ثقافة

كتاب التاريخ المدرسيّ الموحد أقره الطائف وحال دونه متضررون هاكم مشروعاً لإعادة كتابة التاريخ بصدق وشفافية للدكتور محمد علي ضناوي( )

الحلقة الأولى:
أيّاً تكن مبررات اعتراض مجموعة من اللبنانيين على مناهج الكتاب الموحد للتاريخ، وهو الكتاب الذي ورد ذكره في وثيقة الطائف، كمحاولة جادة لإنشاء ذاكرة وطنية موحدة عند أجيال لبنان، فإنه اعتراض يدور حول إغفال أحداث كبرى وقعت في لبنان في بداية القرن الواحد والعشرين، ومنها ما يتعلق بمجريات ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما نتج عنها، وما أطلق عليه ثورة الأرز، وما رافق تلك السنوات من أحداث أليمة، وانقلاب خطر في موازين القوى الداخلية، ومنه استخدام “المقاومة” سلاحها في الداخل اللبناني.
ومن البديهي القول: إنّ كتاب التاريخ الموحّد، إما أن يكون موحِداً لمجموعات المواطنين عاكساً للأحداث بصدق، ويُكتب بأقلام مؤرخين يشكلون معاً مرآة الوقائع على حقيقتها، مكتوبة بقواعد التأريخ وصدق المؤرخ، يزينها تحليلٌ يرمي إلى كشف الحقائق. وإما أن يكتب بخلفية ماكرة تُخفي الكذب عن التاريخ، ومن ثم تدعي الصدق والشفافية، فتنشأ الأجيال على مفاهيم خاطئة، الأمر الذي يؤدي إلى تربية ونشوء أقرب إلى السلبية بسبب أكاذيب أو أباطيل، فيدركون إذ كبروا ودخلوا خضم الحياة العامة، أنّ لبنان حكومةً، ووزارة التربية تحديداً ،قد كذبتا عليهم، (إذ زورتا) التاريخ خلاف واقع “لبنان الانتداب” و”الاستقلال” و”الطائف” و”لبنان عصرنا”. وهو ما يترك سلبياتٍ عديدةً في ذاكرة الأجيال؛  تأخذ مسارها إلى سلوك خاطئ كردة فعل على الأكاذيب. وهو أمر تنبّهت إليه وثيقة الطائف، إذ دعت إلى إقرار كتاب مدرسي موحد للتاريخ،.يفترض فيه أن يعكس الحقيقة. ومع ذلك، وبعد أكثر من عقدين من الزمن من تاريخ صدور الوثيقة، نجد أنّ كمّاً كبيراً من الكتب التاريخية، تتحدث عن تاريخ واحد يختلف في روايته في قليل أو كثير عن مرآة التاريخ الصادقة، فبعض الكُتّاب لا يزال يرفض أن ينقل الحقيقة بصدق وتجرد إلا على طريقته وهواه.
*    *    *
ولئن شكا اليوم عددٌ من الأقطاب مناهج الكتاب “الموحد” الملوَّح باعتماده، فإننا شكونا، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة، افتئات المناهج على حقائق التاريخ، وكيف أن هذا الافتئات ولّد ظلماً وتعسفاً في ذاكرة الأجيال، فأوجد في لبنان حروباً عديدة، شهدها لبنان “المُنشأ بالانتداب”، والمستقل: دولة ذات سيادة، وبخاصة في سنوات 1958 وما بعدها في عامي 75و76، ومن حروب مختلفة هنا وهناك في سنوات ما بعد حرب السنتين إلى يومنا هذا. إذ هذه الحروب وجدت البيئات الحاضنة، وهم أجيال لبنان المشبعةُ ذاكرتُهم بفصول وأبحاث ودروس ومناهج، كتبها (مؤرخون) غير صادقين مع أنفسهم ومع الحقيقة ومع لبنان.
*    *    *
إن كان للمعترضين، على مناهج مشروع الكتاب المدرسي الموحد لتاريخ لبنان، وجهة نظر مشروعة، حيث إنه لا يصح تجاوز أحداث هامة وخطيرة، ولا تضخيم أحداث أخرى على حساب تلك، ولا إضفاء الغِشاوة على وقائع معينة، ولا التعتيم بضوء خافت على أحداث محددة، فإن تاريخ “الأرض” التي عُرفت بعد الانتداب بدولة لبنان الكبير، ثم بعد الاستقلال بالجمهورية اللبنانية، شهدت في الحقب الماضية، حتى تاريخه، افتئاتاً وتزويراً كبيرين.. ونحن اليوم نعيش بعض هذا (التزوير)، حيث يعرف كلٌّ منا الأبيض من الأسود من الأحداث، ولو جرى تبييض الأسود وتسويد الأبيض بفعل كتبة الأحداث!! والتاريخ شفاف جداً، إن لم نصنه، بالحقيقة والصدق، تكسّر، وبات وبالاً على الأمة.
إن كان لتاريخ “الحاضر” أربابه، يدافعون عنه ويطلبون “ايراده”بصدق ـ ونحن معهم ـ فإنّ الماضي ـــ منذ الفتح العربي الإسلامي وحتى الانتداب ـــ يفتقد المعترضين على التزوير، وعلى تغيير الحقائق وطمس الوقائع وتهميش المناطق، كما يفتقد الذين يملكون الجرأة الكافية لإعلان رفض التاريخ الماضي دون تمحيص وتسديد، ودون تنظيفه من التزوير والكذب ومن الافتراء.
من أجل إحقاق الحق، ووضع كتاب تاريخ مدرسي مميز ومنصف في هذه المرحلة المهمة من تاريخ لبنان، وقياماً بالواجب وإنصافاً له نجد من واجبنا، ضمن مناسبة توحيد كتاب التاريخ المدرسي، متابعة ما بدأناه  منذ عام 1987، عندما أصدرنا كتابنا “قراءة في تاريخ لبنان والمنطقة”. وعلى هذا، نعود لنؤكد هنا أن مناهج كتاب التاريخ يجب أن تعاد قراءتها وكتابتها بتمعن شديد، وتدرس بعناية عالية وشفافة، ابتداءً من الماضي السحيق زمن الفينيقيين، لا من النهاية، أي من ثورة الأرز وربيع العرب. فالتاريخ حلقات متصلة، ولا يجوز دراسة الأحداث الجديدة وإهمال الأخرى القديمة، فذلك يؤدي إلى الخلل، ويُجزّئ الموحد، فيغدو قارئ التاريخ داخلاً أبراج بابل لا يفقه شيئا ولا يعي كلاماً، ويصبح بلا ريب ناظراً بعين واحدة لا بعينين. وهنا يقع التزوير والتحريف والطمس، وتضيع الهوية، وتنشأ أجيال متصادمة، فهي إن سمعت لم تر، وان رأت فلا تتكلم، وتبقى تدور حول محاور لا يُعرف كُنهها، ومن ثم نكذب على تاريخنا ونصدق ما كذبنا، وإننا إن لم نقرأ التاريخ بصدق وبوثائق، وبربط وضبط دقيقين، فإننا نكون قد أضعنا الماضي والحاضر والمستقبل.
*    *    *
في هذه الحلقة، نضع “المقدمات” برنامجاً ومنهاجا لدراسة حقيقية، تشمل تاريخ كل (الأرض) التي أصبحت لبنانية: من “الجبل” الأشم” لبنان، إلى “المحافظات” التي أُلحق بها “الجبل”، أو ألحقت هي به، لنصل في النهاية إلى تاريخ شامل حقيقي يطلع عليه الطالب والمثقف والجندي والسياسي..
من خلال الاطلاع على مناهج وزارة التربية والمناهج الجامعية، وعلى مجمل الكتابات التاريخية التي تحدثت عن “تواريخ” لبنان، نجد أن تاريخ جبل لبنان يكاد يكون هو تاريخ لبنان، فكأن لبنان هو الجبل والجبل هو لبنان… أما تاريخ المناطق التي ألحقت بالجبل لتُكوّن دولة لبنان الكبير فلا تأريخ لها، إلا بالقدر الذي يخدم تاريخ أمراء الجبل أو يرتبط بهم… وهكذا تنشأ الأجيال اللبنانية من كافة المناطق وهي تشرئب بأعناقها نحو الجبل، تلتقط كل شاردة وواردة عن أمرائه ابتداءً بفخر الدين، وانتهاء بالمتصرفية، مروراً ببشير الأول والثاني والثالث…بينما نرى هذه الأجيال، بمن فيهم أبناء الجبل، لا تعرف شيئاً عن تاريخ “المحافظات الأربع الأخرى”: طرابلس وبيروت وصيدا والبقاع، “اللهم إلا النذر اليسير”، وكأن التمييز في المناطق، في لبنان الكبير الحديث، لم يكن في المواطنية فحسب، وإنما تعدى ذلك إلى الإهمال المتعمد لتاريخ تلك المناطق، لكي تشبَّ الأجيالُ مقتنعةً أن الجبل ومواطنيه هما لبنان الوحيد والأصيل والجدير بالاهتمام والتأريخ.
ومما لا شك فيه أن سياسة قاصرة كهذه، لا تستهدف مصلحة البلد ولا تنصف الحقيقة، كما لا يمكن أن تعمّر طويلاً. فصحيح أن لبنان الكبير اصطُنِعَ في العشرين سنة الأولى من القرن العشرين، بإدارة فرنسية وموافقةٍ “مارونية”، وبرفض إسلامي في سائر المحافظات الأربع إلا الجبل، إلا أن لبنان الاستقلال وُجد بإرادة المسلمين قبل الموارنة وسائر المسيحيين… واتخذ شكلاً سياسياً وصيغة غير متوازنة، كوّنت على الأيام بُؤرَ تفجّر، تلتهب في كل مرة تهبُّ فيها على هذا البلد رياحُ التدخل الأجنبية والإقليمية…
وفي اعتقادنا، أن منهج التعليم هو من الأسباب التي أَنشأت (في اللاوعي عند أجيال ما بعد الاستقلال) وهم اليوم  ـ أداة التفجير والتغيير  ـ، حالةً من التشنج والتعقيد ضمن معادلات ذلك المنهج “التربوي” الأعرج، وعلى سبيل المثال، فقد تعمد المنهج تضخيم الجبل على حساب المحافظات الأربع، فنبت ابن الجبل يصحبه الغرور والفوقية، بينما نرى أن بقية المناطق تعيش حالة الغبن في التاريخ المسلوب.
أما وأنّ لكل قاعدة استثناء، والاستثناء يكشف “لا وطنية” واضعي المناهج السابقة والمعتمدة. فتاريخ الساحل اللبناني والبقاع يُدرّس بعناية في العصور القديمة، حيث الأشوريون والكلدانيون والرومان وقبلهم الفينيقيون.. أما عندما يأتي دور الفتح العربي الإسلامي، فالحديث عن الساحل شبه معدوم، في المرحلة السابقة للحروب الصليبية.. ثم يدرس الساحل ـ في تلك الحروب ـ كإمارات صليبية، لا كحركات جهادية ضد المحتل الغاصب… كما لا تدرس طبيعة وكيفية علاقات الموارنة مع المسلمين من جهة، ومع الصليبيين من جهة أخرى، ولا كيف أن بشري المارونية ـ مثلاً ـ، وهي الثقل الماروني يومئذ. فقد تعاونت بشري مع مسلمي دمشق أثناء زحفهم لتحرير طرابلس من ربقة الصليبيين، ولا كيف أن الموارنة انقسموا على أنفسهم إزاء الصليبيين، ولا كيف أنّ هؤلاء اضطهدوا أهالي بشري المناوئين لهم، وغلّبوا الاتجاه المتعاون معهم، مؤثرين فيهم حتى في عقيدتهم اللاهوتية.؟؟‍‍‍‍‍! ثم يعود السياق التاريخي، ليتحدث حديثاً مجتزأ وسريعاً عن آل عساف في بيروت وغزير، فإذا به ينقلنا بعدهم، ببحبوحة وراحة، إلى الأسرتين المعنية والشهابية باعتبارهما من الجبل، فمجازر القرن التاسع عشر، فالقائمقاميتان، فالمتصرفية، فجمال باشا “السفاح”، فالانتداب، فلبنان الكبير…
ولا شك أن من يقرأ التاريخ بهذا الشكل، يرجح أن الساحل لا تاريخ له، أو أنه ذو تاريخ هامشي بالنسبة للجبل، لذلك لم يُدرس منه إلا ما كان مرتبطاً بأحداث الجبل. كما أن المشكلة الكبرى التي تشد الباحث، وتكشف سوء قصد واضعي المناهج، هي أن الجبل لم يكن ــ منذ الفتح الإسلامي وحتى المتصرفية ـــ ولاية بنفسه، بل كان دوماً جزءاً تابعاً في قسمة الشمالي لولاية طرابلس، وبقسمة الجنوبي لولاية صيدا. فصيدا وطرابلس ولايتان مهمتان وأساسيتان، امتدت حدودهما، في فترات تاريخية،لأنطاكية شمالاً ولغزة في فلسطين جنوباً… وكانتا ذاتي حضارة وصناعة وتجارة وعمران، ولعبتا دوراً مهماً في تاريخ المنطقة عموماً، وفي جبل لبنان على الأخص. ويكفي أنه بسبب ولاية طرابلس ابتدأ الصراع لاهباً بين إبراهيم باشا والدولة العثمانية عام 1832،حتى كاد يصل إلى أسوار استنبول. فلا يعقل أن تدرس إقطاعيات جبل لبنان التابعة لولايتي طرابلس وصيدا وتُهمَل الولايتان، إلا ما كان من تاريخهما ضرورياً لتوضيح صورة الجبل.؟!!
ونحن هنا لا نعترض على دراسة الجبل… فدرسه ضروري وواجب، غير أن المعادلة أيضاً واجبة وضرورية في دراسة معمقة ومفصلة في ولايات الساحل، ندرسها بكونها هي الأساس، نرسم من خلالها صورة أمراء الجبل، أو الدروز، أو مقدمي بشري وكسروان… كما ندرس ولاية دمشق بامتدادها إلى البقاع، ودورها مع أمرائه في تاريخه الطويل!.
وفي ترجيحنا، أنّ واضعي “مناهج التاريخ” قصدوا الوصول إلى النتيجة التي رسمناها… فقلبوا الأمور، وجعلوا الجبل أساساً لمحور التاريخ اللبناني، بدل أن يكون تابعاً لمحورين آخرين، هما ولايتا طرابلس وصيدا، حسب الواقع التاريخي. مستهدفين من وراء ذلك إيجاد نشء ينقاد بصورة غير إرادية إلى تبني محورية الجبل، وتركيز اهتمامه حوله، قابلاً بفوقيته. مع ما يستتبع هذا من حصر الرئاسة الأولى بالموارنة، الذين رسمهم التاريخ قوة فاعلة وأساسية… غير أن حساب واضعي المناهج في الماضي، لم يتطابق مع محصلة المسخ والاجتزاء، فأدى ذلك إلى تأصيل التنافر بين مجموعات السكان بدل التبعية التي أرادوها…!!
وفي ترجيحنا أيضاً، أنّ أولئك ما كانوا ليطمسوا معالم التاريخ في بلاد الساحل والبقاع، إلا لكونها مسلمة تتبع بصورة شاملة “الدولة الإسلامية” في دمشق وبغداد والقاهرة واسطنبول. فالمسلمون  ــ اللبنانيون عند ولادة لبنان الكبير ــ كانوا مع بلادهم جزءاً لا يتجزأ من الدولة، يتبعونها في كل استراتيجيتها، ولا ينفصلون عنها في المفاهيم والشريعة والحضارة… حتى إن طرابلس ـ التي بسببها جرى التصادم بين إبراهيم باشا والسلطنة العثمانية ـ رفضت الحكم المصري، حين صدر عن السلطان العثماني أمر يقضي بأن محمد علي وابنه عاصيان على الدولة. ثم إن طرابلس لما سمعت بأسر إبراهيم باشا في مدينة الخليل، بواسطة الثوار الفلسطينيين، لبست ثياب الفرح والابتهاج، وأقامت الموالد والاحتفالات احتفاءً بقرب عودة الدولة العثمانية إليها… فلا يصح في نظر منظري التاريخ اللبناني ـ وأكثرهم موارنة ـ وسواهم إيلاء الساحل الإسلامي أهميته التاريخية، ودراسته على أنه هو صاحب السيادة الفعلية على الجبل في شماله وجنوبه… إذ إنّ دراسته بشكل مواز ـ على الأقل لدراسة الجبل ـ يُذْكي روح الوحدة، ويؤكد مشاعر الاندماج مع سائر العرب المسلمين في المنطقة… كما يقرر ـ من جهة أخرى ـ الواقع التاريخي الصحيح، أن الجبل المجزأ كان بقطاعاته تابعاً لا متبوعاً، وكان جزءاً من الساحل وليس كياناً قائماً بذاته… وتلك رؤية تتناقض مع الأهداف التي سعى إليها ـ بجهد شاق متواصل ـ مؤرخو المارونية وسواهم، وهم الذين وضعوا المناهج التاريخية اللبنانية؟؟؟ وهي التي تحتاج إلى إعادة كتابتها للأجيال الصاعدة بالصدق وبالـنقل الأمين.
*    *    *

كتاب التاريخ المدرسيّ الموحد
أقره الطائف وحال دونه متضررون
هاكم مشروعاً لإعادة كتابة التاريخ بصدق وشفافية
للدكتور محمد علي ضناوي( )
الحلقة الثانية :
فمن أجل هذا…
ومن أجل الحق والأمانة التاريخية…
ومن أجل لبنان الواحد… لا بد من إعادة كتابة تاريخ لبنان من جديد، لننفي عنه أولاً التزوير والتحريف والتضخيم والتدليس، ولنثبت فيه الحقيقة ما وسعنا ذلك دون تكلف ولا محاباة…
وكمحاولة أولى، نرى واجباً علينا توضيح بعض الجوانب الأساسية لهذه الكتابة، وأعرضها كمراحل لدراسة الماضي حتى إقامة دولة لبنان الكبير، وهي مناهج تصلح أساساً لكتابة تاريخ دولة لبنان الكبير إلى أيامنا هذه.
1.    لا بد من مؤسسة متوازية تتصدى لهذا العمل الخطير، فالأعمال الفردية ـــ على جلالها ــ لا يمكنها منفردة أن تفي بالغرض، مهما حاول صاحبها أن يكون متجرداً، لأنها تبقى حاملة لطابعه ومعطياته ومتأثرة بثقافته وبيئته.
2.    على هذه المؤسسة أن تتحرر من تراكمات الكتابة التاريخية المارونية، وأن تعتبر ما كتب حتى تاريخه يخضع بكامله لأسس التقويم والتمحيص والمحاكمة، وفقاً لأصول التأريخ الصحيحة وأدواتها السليمة وسندها المتين.
3.    أن تسعى تلك المؤسسة لتكمل في أرشيفها كافة الوثائق التاريخية المنتشرة هنا وهناك، لدى الحكومات أو الجامعات أو المتاحف أو المكتبات أو لدى الأفراد…
4.    تضع المؤسسة مبادئ العمل ومقوماته، ومنهج الكتابة وأساليبها، والقواعد الأساسية التي تحكم تطلعاتها وأهدافَها… على أن لا تستهلك المؤسسة نفسها بالاهتمام بتاريخ ما قبل الفتح الإسلامي، أي بالتاريخ القديم، فذلك على أهميته لا يثير إشكالاً كبيراً، ولا بد من الانطلاق ـ بصورة جذرية ـ من القرن السادس الميلادي فصاعداً…
وإلى أن تتحقق هذه الأماني، تبقى الكتابات الفردية الذاتية، التي تحاول تقويم الاعوجاج وكشف التزوير وكتابة التاريخ من جديد، واجباً ضرورياً، بل فرض عين على القادر.
…فمثل هذا… جهاد واجب، وعلى الفارس المجلي أن لا يتخلى عن حلبته، وأن يتقدم بخطوات ثابتة نحو أهدافه. فضلاً عن أن تلك الكتابة ستكون إحدى ركائز تقويم الانحراف التاريخي وبالتالي بناء الأجيال على أسس قويمة وصادقة.
*    *    *
… وكمحاولة أولى لإعادة كتابة تاريخ لبنان من جديد، أطرح عناوين لدراسات شاملة حول تاريخ هذا البلد، منذ بداية الفتح الإسلامي حتى نهاية الأسرة الشهابية، والأحداث التي أعقبتها في سنة 1841…إلخ.
1.    اعتبار أن تاريخ لبنان لا يشمل الجبل فقط، وإنما يتعداه إلى كافة المحافظات التي يتألف منها لبنان اليوم، واعتبار أن تاريخ كل “المناطق اللبنانية” هو تاريخ وطني واحد تجب دراسته بتعمق وموضوعية.
2.    دراسة “المناطق اللبنانية” جميعاً ضمن واقعها التاريخي، فلا يجوز تحريف التاريخ من أجل حدود إقليمية للدولة اللبنانية المحدثة، فإذا كانت طرابلس في العهد العثماني مثلاً ولاية، تتبع لها مقاطعات تمتد جنوباً حتى بيروت، وشمالاً حتى أنطاكية، كما يتبع لها أكثر الجبل، فينبغي دراستها على هذا الأساس، لا كمدينة في حدود لبنان اليوم الذي أوجده الجنرال غورو في ظل انتداب مقيت… وتستتبع هذا دراسة تداخل “المناطق اللبنانية” بالمنطقة المحيطة بها، كونها جزءاً لا يتجزأ منها، واستحالة الفصل بينهما، واعتبار ذلك من المسلمات…
3.    دراسة سوسيولوجية لسكان “المناطق اللبنانية” عند الفتح الإسلامي وبعده، ودراسة الهجرات الأساسية التي تمكنت من رسم الصورة الحالية لسكان لبنان، سواء منها الهجرات الإسلامية العربية، أو التركمانية، أو الأيوبية، أو الهجرات المسيحية، وبخاصة الهجرة المارونية الكبرى بزعامة البطريرك يوحنا مارون سنة 694م. والتي تمت تحت ظل السيطرة العربية الإسلامية على الساحل اللبناني..
4.    دراسة “أسطورة” المردة وعلاقتهم بالموارنة، وأن موارنة اليوم ليسوا مردة، وأن المردة لم يقيموا في “لبنان” إلا لسنوات ثم انسحبوا بعدها إلى الأناضول، وهم قوم مرتزقة مأجورون استخدمهم العرب كما استخدمهم البيزنطيون.
5.    دراسة العلاقات الطبيعية لسكان “لبنان” فيما بينهم وتفاعلها من جهة، ودراسة علاقات الحكم الإسلامي بالرعايا غير المسلمين، ومواقف هؤلاء الموارنة من الحكم المذكور واعتبارهم جزءاً منه.
6.    دراسة تعريب “المناطق اللبنانية” الساحلية والجبلية، وسيطرة اللغة العربية على سائر اللغات المحكية.
7.    دراسةٌ منهجيةٌ لتطور الإسكان، والتنظيمات الإدارية والمالية والقضائية والعمرانية والاجتماعية والعلمية في “المناطق اللبنانية”، تبعاً لواقعها التاريخي الصحيح حتى الاحتلال الصليبي.
8.    دراسة الاحتلال الصليبي “للمناطق اللبنانية” ووحشيته ومجازره، ودراسة حركات المقاومة والتصدي والتحرير، ومواقف مختلف المقاطعات والمناطق، وعلى الأخص الموارنة الذين لم يكونوا آنئذ كياناً سياسياً مستقلاً، وكيف أنهم انقسموا إلى فريقين، فريق وهم الأكثرية يمثله “موارنة بشري” الذين تعاونوا مع المسلمين في كفاحهم العادل، وفريق آخر متعاون مع الصليبيين تعاون ارتزاق أو عصبية…ودراسة أحداث التحرير لجميع “المناطق اللبنانية” وقادة التحرير، وفي مقدمهم المنصور قلاوون وتحريره معظم “أرض لبنان”.
9.    دراسة تأثير الحروب الصليبية على مختلف الأصعدة الحياتية والفكرية، وفي مقدمتها تأثيرهم على عقيدة الموارنة، وإلزامهم بتحول تدريجي نحو العقيدة الكاثوليكية، والنتائج السياسية للعلاقات الالتزامية المستجدة…
10.    دراسةٌ موضوعية حول عهد ما بعد الصليبيين حتى العهد العثماني، وتحديد أهمية العهد المملوكي ومشايعة أكثر المسيحيين للمسلمين في تحرير البلد من ربقة الشراذم العميلة للصليبية الدولية وتصفيتها، ومنع التعامل مع الأجنبي، وبدء الحركة الاستيطانية في بعض “المناطق اللبنانية” (كسروان مثلاً) ودعمها.
11.    دراسة “الإقطاع” الإداري والمالي والقضائي في العهد المملوكي، وكون ذلك جزءاً من تنظيم عسكري أمْلته ضرورات الجهاد ضد الصليبيين، مثلاً أمير: رتبة عسكرية ثانوية في التنظيم العسكري المملوكي، فأمراء العائلات والمقاطعات في “المناطق اللبنانية” قادة عسكريون ذوو رُتَبٍ دنيا في التنظيم الهرمي الممتد على الساحة العربية الإسلامية آنئذ.
12.    دراسة الحركة العمرانية والعلمية في “المناطق اللبنانية” ـ في العهد المملوكي ـ.
13.    دراسة العهد العثماني من منظور العدل والإنصاف، لا من منطلقات الحقد والتعصب. إذ كان يشكل القوة الكبرى في العالم آنئذ، وتجسيد الوحدة الإسلامية والوطنية الشاملة.
14.    دراسة التنظيمات الإدارية والقضائية والمالية والعمرانية في “المناطق اللبنانية” إبّان العهد العثماني، وكيف كانت للقضاء السيادة الشاملة على الولاة و”الإقطاعيين”…
15.    دراسة شاملة لتاريخ “الولايات اللبنانية”، وتطور العلاقات بين الموارنة والبابوية وتحديد توجهاتها.
16.    دراسة الحريات العامة التي أكدتها السلطنة العثمانية، وعلى الأخص الحرية الدينية و”الحماية السليمانية” لبطاركة الموارنة.
17.    دراسة الامتيازات الأجنبية وتأثيرها على الأوضاع الداخلية في مختلف “المناطق اللبنانية”، ودراسة الإرساليات وأنشطتها المختلفة وتأثيراتها المتعددة.
18.    دراسة “المسألة الشرقية” في مرحلتها الأولى، ومخططات البابوية ضد السلطنة، وما أصاب “المناطق اللبنانية” من تلك المخططات.
19.    دراسة موضوعية للطوائف التي استقرت في “المناطق اللبنانية”، المسيحية منها والإسلامية والدرزية.
20.    دراسة الإمارتين العسافية والتنوخية بشكل دقيق.
21.    دراسة مقومات الإمارة المعنية في بلاد الشوف، وآل فريخ في البقاع، والشهابيين في راشيا، وآل سيفا في طرابلس، وسائر الأمراء المعاصرين للإمارة المعنية، فيوسف باشا سيفا والي طرابلس المعاصر لفخر الدين المعني الكبير كان أهم من الأمير المعني لولا “عمالة” الأخير التي جعلت منه “بطلاً قومياً” من الطراز الأول، بينما أهملت دراسة يوسف باشا إلا ما كان منها متصلاً بفخر الدين.
22.    دراسة موضوعية عن الأمير فخر الدين و”خيانته” في تآمره على القدس، واتصالاته الأجنبية “المشبوهة”، توضح خطة مواقفه الالتزامية بالسلطنة العثمانية ضمن خط التعمية، ودحض مزاعم تنصيره، ودراسة الأوضاع الدولية آنئذ، ومنها العلاقات الخطرة بين علي جنبولاد والي حلب وإمارة توسكانا بهدف الإساءة إلى الدولة العثمانية، وهي علاقات نسج على منوالها الأمير فخر الدين,
23.    دراسة خلفيات منشور لويس الرابع، بفرض الحماية المعنوية على الموارنة سنة 1649، وتأثير ذلك في إحكام الربط الماروني بفرنسا، واقتناص توكيل جبري بقضاياهم، مما مكن لفرنسا سرقة اتصال الجالية المارونية بالباب العالي… وتأثيراته السلبية على الصعيد الماروني… فضلاً عن نشوء علاقات حكمتها النفعية بين أعيان مارونيين وفرنسا.
24.    دراسة التحول الماروني الكامل نحو الكثلكة عبر مجامع الكنيسة، ودراسة الصراع البطريركي مع الأعيان المدنيين للموارنة.
25.    دراسة وضع الولايات “اللبنانية” الساحلية والبقاعية خلال تلك الفترات الزمنية.
26.    دراسة المسألة الشرقية في مرحلتها الثانية، وتداخلها مع الأوضاع المحلية.
27.    دراسة عن الأسرة الشهابية السنّية، مع أسباب كون السنّة أمراء على الجبل، علماً أن أكثرية سكانه اليوم قد غدت مارونية ودرزية، ومسألة التنصير بوجه عام.
28.    دراسة منصفة ودقيقة للأمير بشير، وعلاقته الالتزامية بالسلطنة العثمانية، وبولاة صيدا وعكار. وهي علاقة لافتة تميز بها الأمير بشير.
29.    دراسة حملة نابليون وموقف السكان منها، ثم موقف الأمير بشير الالتزامي بالسلطنة العثمانية وولاة صيدا.
30.    دراسة أوضاع الولايات الساحلية والبقاعية المزامنة لعهد الأمير بشير.
31.    دراسة حملة محمد علي باشا ضد والي عكا… ومستجدات تلك الحملة من انضمام الأمير بشير إليها بعد تعيين إبراهيم باشا قائد الحملة والياً على صيدا من قِبَل الباب العالي، والأمير آنئذ يتبع والي صيدا.
32.    دراسة مواقف مدن الساحل من حملة إبراهيم باشا، وبصورة خاصة طرابلس، عندما أعاد إبراهيم باشا مصطفى بربر آغا عليها، والتصادم الذي جرى بين إبراهيم باشا والسلطنة على حدود طرابلس، ودراسة المواقف الشعبية الإسلامية ضد إبراهيم باشا والأمير بشير وموقف الموارنة من ذلك…
33.    دراسة (العاميات الشعبية) وارتباط بعض الموارنة بإبراهيم باشا والأمير بشير وقتالهم إلى جانبهما، ودراسة انضمام البعض الآخر إلى مجموع السكان في حربهم ضد الأمير بشير وإبراهيم باشا.
34.    دراسة الموقف الدولي والتدخل الأجنبي ومواقف البطريركية…
35.    دراسة نهاية الحكم المصري والشهابي، ودراسة آثار الحملة المصرية على الصعد الدولية والعثمانية والمحلية.
36.    دراسة مستجدات “مجتمع الجبل” في عهد الأمير بشير الثالث، وبداية الانقسام الخطير بين الدروز والموارنة مما أدى إلى المجازر المعروفة، ودراسة أطر ومجالات التدخل الأوروبي وأهدافه ومواقف السلطنة العثمانية آنئذ.
37.    دراسة مستجدات أحداث الجبل على الساحل والبقاع وعلى تاريخ هذه المناطق بعد الحكم العثماني…
38.    دراسة المستجدات الدولية والنزاع الدولي العام، وأثرها في أحداث المنطقة، وما أدت إليه من فتن في 1841 و 1860 المتصرفية إلخ…. إلخ … إلخ…
*    *    *
ولا أدّعي التكامل في هذه الأطر والنقاط، إذ إنها تحتاج إلى مزيد من التمحيص والتأطير، والتعادل بين أحداث الجبل وأحداث الساحل والبقاع، وترابطها مع أحداث المنطقة عموماً…وصولاً إلى “الانتداب الفرنسي”، ومراحل ما بعد الانتداب، فالاستقلال و”الحروب” الكثيرة في فترة النصف الثاني من القرن العشرين، إلى تحرير الجنوب، فاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، فحرب تموز، فالاعتصام لإسقاط الحكومة، إلى 7 أيار المشؤوم، وصولاً إلى ما هو عليه لبنان اليوم.
إن المقتضيات العلمية والوطنية تفرض فتح ملف إعادة الكتابة بصورة منهجية وحضارية، فعلينا أن نتجنب الحذر عند ولوج عمق الأخطاء الفادحة التي وقع فيها مؤرخو المراحل الماضية، وعند كشف التزوير التاريخي، وهما أهم أسباب المشكلة الوطنية الكبرى في البلاد. فقد رتبوا النتائج الخاطئة على المقدمات الخطأ، فتلبدت المواقف، ثم تتابعت عليها الأزمات. ولا يزال البعض يكتب تاريخ الحاضر على نسق الماضي بالتزوير والتدليس، وبالتعمية والتضخيم، وبالافتئات والتكذيب حتى أنهم كادوا يحاكون “جحا” الذي يطلق الكذبة حتى إذا ما رأى الناس قد صدقوها اعتبرها حقيقة وراح يركض …وراء السراب!!!.
وعلى هذا فإنّ توحيد كتاب التاريخ المدرسي يعتبر بحق رؤية متقدمة في واجب وطني كبير، يجب أن نحميه، ونمنع من اغتياله أو وأده في مهده أو إصداره بشكل خاطئ أو مزوّر. لذا فإنّ الواجب الرسمي والوطني يدعو وزارة التربية والمؤسسات المتفرعة إلى بذل جهد مبرور وتفاعل مستمر، ليكون الكتاب الموعود ترجمة حيّة لوضع الأمور في نصابها، وكشف الحقائق وان كانت مرة، فأن نعلم أجيالنا الصدق في القول والعمل خير من أن تنشئهم على الكذب والتزوير وعلى التكاذب وقلب الحقائق.
إن ما نصت عليه وثيقة الطائف من إيجاد كتاب موحد للتاريخ فضيلة يجب السعي الحثيث لإنجاحها والعمل الدؤوب لإزالة الصعوبات “المختلقة” منعاً من تفريغه من مبادئه الميثاقية فيكونون بذلك قد أسقطوه بالكامل بعد أن أسقطوا بعض فصائله ضمن سياسة (الإسقاط بالتدرج) وما نخشاه أن تصل وثيقة الطائف لتصبح كالأمثولة (اقرأ تفرح جرب تحزن) أو: إن قراءة الطائف مكتوبة خيرٌ من واقع تنفيذه المجتزأ أو المعطل
واجب إبقاء وثيقة الطائف حية تنبض بالتنفيذ السليم والسوي وذلك من أجلنا جميعاً من أجل لبنان ومن أجل المنطقة العربية برمتها ويجب أن نعمل،بقوة، كي لا تصلب الوثيقة أو تجلد أكثر مما هي عليه الآن فتتساقط مرتكزاتها وتصبح قاعاً صفصفاً لا تسمن ولا تغني من جوع . وما نخشاه أن يجري دفنها بقرع طبول حرب جديدة!!.
*    *    *
إنّ كتابة تاريخ صحيح، وهو ما أقره الطائف، المدخل السوي لبناء لبنان الذي وإن وجد بمؤامرة إلا أنه أصبح ضرورة، واستمراره من عدمه يتوقف إلى حد بعيد أن نقرأ التاريخ قراءة صادقة سليمة بعيدة عن الكذب والتزوير وخداع النفس والواقع وتحريف الأمس القريب والبعيد.
فهل تقوم وزارة التربية والتعليم العالي بقبول التحدي وتمارس دورها الرائد أم تبقى أسيرة تجاذبات لا يدفع ثمنها غالياً إلا الأجيال الصاعدة من استقرارهم ونهوضهم بل من راحتهم ومن استقرار أحوالهم وغدهم المأمول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى