فؤاد شهاب يخسر الناس المدنين، ويربح الناس العسكريين، أو من تجندوا له منذ أيام الثورة.
وبعد الإنقلاب على الرئيس شهاب، والإنقلاب على الوحدة. صار الامر مختفا على الحدود.
بعد الإنقلاب على الرئيس شهاب، نزل الجيش عندنا على الأرض. وشعروا أن الحدود تهدد العهد. فإنبث المخبرون وكثرت الشائعات، عن دور الحدود. ووقف الجيش على خط الترانزيت، في البقيعةمن جسر العريضة إلى جسر قمار، يفتشون جميع الركاب في جميع السيارات، عن الأسلحة. فكانوا لا يعثرون إلا على الأمواس والسكاكين، فيأخذونها منهم بعنف، ويرمونها على الأرض قرب الحاجز الثابت الذي أقاموه هناك. ورأيت أنا بعيني، مشهد جبل عال وعظيم من الأمواس والسكاكين المصادرة من ركاب الترانزيت، ولو بحجم فتر.
صار الناس يعبرون الحدود خلسة عن عيون الجيش. وعيون المخبرين ، وعيون المجندين. فإزدهرت طرابلس وعادت لها أسواقها.
وأما عندما أطاح البعث بالوحدة، فكان المشهد مختلفا.
إنتشرت على الحدود فرق من البدو الهجانة، وصارت تمنع الناس من عبور الحدود. وأذكر أنني تعرفت عليهم، وأنا أجتاز “جسر الشيخ محيي الدين”، – وهو من أيام العثمانيين- الذي يصل بين بلدتي المقيبلة اللبنانية والمشيرفة السورية.
كنت أعبر فجرا من هناك، إلى بلدة المشيرفة، ومعي حمولة من برتقال البستان. كان أبي يعلم بوجد مراكزهم ومخيماتهم على الحدود. حدثني عنهم، وقال إنهم لا يتعاطون مع الأولاد.
نهرني الحارس الليلي من الهجانة، وهي فرقة من البدو،وأضاء في وجهي بيله. وتقدم نحوي بسلاحه، حتى تحقق مني. فوجدني أرتعب وأرتعد وأبكي. فأشفق علي. وطلب مني أن أحمل له معي عند قدومي، مرة أخرى، بطاريتين صغيرتين للبيل وبطاريتين أخريين، للراديو. ونقدني الثمن الذي يعرفه، ولا أعرفه.
كان البدوي من رجال الهجانة، رجلا شهما، لا يلوث يديه بالرشى.
إنتشرت فرق الهجانة بعد زوال الوحدة. وأغلقت الحدود في وجه العابرين اللبنانيين. فصار الأهالي يرسلون أولادهم إلى أسواق حمص طلبا للبضائع المحلية الرخيصة. وأما الرجال، فكانوا يذهبون إلى طرابلس لشراء المنتجات المستوردة. وفي هذة الفترة بالذات، إبان إستلام البعث، نشأت سوق البقيعة للتهريب. حيث عبور الترانزيت. وحيث توقف المركبات وتمهلها على الخط قبالة المحال التجارية، لتحمل البضائع المهربة إلى سوريا. وكان ذلك يتم تحت نظر رجال المخابرات السورية ورجال الجمارك أيضا، الذين يجوبون خط الترانزيت جيئة وذهابا لمنع المهربين أو للإتفاق معهم. أما الحدود القادومية البرية، بحراسة الهجانة، فكانت لا تعرف التهريب، إلا خلسة، وليس بالتواطوء.
حقا كان بدو الهجانة، أشد على الرجال، وأخف على الصغار. كانوا أمنع من رجال الشرطة ورجال الجمارك، على التواطؤ والرشى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى