حدث منذ قليل

الكهرباء مقطوعة كالعادة في مثل هذا الوقت من النهار فلا كهرباء الدولة التي بالكاد تأتي ساعة واحدة في اليوم، ولا كهرباء مولّد البناية حيث أقطن وذلك بسبب التقنين القاسي الذي اعتمده رئيس لجنة البناية مشكوراً في محاولة يائسة منه للحفاظ على ما تبقى من مازوت في خزّان المولّد.
أنا أقرأ كتاباً وأنا أحاول تقطيع الوقت ولكنني في الحقيقة كنت أحس في كل لحظة أنني أقطع جزءاً من نفسي ومن كرامتي. فالوقت يأبى أن يمرّ سريعاً كما يحدث في المناسبات السعيدة واللحظات الحلوة. والعرق يتصبب من مسامات جلدي وينزل قطرة تلو الأخرى على صفحات الكتاب الذي أمسك به. أحاول استباق القطرة فأمسحها بمحرمة وأحياناً أتركها تستسلم للجاذبية فتكرّ نزولاً لتصطدم بالورق.
انا أجلس على كنبة وورائي باب البلكون وقد فتحته قبل قليل آملاً دخول بعض الهواء علّه يداعب إحساسي بالانتعاش بعض الشيئ، ولكن عبثاً أحاول، فلقد أصبح لدي الشعور أنه حتى الهواء اصبح مقطوعاً في البلد.
بدأت أغيّر موقع الكتاب كل بضع دقائق أمام عينيّ فقد جاءت العتمة لتتسرب إلى الحروف والكلمات التي بدأ بريقها يبهت وأصبحت القراءة السلسة شاقة.
لوهلة أحسست أن الكتاب بات يصدر جلبة غير اعتيادية، فتوقفت لبرهة، حتى ادركت ان الضوضاء تأتي من الشارع وكأنه صوت موتور سيارة دون عادم. ولا ادري ما الذي أغراني في اللاوعي بالخروج إلى الشرفة. وهنا كانت الصدمة التي لم أعرف حتى هذه اللحظة إن كانت إيجابية أو سلبية. نعم هي صدمة أن أرى شاحنة صغيرة عليها خزان مازوت لإحدى شركات التعبئة وهي متوقفة أمام مدخل البناية المقابلة والخرطوم يمتد منها ليصل في نهايته إلى خزان المولّد ما يعني أنها تقوم بالتعبئة. وبسرعة خاطفة أحصيت المرافقين لهذه الشاحنة. كانوا خمسة. نعم خمسة: السائق والمرافق الذي يقوم عادة بالتعبئة والمحاسب واثنين على دراجة نارية يعملان مرافقين أمنيين على ما يبدو بعدما كثرت في الآونة الأخيرة حوادث السطو على مثل هذه الشاحنات طمعاً في حمولتها.
ثم أنني أدركت ان أحد الأشخاص المتجمهرين هو ناطور بنايتنا ولاحظت إصراره على التفاوض مع المحاسب لربما غنم بعضاً من الليترات في خزان مولّدنا. ويبدو انه اقترب من النجاح في ذلك، إذ أنه فرّ راكضاً باتجاه مدخل موقفنا المفتوح على مصراعيه لتسهيل حركة مرور سيارات السكان عند انقطاع الكهرباء، هذا طبعاً اذا اعتبرنا ان هذه السيارات فيها بعض البنزين الذي اصبح بدوره شحيحاً لا بل نادرا.
ورغم حركة الناطور، إلا أن الحذر ظلّ يلازمني إذ لا شيئ يوحي بأن صهريج المازوت سوف يقبل ناحيتنا. وبعد عدة دقائق من اللهفة والانتظار تحرك الصهريج ويمم شطرنا ودخل إلى كاراجنا. وما هي إلا لحظات حتى بدأ بتفريغ النذر اليسير من المازوت وأنا أشاهده وأكاد لا اصدق ما أرى. سوف ننام الليلة وننعم ببعض الكهرباء والبرودة من المكيف.
وما هي إلا دقائق أخرى إلا والمولّد قد شُغِّل وصدح صوته عالياً واستنار البيت.
ملاحظة: أثناء كتابة هذه الكلمات وعند الساعة التاسعة مساء جاءت كهرباء الدولة وحُرمنا من الصوت الملائكي لمولدنا. هي ساعة بالأكثر ونعود لسماع أنغامه من جديد.
منقول


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development