المقالات

الحكم الرشيد – بقلم د محمد علي الحلبي

تعددت الآراء والتسميات،وتنوعت في عالم السياسة حول الحكم الأفضل والأمثل الملبّي والمحقق لأغلب احتياجات المواطنين وتطلعاتهم….تقاطعت المعاني فيها في جوانب عدة،وتباعدت أحياناً في جوانب أخرى لكنني آثرت ومضيت مع المفكرين في تسمية ما اختلف بعضهم عليه , مؤيداً من أطلقوا عليه اسم الحكم الرشيد مهتديا ومسترشدا بما ألفه الفكر العربي،واعتمده في قواميسه ومعاجمه للتعريف بمضمون كلمة الرشيد،فقد انطلقت جميعها من أن الرشد صفة إلهية،فمعجم (تاج العروس من جواهر القاموس) يقول:الرُشد بالضم  :  الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه،والرشيد في صفات الله تعالى الهادي الى سواء الصراط، , والرشيد أيضاً هو الذي حَسُن تقديره فيما قدّر،أو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير،ولا تسديد مُسدد،والرشاد نقيض الضلال،وأرباب الاشتقاق بيّنوا أن الرشد يعمل في كل ما يُحمد.
أما معجم (العين) فقد عرّف الكلمة ببساطة، فجاء فيه ألهمه الله خيراً أي لقنه خيراً، ونستلهم الله الرشاد.

من هذه التعاريف اللغوية يتبيّن لنا أن في سلوك الرشد لذوي الشأن والأمانة والعفة محاكاة للمثل الإلهية  وتلبية لأوامره جلت قدرته لأنها تقتدي بمثله فهو المثل الأعلى  , مبتعدة عن الضلال بما تقدمه من خير وفير يُحمد عليه مقدموه في مواقع العمل على ما عملوا من أجل من ولوهم أمرهم عن دراية،ومعرفة،وعلم.
ولندع لأذهاننا المجالات الرحبة للاستزادة من تفاصيل مضامين هذا المصطلح على ضوء التطورات التي أثرت على المجتمعات ، فالموسوعات العلمية ولدقتها وموضوعيتها تجعلنا نطمئن أكثر، وأكثر لما كتب فيها في أطر الأبحاث،والحكم الرشيد عُرف في الموسوعة الحرّة بكونه″مصطلح غير محدد الاستخدام في أدبيات التنمية لوصف كيفية تصرف المؤسسات العامة في إدارة الموارد العامة من أجل ضمان إعمال حقوق الإنسان ″  ومكتب المفوضية العامة لحقوق الإنسان يرى أن الحكم الرشيد″يسعى لبناء إنسان يتمتع بكفاءة،ومهارة،ودراية،وإدارة،وطموح في إطار دولة تعددية إنسانية دستورية تستند إلى الاحترام الكامل لحقوق الإنسان،وبما يضمن حقه في التمتع بحياة كريمة،وتوفير متطلباته،وصون كرامته،وأن يكون الحكم بتفويض من الشعب،وسيادة القانون والشفافية،والتمكين السياسي للشعب،والانصاف،والاستدامة،والقيم التي تعزز المسؤولية،والتضامن والتسامح ″ بينما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فرؤيتها له تعتمد مبادئ أهمها المساءلة والشفافية،والكفاءة،والفعالية،وسيادة القانون مغلبّة الجوانب الاقتصادية على تعريفها،وفي الحالتين وفي أطر كل التعريفات يتركز عنوان واحد لها،وهو التنمية المستدامة والتي تأخذ منحيين أولهما التنمية البشرية التي تضع الإنسان هدفاً ووسيلة , يستتبع ذلك في إطار الاستنتاج المنطقي والضرورة استناد العمليات التنموية إلى قيم الإنسان وتطلعاته الإنسانية،فهي من ناحية تسعى إلى الاهتمام بمستوى نموه في مختلف مراحل العمر معتمدة نهج الارتقاء بقدراته البدينة والعقلية،والنفسية،وعلى الجانب الآخر فهي معنية باستثمار الموارد والمدخلات،والأنشطة الاقتصادية بجميع تنوعاتها في تعزيز للقدرات الفردية ،وقطاع التربية والتعليم الركن الأساسي وضرورات وضع مناهجه المتطابقة مع الأهداف الرئيسية للخطط الموضوعة،وتطويرها باستمرار.
أما المنحى الآخر للتنمية فهو التنمية الاقتصادية بجميع فروعها المنطلقة بسرعة وثبات لرفد عناصر القوة العسكرية،والثقافية،والسياسية فجميعها تؤمن الحماية للوطن،واستقلالية قراراته ما أمكن،وعلاقتها جدلية في تقوية وتعزيز لأركانها ، وفي هذا المنحى كان رأي البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة،فالحكم الرشيد  “هو ممارسة السلطة السياسية لأعمالها ضمن معايير محددة لتحقيق التنمية المستدامة،وتنمية الموارد القصيرة والطويلة الدولة ،وتوفير النزاهة والمساءلة،ويحترم المصلحة العامة،ويخدمها ”
إضافة إلى كل ذلك فهناك إجماع لدى المعنيين والمهتمين بالتنمية على أنها لا تكون، ولا تتواجد إلا إذا كانت في إطار مفهوم ثابت وهو(تنمية الناس،وبالناس،وللناس) والشرط الرئيسي لهذه القاعدة الأخذ بإلزامية معنى بالناس مما يثبت قاعدة النسبية الاجتماعية التي تصرّ على الترابط الكمي والعددي للعاملين وزيادة أعدادهم  في أية مهمة إنسانية اجتماعية  تتناسب مع كبرها،وعظمة أهدافها،فبناء المقومات الصحيحة لأية أسرة لابد له من تعاضد وتكاتف جميع أفرادها،ومثلها تطوير وبناء الحرف،أو المهن العلمية،فلابد من انضواء جميع أفرادها في أطر منظماتها،وبناء الأوطان يحتاج إلى جهد جماعي يشمل الأمة بكاملها،والحديث عن معجزات لأفراد، أو لمجموعات هو من قبيل التحريف الإعلامي والتشويه للحقائق المعتمدة، ولكي يسهم الجميع في عملية التنمية لابد لهم من التمتع بالحرية الكاملة التي لا قيود عليها إلا  إذا تعدّت واعتدت على حريات الآخرين،والصورة المثلى لوجودها ومنهجيتها تكون في المجتمع المدني وتنظيماته: الاتحادات والنقابات المهنية،الأحزاب السياسية،الجمعيات الاجتماعية المؤطرة،والرافد الرئيسي والمتمم لها جميعها إعلام   حر على تعدد وجوهه ّ مرشد أولا ً،وناقد ثانياً،والعنوان الوحيد  الملزم والقيد له ″كلمة الحق″.

