إحتلال طويل الأمد – د. قصي الحسين

لأنه ليس إحتلالا واحدا. لأنه إحتلالات عديدة و متنوعة. قبل الإحتلال وبعده. قبل الإستقلال الإسرائيلي. وبعده. لأنه من صنع نهايات الحربين. من صنع بلفور. من صنع سايكس- بيكو. لأنه أيضا، من نوع الحصارات. ومن نوع الثكن الداخلية تحت الأرض، وفوق الأرض. لأنه من نوع الحشد. حشد الطوائف. وحشد الأحزاب. وحشد القيادات والزعامات. وإقامة التوازنات. وتوزيع المحاصصات. لأن الإحتلال الذي يعاني منه لبنان اليوم قبل الإحتلال الإسرائيلي، وبعده. قبل الإنسحاب الإسرائيلي وبعده. هو نوع من أنواع الإحتلالات المتسرطنة، التي تتبيأ، والتي تتموه، والتي تتخفى، فهو لهذة الأسباب كلها، وربما لغيرها من الأسباب التي أغفلتها، سهوا أو عمدا، إنما هو بكل أسف، إحتلال طويل الأمد.
هذا النوع من الإحتلالات التي تتفشى في الطوائف. تضرب عقول زعمائها. تتسرب إلى أبنائها، تجعلهم يتورمون كما يتورم الدمل في الجسم البشري. فإذا ما جرحته، إزداد إنتشارا. وعظمت أذيته، وأسرع في الفتك، وفي التخفي، حتى تصعب معالجته. حتى تستحيل معالجته.
فضحت مرحلة التحضير للإنتخابات النيابية، الحالة اللبنانية الصعبة التي يعيشها لبنان، مع الإحتلالات التي تمهد لإحتلال طويل الأمد بعد اليوم. لا نقول هذا الكلام جزافا. فلا زال الإحتلال الإسرائيلي، فوق رأس لبنان. يكمن له في مزارع شبعا، وفي تلال كفرشوبا. وهو في كل برهة يهول عليه بالضربة القاضية. بالضربة القاصمة للظهر: في بناه التحتية وفي الجسور. وفي تقطيع الأوصال. وفي غارات الطيران المرعبة فوق المدن وفوق القرى، وفوق المنازل والمدارس والمستشفيات. هكذا نشأ الإحتلال في لبنان. وهكذا سيبقى. لأنه إحتلال من بناء خارجي. لإنه إحتلال من إخراج إستعماري/ صهيوني. لأن الإحتلال الداخلي، يستدرج هو نفسه، الإحتلال الخارجي.
جر الإحتلال الأسرائيلي إلى لبنان، كل أنواع الإحتلالات الأخرى. فلم تبق جماعة في لبنان، إلا وإشتغلت على نفسها، حتى تتصدر بطولات الدفاع، عن الكرامة الوطنية، وعن إستباحة حدوده الجنوبية والشرقية والغربية وحتى الشمالية أيضا. وعن إستباحة الأجواء. وإستباحة المياه الإقليمية. بطول الشاطئ اللبناني كله، من الشمال إلى الجنوب.
دع ذرائع المقاومة جانبا، وجميع أذرعها العسكرية. وقبلها المقاومة الفلسطينية، وجميع فصائلها. دع ما إستدرجته حروب إسرائيل على لبنان، وفي لبنان، من قوى عسكرية. هبت رافعة رايات التحرير. ترد عن الهزائم العربية. نكبة ونكسة من حرب ال48، إلى حرب حزيران وحرب تشرين. دع ما إستدرجته، من مجموعات إستخباراتية. ومن أنشطة مسلحة. وليس آخرها قوات الأمم المتحدة. وقوات الدول العربية. وقوات الردع العربية. وقوات “الفيجي”. فهذا كله إحتلال. بل إحتلالات بشكل أو بآخر. فهذا كله إحتلالات، بذريعة أو بأخرى. لا تستقيم بوجودها حياة الأوطان، مهما إدعت مقاومة الإحتلال.
الإحتلال الإسرائيلي المقيم والمخيم، كثير الغايات. لأنه إحتلال مخاتل. يعرف كيف يوجع اللبنانيين. يعرف كيف يستدرج إليه اللاعبين. يريد أن يجعل من أرض لبنان ملعبا خلفيا له. ملعبا دائما. ولذلك فهو يحتاج إلى كثير من اللاعبين.
يأتي إليه اللاعبون من شتى أنحاء الأرض. ينازلهم الإحتلال الإسرائيلي يوميا. فرادى ومجتمعين. ولا يمل اللعب بالدماء. ولا يمل اللعب بالأعصاب. فكل يوم له حكاية. وكل يوم يرمي في الساحة طابة. فتستنفر الجماعات اللبنانية وغير اللبنانية. وتحتل المواقع. وتحتل المراكز. وتحتل الإرادات. بحجة مقارعة العدو. بحجة مقاومة العدو. بحجة الإستعداد لمواجهة العدو. فتتكاثر الإحتلالات. بدل إن تنهزم. تكاثر الأمراض الخبيثة. ونراها تعظم. وتتعاظم. حتى أن المهرجانات الإنتخابية، تدخل في سوق المزادات. وأما المرشحون وجهاتهم وأحزابهم، ف”كلهم يدعي وصلا بليلى”.
حكاية الإحتلال الإسرائيلي، وسائر الإحتلالات التي أنهكت لبنان، وعجلت بأجله، مثل “حكاية الدجاجة والبيضة”. يقطع اللبنانيون وقتهم منذ تأسيس الكيان، وحتى اليوم، ليعرفوا من أتى قبل. الإحتلال، أم الإحتلالات التي سبقته إلى لبنان. و التي سوغت الإحتلال، وفرشت له الطريق وعبدته. وسهلت على إسرائيل بلوغ أطماعها منه. ما أخذت، وما تنتظر أن تأخذه. وليس “حقل كاريش” آخر أطماعها.
لبنان اليوم، محتل بوجوه كثيرة. أرضه محتلة، ولو بجدار. ولو بسور. ولو في تلة. وإرادته محتلة. ولو في شارع. وبلداته محتلة، ولو لحزب أو طائفة. ومياهه محتلة، ولو بالرصد. ولو بالتفاهمات. وبعد مئة عام، صار لبنان محتلا، من الصيارفة ومن القادة ومن الزعماء. ومن الأحزاب. ومن الميليشيات الخفية والعلنية على حد سواء.
لبنان محتل من السفارات التي تتدخل في شؤونه، ولو لملاحقة طائش أو مهرب أو سفيه. لبنان محتل الإرادة بالإفقار والتجويع، والتهديد والوعيد.
إحتلال يجر إلى إحتلال. ويصير الحشد جزءا من لعبة قديمة جديدة، وهي إستمرار الزعامات التي إحتلت مواقعها في السلطة، ولو أدى ذلك إلى إحتلال دائم، طويل الأمد. ولو أدى ذلك، إلى إحتلالات مواكبة، مراقبة طويلة الأمد.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development