طفح الكيل – د. قصي الحسين

حتى الآن، لا موعد بعد، لأولى جلسات البرلمان اللبناني. كأن الدنيا بألف خير. كأن اللبنانيين، ليسوا في إشتباك دائم، منذ (ثورة17-ت)، على تقديم الإنتخابات عن موعدها، لثلاث سنوات، أو لسنتين، بعد تبلور مجريات الأمور عند جميع القوى السياسية اللبنانية.
أراد الناس التغيير من خلال الإنتخابات، بعد تقليب جميع وجهات النظر، في جميع الإتجاهات. أرادوا أن لا يعودوا مجددا لعسكرة الساحات، بعدما جرت عليهم الويلات، في الحروب الأهلية وأخواتها.
لشدة الإندراج في طلب الإنتخابات، طالبوا أن تكون مبكرة، حتى يمنعوا العسكرة. ذهبوا أبعد من ذلك. وربما غالوا في طلب العجلة، لإجراء الإنتخابات. وقد صعدوا من مواقفهم في هذا الشأن. فدعا بعض الأفرقاء إلى الإستقالات من المجلس النيابي، إمعانا منهم في التعبير عن موقفهم، بأن الإنتخابات هي الحل، لإنتاج سلطة جديدة، تصلح من الشأن، وتحاسب وتعاقب، على ماإقترفته أيدي بعض الحكام، من الجنايات، بحق جميع اللبنانيين.
سارع عدد من النواب، وربما “تسرعوا”، أو لم “يتسرعوا” في تقديم إستقالاتهم. فإستمر المجلس في متابعة أعماله التشريعية، بالرغم من غياب عدد جم من النواب، لهم قوتهم التمثيلية بين الناس. وما حركت الإستقالات أذنا صاغية. ولا نفعت المناشدات القريبة والبعيدة. ولا نفعت الأصوات التي تدعو إلى التعقل، ودرء الفتنة. ولملمة الأوضاع المعيشية والإقتصادية. وقد صارت جميعها على الأرض.
أخيرا، حطت الإنتخابات بركتها على لبنان، وقد وصل بهم الحال، إلى أسوأ الأحوال: إنهيار قياسي جديد لليرة اللبنانية، ينعكس تفاقما في الأزمة المعيشية. وعتمة عامة شاملة، في جميع البلاد. ورئيس الحكومة نفسه، “يشكك” في إدارة وزير الطاقة لشؤون وزارته. ونائب رئيس الحكومة، “يهاجم” المصارف اللبنانية. مما يزيد في الطين بلة. أما صهر رئيس الجمهورية، فهو يحلق في فضاء آخر. يهدد بحملة جديدة لتصفية “الخونة” داخل تياره، التيار الوطني الحر. ورغم كل ممضات العيش ومنغصاته، فلا موعد بعد لأولى جلسات البرلمان اللبناني الجديد.
أيها السادة النواب، القدماء منكم والجدد. وطنكم وشعبكم في حفرة عميقة، منذ (ثورة 17- ت1). العتمة تعم البلاد. والخبز مفقود من الأسواق. والوقود ضرب الرقم القياسي في إرتفاع الأسعار، بحيث لم يعد بمقدور العامل أن يصل إلى عمله، ولا بمقدور الموظف أن يصل إلى وظيفته.
أيها السادة النواب، القدماء منهم والجدد. طفح الكيل. فأنتم مشكورون على إزالة البلوكات من دروبكم إلى المجلس النيابي. وعسى أن يتبع ذلك، إزالة جميع البلوكات حول القصر الحكومي. وحول القصر الجمهوري. ولكن الشعب، يطالبكم أيضا، بإزالة البلوك عن رئيس وهيئة مجلسكم. فتنتظم الجلسات التشريعية. وتعود الحياة الطبيعية إلى الربوع اللبنانية.فتسرعون العمل لتشكيل حكومة جديدة. ترفع عن عيون اللبنانيين، بلوك العتمة العمومية. كما ترفع عن صدورهم، بلوك الغلاء وبلوك الرغيف، وبلوك الدواء وبلوك الإستشفاء، وحتى بلوك ضخ الماء للبيوت.
حقا، طفح الكيل، أيها السادة النواب، العائدون والصاعدون. فالناس يستعجلونكم في كل شيء. وقد جعلتم من قبة البرلمان، قوقعة، تتحرك تحتها السلحفاة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development