إن التفاعل الإيجابي بين السلطة والبنى المكونة  للمجتمع المدني يكرس المزيد من الإنجازات عبر الحوارات البناءة والتوجهات الصحيحة،وإجراء الدراسات والأبحاث،والمشاركة الفعّالة في البناء الحضاري  إضافة للرقابة الحريصة على الوطن وقيمه،وتعاضدها وتعاونها جميعها الموصل حكما  لتحقيق المرامي والأهداف التي يطمح إليها الجميع،واستمرارية التنمية المستدامة وسيادة القانون،والشرعية السياسية الحقة لخلق مجتمع مندفع نحو التغيير والتطور الدائمين ….إنها كلمات السحر في عالم فقد البعض البوصلة المرشدة في ظل مساحات من التضليل لتحقيق مصالح كل الأعداء في داخل البلد وخارجه لكن في تراكم وتعاظم  ما تحقق من وراء ذلك ستعزز السياسات الخارجية الراسمة لعلاقات تكافئية  لا تشوبها شوائب،ولا تعتريها اهتزازات.
وأخيراً إن سلمنا بهذه الحقائق بل المسلمات وآمنا بها فسيصبح لدى كل منّا الرؤية الجلية الواضحة ليحكم على نسبية رشاد نظام الحكم في بلده،ومدى قربه من الحكم الرشيد أو البعد عنه ، وله أيد بأخذ الموقف الوجداني لإصلاح الخلل،والعودة للأصول من أجل أهله،وجواره،وأبناء بلده.

محمد علي الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى