المقالات

ناجح النجار يكتب: أوروبا أم موسكو.. من الخاسر بعد تسقيف الغاز الروسي؟

أزمة تلوح في الأفق بين دول منطقة اليورو، نتيجة البحث عن تأمين الغاز بعد دخول فصل الشتاء، حيث حالة من التخبط والانقسام اللذين تعيشهما القارة الأوروبية نتيجة البرد القارص، كنت قد تحدثت مؤخرًا من خلال تصريحات صحفية ومتلفزة حول خلافًا لا محالة سيحدث بين دول القارة، بسبب محاولة كل دولة على حدة تأمين شعبها من الغاز والنفط، وكما ذكرت أيضًا أن هذا الخلاف بات وشيكًا بين دول القارة الأوروبية وهو ما بدأ يحدث بالفعل.
سياسات وتصرفات دول الاتحاد الأوروبي لم تكن على قدر المسئولية تجاه الأزمة الأوكرانية، فعندما تغلق تلك الدول أو توقف تدفق الغاز والنفط الروسيين بأيديها، فيُعد ذلك كارثة على اقتصادات ومستقبل دول القارة، لاسيما أن تسقيف سعر النفط عند مستوى يتراوح ما بين 65 إلى 70 دولارًا للبرميل الذي لا يزال هو الأعلى من سعر التكلفة في إنتاج النفط الروسي، ولا يزال يحقق أرباحًا للخزانة الروسية على عكس التوقعات أو الرهانات الغربية.
البنك المركزي الروسي
“المرأة الحديدية” – إلفيرا نابيولينا محافظ البنك المركزي الروسي – نجحت حتى كتابة هذه السطور في تمويل الحرب أو العملية الروسية في أوكرانيا، ذلك أن دول وقادة الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى التريث قليلا قبل فرض أو إطلاق مزيد من العقوبات التي لم تحقق أهدافها تجاه روسيا، فالخاسر الأكبر هى شعوب دول القارة، حيث اقتصادات تأزمت ومصانع توقفت، ومعدلات تضخم ارتفعت إلى مستويات قياسية، وبرد قارص يعاني منه المواطن الأوروبي.
يمكن القول ووفق بعض التقارير إن إلفيرا نابيولينا هي الجنرال الوحيد الذي لم يخذل الرئيس الروسي في أيام “السلم والحرب”، كما أنها نجحت وعلى مدى سنوات عملها في إعداد بلادها للتعامل مع “اقتصاد العقوبات”، الأمر الذي مكّن روسيا من استعادة زمام الأمور المالية بسرعة منذ بدء عمليتها في أوكرانيا.
المرأة الحديدية وتمويل الحرب
برزت سياسات نابيولينا من جديد في الأيام الأولى للحرب الروسية الأوكرانية عندما اجتاحت الروبل موجة دامية من التراجعات وصلت إلى فقدانه ما يقرب من 60% من قيمته، فقررت “سيدة المعارك” اتخاذ إجراءات سريعة لتهشيم عظام المنافسين، وذلك عبر رفع سعر الفائدة من 9.5 إلى 20% آنذاك، بهدف وقف نزيف سحب الأموال من البنوك.
كما قامت محافظ البنك المركزي الروسي، بفرض شراء الروبل بنسبة 80% من العملات الأجنبية على الشركات الروسية، ووضعت سقفًا للسحوبات والتحويلات للخارج بالعملات الأجنبية، لكن الضربة القاضية لمفعول العقوبات أتت بالطلب من الدول “غير الصديقة” دفع ثمن الطاقة الروسية المصدرة بالروبل.
وكما ذكرت مؤخرًا في تصريحات صحفية ومتلفزة، أن خطة تسقيف أسعار الغاز الروسي ستكشف مدى الانقسام الأوروبي بعد فشل الزعماء الأوروبيين في اتخاذ مواقف موحدة تجاه خطة العقوبات على موسكو وهذا ما ظهر جليًا بالفعل، مما سيجعله فصل شتاءً هو الأسواء على المواطن الأوروبي.
ومع أن الخطة الأوروبية تستهدف تقليص عائدات موسكو النفطية إلى مستوياتها قبل عمليتها العسكرية في أوكرانيا، مع استمرار وجود الخام الروسي في السوق العالمية، من أجل تجنب مزيد من الارتفاع في الأسعار، لكن ذلك انعكس في ظهور الاحتجاجات في دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيث تعطل خدمات ومرافق، مثل الأطقم الطبية والسكك الحديدية والقطارات.
موقف دولتا الصين والهند
وتشير التوقعات والتقديرات وفق خبراء ومحللين أن التحدي الأكبر الذي يفرضه قادة القارة العجوز لنجاح الخطة في ضم أكبر عدد ممكن من البلدان، لأن فرض سقف على أسعار النفط لن يكون مُجديًا، إلا إذا شاركت فيه الدول المستوردة الكبرى، وعلى رأسها دولتا الصين والهند وهو أمر قد يكون من الصعب تحقيقه بسبب العلاقات الصينية الهندية مع موسكو.
في المقابل، هددت موسكو وقف شحنات النفط والغاز إلى الشركات أو الدول التي تفرض مثل هذه القيود على الغاز والنفط الروسيين، وحذرت من أن هذه الخطوة التي وصفتها بـ “العبثية” ستتسبب في زعزعة استقرار السوق وأمن الطاقة.
خلافات بين دول الاتحاد
وكالة “بلومبرغ” أكدت أيضًا إلى خلافات سياسية وجوهرية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستقع بشأن عدم نجاح الخطة، مبررة ذلك لمخاوف تتعلق بأمن الإمدادات، إذ ترى دولا أنه تحديد سقف النفط بين 65 و 70 دولارًا للبرميل، مرتفع، في حين يراه آخرون منخفضًا ولن يؤثر في جنيّ الأرباح لروسيا.
كما أوضحت دول، مثل كبولندا وليتوانيا وإستونيا، أن سعر السقف مرتفع للغاية، فهذه الدول تريد تحديد السعر بناءً على تكلفة الإنتاج أي (تكاليف الإنتاج التي تبلغ نحو 20 دولارًا للبرميل).
بينما رفضت دول، كـ هنغاريا وسلوفاكيا والنمسا، التي تستورد كميات كبيرة من الغاز من روسيا، ضد فرض سقف على الغاز الروسي، خشية الرد الروسي بوقف الإمدادات عنها وضرب اقتصاداتها.
وبين هذا الخلاف وذاك، اتهمت الحكومة الإسبانية، المفوضية الأوروبية بأنها “تهزأ بالعالم” عبر مقترحها تحديد سقف موقت لسعر الغاز الروسي، مؤكدة أنها ستعارض ذلك بشدة.
زيادة أسعار الطاقة دوليًا
وقد حذرت بورصات الطاقة الرائدة في أوروبا من مخطط وضع سقف لأسعار الغاز الطبيعي، لأن هذا الإجراء من شأنه أن يهدد أمن الإمدادات والاستقرار المالي في المنطقة الأوروبية وضرب اقتصاداتها، كما أضافت أن هذا الإجراء لن يحقق الهدف المطلوب المتمثل بخفض تكاليف الطاقة.
وكالة الطاقة الدولية من جهتها، أوضحت أن محاولة حرمان روسيا من الإيرادات سيؤدي إلى مزيد من عدم اليقين لأسواق النفط، وسيضيف مزيدًا من الضغوط على أسعار الطاقة، كما بينت صحيفة “بوليتيكو” إن “المسؤولين الأوروبيين باتوا يعبّرون عن استيائهم من سياسات البيت الأبيض في العلن، ويقولون إن واشنطن تجني أرباحًا هائلة من الأزمة الأوكرانية على صعيد إمدادات الطاقة لأوروبا، مقابل أربعة أضعاف الثمن الروسي، في حين أُغلقت عشرات المصانع في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبعض دول القارة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
خلاصة القول إذن.. ومن هذا المنطلق، تُعد “القارة العجوز” هى الخاسر الأكبر من تسقيف سعر الغاز الروسي، فالمحاولات الأوروبية للضغط على روسيا، عبر التقليل من الاعتماد على الطاقة الروسية، سيكون لها ارتدادات قاسية على الدول الأعضاء الـ27 وهو ما بات يطفو على السطح حاليًا، مما ساهم في زيادة أسعار الغاز بنسبة 90% بجانب مخاوف من انقطاعات حادة ومتكررة قد تحدث في التيار الكهربائي سيعاني منها المواطن الأوروبي خلال الشتاء الحالي.
بقلم: ناجح مصطفى النجار
الكاتب الصحفي- باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى