المقالات

في المئوية الثانية…لا خلاص إلّا بالحياد! كتب : شربل دياب

طوى لبنان المئوية الأولى على تأسيس لبنان الكبير، تخللها وضع دستورٍ للبلاد وتعديله في الطائف، معركة الإستقلال، استقالة أول رئيس جمهورية، إفشال مُحاولة انقلاب القوميين السوريين، الوقوف بوجه المدّ الناصري، اصبح لبنان سويسرا الشرق، صلة وصل بين الشرق والغرب، مركز ثقافي ومغناطيس سياحي، اتفاق القاهرة وتسلّح الفلسطينيين، حرب عام ١٩٧٥، اجتياح سوري واسرائيلي، ساحة صراع، حرب أهلية، احتلال سوري، احتلال ايراني، أزمة اقتصادية، وباء… تطول اللائحة التي تكفي لتدوين كُتبٍ عديدة، لكن باختصار، عاش لبنان مئوية تخللها نجاحات وانتكاسات، فرحًا وحزنًا، حياةً وموتًا، لكنّ الهويّة والكيان انتصرا.
عصارة التجارب خلال المئوية الأولى افضت إلى قناعة سياسية لدى الكثيرين ان عزل لبنان عن الصراعات الإقليمية والمحاور الدولية شرط او مدخل للانطلاق في المئوية الثانية، فأطلق هؤلاء مبدأ الحياد وتبنته بكركي على لسان البطريرك الراعي.
الحياد هو عدم الانحياز أو الميل في المواقف إلى طرفٍ أكثر من آخر، خصوصًا في النزاعات أو الحروب. لا يشارك المحايد في المواجهات المسلّحة أو في التبادل الدبلوماسي أو السياسي، أمّا الحِيادُ الإيجابيّ في السياسة فهو عندما يقوم مذهب سياسيّ وضعيّ على عدم الانحياز إلى كتلة من الكتل المتصارعة دوليًّا، فالحياد موضوعيًّا يقصد به الوقوف على المسافة نفسها بين الجهات المتنازعة. أمّا قانوناَ فمبدأ الحياد، هو أحد المفاهيم المعقّدة في القانون الدولي العام، فلأول مرة، تضمّنت اتفاقيات 18 تشرين الأول 1907، التي وقّعت في مؤتمر لاهاي الثاني، نصوصًا تحدِّد حقوق الدول المحايدة والتزاماتها، وينصّ أحد بنود تلك الاتفاقية، على أنه لا يحق لدولة محايدة المشاركة المباشرة في نزاع مسلح أو مساعدة أحد الأطراف في النزاع من خلال تزويده بالرجال والسلاح.

تجربة سويسرا مع الحياد ينص على ألا تشارك سويسرا في أي حرب مسلحة بين الدول الأخرى. هذه السياسة مفروضة ذاتيا، دائمة، ومسلحة، ومصممة لضمان الأمن الخارجي وتعزيز السلام العالمي. سويسرا الإتّحادية لديها أقدم سياسة للحياد العسكري في العالم، حيث أنها لم تشارك في أي نزاع مسلح خارجي منذ أن تم إقرار حيادها بموجب معاهدة باريس لعام 1815. رغم أن القوى الأوروبية (النمسا وفرنسا والمملكة المتحدة والبرتغال وبروسيا وروسيا وإسبانيا والسويد) وافقت في مؤتمر فيينا في أيّار 1815 على ضمان حيادية سويسرا، إلا أن التصديق النهائي على ذلك تأخر إلى ما بعد هزيمة نابليون بونابرت، حتى تتمكن بعض قوات التحالف من غزو فرنسا عبر الأراضي السويسرية.
في المرحلة التالية من تاريخ أوروبا، شهدت القارّة العجوز على حربين عالميتين مدمّرتين، لكن بفضل الحياد تمكّنت سويسرا من الحفاظ على سلام أراضيها، واقتصادها، ونقدها وشعبها ما بين 1914-1918 و1939-1945.
الحياد في لبنان؟
لطالما عانى لبنان من دمار صراعات الإقليم، بحيث شاع المثل “كلّ ما تِحبل مرأة بالصين، بتخلّف ببيروت”، من هذا المنطلق يحمي الحياد لبنان عبر حصر القرار بيد حكومةٍ جامعة غير منحازة لأي محورٍ أو فريق، فيما لا يمنعنا الحياد من الدفاع عن أنفسنا تجاه أي معتدٍ إن كان عسكرياً أو دِبلوماسياً، مع العلم أن القانون الدولي يحمينا بشكلٍ علني من أي مكروه.
يحمي الحياد كياننا عبر إرساء العمل على أساسٍ وطنيّ وصريح ويؤمّن مبدأ المساواة بين مكوّنات المجتمع اللبناني كافّة ضمن إطار دولةِ قانون، لا فراغ فيها بل عدل واحترام. وفي السياق عينه يساعدنا الحياد على إعادة تأهيل علاقاتنا الخارجية، إقليمياً ودولياً، التي دمّرها انغماس فريق في محورٍ أبحر مؤخراً بعكس رياح المجتمع الدولي، ونُصبح بعيدين كلّ البعد عن مغامرات الحروب والدمار والشرذمة، بل نؤكّد على استقرار بلدنا السياسي الذي سيتبعه حتماً استقرار اقتصادي، نقدي واجتماعي.
ومن هنا معضلة العبور إلى الحياد تتمثل بإقتناع الأطراف الداخليين المنغمسين في لعبة المحاور بحجم الأضرار الاقتصادية والإنسانية التي تسببوا بها لكل اللبنانيين بمختلف اطيافهم، الاعتراف العلني بالويلات والأخطاء يحتم البحث عن المخرج المتمثل بالحياد، فمتى نعترف بما ارتكبت ايدينا.

شربل دياب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى