الأمم المتحدة بعد ٨١ عاماً: هل فقدت القدرة على حماية العالم؟

بقلم: جهاد المغربي — باحث في العلوم السياسية
في كل ذكرى لتأسيس الأمم المتحدة، يعود السؤال الذي لا يهدأ: هل ما زالت هذه المنظمة قادرة على أن تكون الحارس الأمين للسلم الدولي؟
لقد وُلدت من رحم حرب عالمية دامية لتمنع تكرار الكارثة، لكنها اليوم تواجه اختباراً وجودياً.
فالعالم يشهد حروباً متزامنة في أوكرانيا، غزة، إيران ولبنان، بينما المنظمة تبدو عاجزة عن فرض قواعدها.
فالشرعية ما زالت قائمة، لكن الفاعلية تتآكل يوماً بعد يوم.
لماذا أُنشئت الأمم المتحدة؟
في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1945، وُلدت الأمم المتحدة لتكون منصة جامعة تمنع تكرار الكارثة. الهدف كان مزدوجاً:
- حفظ السلم والأمن عبر مجلس الأمن الذي أُعطي صلاحية إلزامية.
- إرساء الشرعية الدولية من خلال قواعد القانون الدولي.
- تعزيز التعاون في التنمية وحقوق الإنسان.
كانت الفكرة أن الشرعية الأممية تُقيّد منطق القوة، وأن الفيتو يُعطي القوى الكبرى ضمانة للبقاء داخل النظام بدل الانسحاب منه.
أوكرانيا: الفيتو يقتل القرارات
الحرب الروسية–الأوكرانية أبرزت حدود مجلس الأمن. حق النقض عطّل مشاريع أساسية، فانتقلت إدارة النزاع إلى تحالفات عسكرية. الشرعية بقيت، لكن الفاعلية تراجعت أمام منطق الردع.
إيران: النصوص بلا التزام
في الملف الإيراني، العقوبات والتهديدات تُدار خارج المظلة الأممية. القرارات تبقى حبراً على ورق حين تغيب الإرادة السياسية، ما يعكس أزمة الالتزام قبل أزمة النصوص.
غزة: ولادة مجلس موازٍ
إنشاء «مجلس السلام» لإدارة ترتيبات غزة فتح الباب أمام نظام بديل. الشرعية الأممية ما زالت قائمة، لكن الوظائف تنتقل تدريجياً إلى أطر جديدة، في مشهد يعكس تعدد الأطر في النظام الدولي.
لبنان: قرارات معلّقة بين النصوص والواقع
قرارات مثل 1701 وغيرها بقيت بلا تنفيذ فعلي. لبنان يقدّم مثالاً صارخاً على فجوة الإنفاذ، حيث تتحول الشرعية الأممية إلى خطاب سياسي أكثر منها قاعدة قانونية، في ظل نزاع داخلي–إقليمي يضعف الدولة ويجعل المنظمة عاجزة عن فرض قواعدها.
الشرق الأوسط في قلب الأزمة
الشرق الأوسط اليوم هو الساحة الأكثر اختباراً لشرعية الأمم المتحدة. من غزة إلى لبنان، ومن الملف النووي الإيراني إلى الحروب بالوكالة، يظهر أن المنظمة عاجزة عن فرض قواعدها في منطقة تُعتبر الأكثر حاجة إلى مظلة دولية. الشرعية الأممية هنا تتحول إلى أداة تفاوضية أكثر منها قوة إنفاذ، بينما القوى الكبرى تستخدم الميثاق كغطاء لمصالحها. هذه المنطقة تكشف بوضوح أن أزمة الأمم المتحدة ليست في النصوص، بل في غياب الالتزام السياسي، وأن تعدد الأطر الدولية يعيد رسم قواعد اللعبة على حساب الشرعية الأممية.
النظام العالمي: من الأحادية إلى تعدد الأطر
النظام الدولي لم يعد أحادياً ولا ثنائياً، بل أصبح متعدد الأطر:
- أطر رسمية مثل الأمم المتحدة تحتفظ بالشرعية.
- أطر موازية مثل مجلس السلام ومجموعة العشرين تدير بعض الملفات.
- أطر إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي وبريكس تفرض قواعدها الخاصة.
هذا التحول لا يعني انهيار الأمم المتحدة، بل تغيّر وظيفتها: من إدارة القرارات إلى توفير الشرعية الرمزية، بينما تُدار الحروب عملياً خارج الميثاق.
ثلاثة سيناريوهات أمام المستقبل
- الإصلاح التدريجي: تعزيز دور الجمعية العامة وتطوير الوساطة، لكنه يتطلب إرادة سياسية غائبة.
- التراجع الوظيفي: بقاء المنظمة شكلاً وانتقال القرارات إلى تحالفات مرنة، وهو المسار الأقرب اليوم.
- تفكك التعددية: إحلال منطق القوة والردع، احتمال أقل لكنه قائم مع تصاعد الحروب.
البقاء مع التراجع
الأمم المتحدة أُنشئت لتكون الضامن للسلم الدولي، لكنها اليوم تواجه أزمة فاعلية تجعلها أقرب إلى «البقاء مع التراجع» منها إلى الانهيار. الحروب الراهنة في أوكرانيا، إيران، غزة، ولبنان تؤكد أن الأزمة ليست في نصوص الميثاق بل في الالتزام السياسي. الشرعية موزعة بين مؤسسات رسمية وتحالفات مرنة، والسؤال لم يعد عن بقاء المؤسسة، بل عن بقاء القواعد التي أُنشئت لحمايتها، في عالم يُعيد تعريف الشرعية والقوة معاً.

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development