ربيع عربي في “طرابلس” – بقلم : فراس حمزة

كيف وصلت طرابلس إلى ما هي عليه اليوم؟ وإلى متى ستظل هذه المدينة السياحية و الإقتصادية على ما هي عليه: أمنها مستباح و فرص العمل للشباب المسلم تطرق باب بيته لكي يتجند مع فريق هنا أو هناك؟و لكل زقاق وحارة زعيم ينصب نفسه حاميا لحدوده التي لا تتعدى الأمتار الخمس؟
لا يخفى على أحد بأن ما يسمى ” الربيع العربي” قد ساهم وأثر بشكل أو بآخر في وصول لبنان عموما و طرابلس خصوصا إلى ما نشهده اليوم، ولكن تلك الثورات لا تشكل عامل وحيد بإستطاعته أن يؤدي إلى ما نعيشه اليوم بل إنما هناك جهود متضافرة أو بالأحرى مساع مقصودة ومدروسة من أكثر من فريق محلي وإقليمي و دولي ، تلاقت على مفترق طريق و كانت سببا مباشرا للوصول إلى الذروة الطرابلسية التي تشهدها المدينة و أهلها اليوم.
أولا الربيع العربي لا شك أنه قد أثر وإلى حد كبير في الوضع الراهن لطرابلس، فطبعا الشعب أصبح مدركا أن بإمكانه تحديد مصيره من خلال “ثورة” ، ولكن للأسف عندنا في لبنان قاموس مغاير و معايير مختلفة تماما عن العالم العربي، فتركيبة لبنان مختلفة عن باقي الدول العربية و نظامه ديموقراطي تعددي و ليس هناك تفرد بالحكم – أقله في الشكل- فليس هناك من نظام مستبد ليثور الشعب عليه، في الوقت الذي يفتش فيه اللبنانيون عن متنفس لهم لأن عدوى الثورات طالت لبنان و هذا المرض معدي للغاية وإن جاءت العدوى متأخرة. فللأسف و كل الأسف لم يجد اللبنانيون سوى الثورة التي لا تحمد عقباها، إنها ثورة الفوضى و السلاح ، إنها ثورة الأسواق التي يسعى كل تاجر إلى المكاسب الفردية ، إنها ثورة الفتنة السنية-الشيعية ، والمسيحية- الإسلامية…فجأة إستفاق المسيحيون على حسن التمثيل وإكتشف السنة أن للشيعة حزب كبير يجمعهم و إكتشف اللاعبين الكبار بأن طرابلس هي الأرض الخصبة لأية فتنة مذهبية كانت أو حتى سياسية ..
هذا فيما خص عدوى الثورات و من المسلم به أن العدوى لكي تنتشر هناك وسائل تساهم في نشرها: إنها الصراعات الإقليمية والدولية ، فأميركا و إسرائيل و من لف لفهم من جهة و إيران وسوريا و روسيا والصين من الجهة المقابلة يسهرون على حفظ أمننا في الشكل و في المضمون يخافون على مصالحهم الشخصية و على الثروات النفطية الموجودة في الشرق الأوسط من أن تسلب من طريقهم.
فلا يخفى على أحد اليوم أن الصراع السياسي اللبناني ليس صراعا داخليا بين 8 و 14 فحسب بل هو مشروع صهيواميركي لتفتيت – وليس لتقسيم لأن التقسيم قد حصل في سايكس بيكو- بل الآن المشروع هو مشروع تفتيتي و ربما إلغائي في بعض الأحيان، إلغائي لكل رمز عربي يدعو إلى العيش المشترك بين المسلمين و المسيحيين و بين السنة و الشيعة، وليس العراق إلا عينة واضحة و جلية لهذا المشروع التفتيتي في المنطقة.
وإذا ربطنا القضية الفلسطينية والعراق و الربيع العربي ، نستنتج أن ما بجري في طرابلس ليس إنتفاضة لأهل السنة الغيورين على الدين بل هو إنتفاضة أزمة ليست وليدة وقتها بل هي أزمة ولدت في شهرها التاسع أي ولادة جدا طبيعية ومخطط لها تخطيطا دقيقا ، ومعالجتها ليست بالشيء السهل و لكن أيضا ليست بالمستحيل . والوضع الإقتصادي اللبناني قد يساهم إلى حد كبير جدا في تسهيل عملية تلك الولادة- ولادة الأزمة الطرابلسية خصوصا و اللبنانية عموما- ليس من الممكن الآن أن تحل الأزمة و يستتب الأمن بين ليلة و ضحاها ولكن الأمور أصبحت معقدة وتحتاج إلى أدمغة واعية ومدركة تماما ومطلعة إلى حيثيات الوضع وتاريخه، ومفتاح الحل بالنسبة لمعظم الأفرقاء هو إطلاق شعارات حفظناها عن ظهر قلب : الأمن و فرص العمل وإستقرار الوضع السياسي، هذا في الشكل و القول:على قاعدة “الحكي ما عليه جمرك” و لكن الحل الفعلي والذي يمكن له أن يوصل إلى نتائج ملموسة هو ذاك الحل المبني على آلية عمل مخطط لها بحنكة ووعي وصدق و أمانة من قبل أشخاص يريدون فعلا التوصل إلى وطن جامع كما نسمع في الشعارات الحزبية جميعها.
برأي أن تلك الآلية تحتاج إلى مناضلين مؤمنين بقضية “لبنان” ويجب أن تبدأ ورشة عمل هذه الآلية بالتوجه إلى الفئة التي إستهدفتها الأزمة بشكل كبير و من ثم إستخدمتها وهي الفئة الشبابية التي من السهل إستغلال حماستها وذروتها الشبابية في إشعال فتيل الفتنة كما هو حال طرابلس اليوم. فالمطلوب إذاً هو إعادة التأهيل لهذا الشباب المتحمس الذي يبرهن يوما بعد يوم أن بإستطاعته أن يقلب جميع المعايير والحسابات، فهل يا ترى ثمة هناك من يستطيع توحيد صف هذا الشباب ودعمه و توجيهه إلى ما فيه مصلحة كل اللبنانيين ؟ أم أن هذا الشباب لا يتحمس إلا لمن يستعلونه سلبا ؟


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development