المقالات
الدولة العبرية والأزمات المُستبَطِنة بقلم علي بدوان

فالشرائح الطبقية الوسطى في «إسرائيل» والتي تشكل قطاعاً هاماً داخلها وفي داخل بنى المجتمع، تُدرك بأن المكونات الرئيسية لهيكلية وحضور وسطوة الجهات المتنفذة في «إسرائيل» مكونة من ثلاثة أطراف، أولها الأجهزة الأمنية بأذرعها المختلفة ومعها «الجيش الإسرائيلي» وهي الأجهزة المتحالفة مع السياسيين، فالجيش هو المنبت والمنبع الرئيسي لمعظم القيادات وأصحاب القرار في «إسرائيل» وعموم الأحزاب فيها خصوصاً الأحزاب الكبرى، كما أن الجيش وأجهزة الأمن وأذرعه المختلفة تستنفد أكثر من 25% من الميزانية المالية السنوية للدولة العبرية، فضلاً عن إبتلاعها كامل المساعدات الخارجية الأميركية التي تذهب للجيش الصهيوني ولأجهزة الأمن وحدها دون غيرها.
وثانيها أصحاب رؤوس الأموال، الذين لا وطن لهم سوى وطن الاستثمارات والتشغيل، وإقامة الإمبراطوريات المالية بالتحالف مع الكارتلات العالمية في الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول النامية في القارة الأميركية الوسطى والجنوبية وقارة إفريقيا. وقد تحالف أصحاب رؤوس الأموال مع النخب الحزبية في الأحزاب الكبرى وباتوا ممولين لتلك الأحزاب في كل دورة انتخابية مقابل الحصول على أثمان لها علاقة بالتسهيلات المقدمة لهم بعد حين، وقد أفضت سياسات الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة خلال العقدين الأخيرين ومن خلال تحالفاتها مع أصحاب رؤوس الأموال إلى حدوث شبه انهيار لشرائح الطبقة الوسطى التي كانت تشكل 75% من المبنى الاجتماعي «الإسرائيلي»، علاوة على سحق الشرائح والطبقات الدنيا لهذا المبنى، ناهيك عن تفشي الفساد بكافة أشكاله، ولجوء قادة الأحزاب الكبرى إلى سياسة الرشوة والمحاصصة الحزبية في توزيع موازنات الوزارات، لضمان بقاء الائتلاف الحكومي لكل حكومة.
وثالثها مجموعات الأكليروس من اليهود المتدينين والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، الذين يستنزفون الموارد المالية العامة كما تستنزفها معهم المستوطنات المقامة فوق الأرض المحتلة عام 1967، فالمستوطنات في الأراضي المحتلة استهلكت حتى الآن أكثر من 100 مليار دولار كما تشير «المعطيات الرسمية الإسرائيلية ذاتها». وعليه فهناك قطاعات من الإسرائيليين يتساءلون «لماذا تخصص حكوماتهم مبالغ طائلة من ميزانية دولتهم لبناء مستوطنات جديدة، وتوسيع القديم منها، بينما هي خربة، لا سكان فيها، ولا يوجد عوامل جذب حقيقية إليها، وقد أصبحت تقتطع مساحاتٍ كبيرة من الأراضي، وتكلف ميزانية الدولة مبالغ خيالية لجهة البناء والإعمار والحماية والحراسة، إذ أن كلفة الاستيطان ليست فقط كلفة بناءٍ وإعمار، بل إن التبعات الأمنية والسياسية التي تفرضها المستوطنات تكون كلفتها المادية كبيرة، وهي كلفة دائمة ومتزايدة».
وبالمحصلة، فقد تبين أن الجهات الثلاث تنهب بالنهاية المال العام في الدولة العبرية، وتضع الشرائح والطبقة الوسطى والشباب في حالة مادية سيئة، إذ تشير المعطيات «الإسرائيلية» المنشورة على صفحات الصحف العبرية أن أكثر من 60% من الشباب لا يكفيهم معاشهم حسب الإحصائيات «الإسرائيلية» ذاتها، ومع تفاقم الاحتياجات فإن 90% من «الشارع الإسرائيلي» بات مؤيدا لها.
من هنا، فإن الحركات الاحتجاجية التي حدثت قبل عام ونصف العام في «إسرائيل» مثلت التعبير الساطع عن تآكل قدرة الشرائح الطبقية الوسطى في المجتمع «الإسرائيلي» على حياة الرخاء والرفاه في حدها الأدنى وعلى مواجهة الأعباء المالية للحياة نظراً لارتفاع تكاليف المعيشة بصورة حادة في مختلف متطلبات الحياة الأساسية والضرورية المتعلقة بالمسكن والمأكل والملبس والمشرب والمواصلات والاتصالات والكهرباء والبنزين والسيارات والمواد الاستهلاكية الأخرى الضرورية، وقد أصابت تلك التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتردية القطاعات والشرائح الطبقية الوسطى في المجتمع إصابة مباشرة.
ويمكن القول بأن اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتأكل الشرائح الطبقية الوسطى، ووجود متسع كبير من الفوارق الاجتماعية بين الناس فيها، إضافة لوجود هوة متزايدة يوماً بعد يوماً بين المجموعات الإثنية المشكلة للدولة العبرية، وتحديداً بين اليهود من مختلف القوميات التي انحدروا منها أساساً كانت ومازالت عوامل أساسية بعيدة في نشوء تلك الهبات الاحتجاجية التي لم تصل إلى درجة الذروة حتى الآن.
فجذور الأزمة ترجع في جانب هام منها (ليس وحيداً) إلى وجود الفوارق الكبيرة بين الناس وفي السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي إتبعتها «الحكومات الإسرائيلية» منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن دولة الرفاه واتباعها نهج الاقتصاد الحر والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة، وهو ما أضر بشكل كبير بقطاعات الشباب والشرائح الطبقية الوسطى التي بدت حياتها الاجتماعية والاقتصادية تتأرجح كل يوم منذ سنوات خلت.
من هنا، فإن حدة التناقضات داخل «إسرائيل» لا تقف عند حدود التناقضات بين مجاميع اليهود وفق أصولهم القومية والإثنية فقط، بل تتعدى ذلك نحو الولادة المتتالية للفوارق في نمط الحياة مع إتساع الفوارق الطبقية الاقتصادية والاجتماعية بين مجاميع اليهود ذاتهم، فالبون شاسع في الجوانب تلك على سبيل المثال بين اليهود الشرقيين (السفارديم) وبين اليهود الغربيين (الإشكناز)، وبين يهود «إسرائيل» من ذوي الأصول الأوربية الغربية (اليهود الأمراء) وبين يهود إثيوبيا (الفلاشمورا) على سبيل المثال الذين باتوا يمثلون (حثالة البروليتاريا) وفق الأدبيات الماركسية والاشتراكية العمالية التي تنتمي إليها العديد من أحزاب «إسرائيل» خصوصاً حزب العمل «الإسرائيلي» الحزب المؤسس لدولة «إسرائيل»، وكتلة ميرتس التي تدعي بأنها تمثل تيار «اليسار الصهيوني».
إن ما يؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه، أن غياب العدالة الاجتماعية في الدولة العبرية الصهيونية ليس وليد اليوم ولا تحدده ارتفاع أسعار السلع والمساكن وما إليها فقط دون غيرها، بل هذا الغياب قائم منذ إقامة الدولة العبرية واحتلال فلسطين. والفلسطينيون أصحاب الوطن الأصليين الذين بقوا على أرض وطنهم عام 1948 كانوا ومازالوا هم أكثر المتضررين من سياسة التمييز العنصري التي تطول كل أشكال الحياة والوجود.
وعليه، وكما أسلفنا، نخلص إلى القول إن هناك أسباباً بعيدة وأسباباً قريبة مباشرة، وخلفيات كامنة ستفاقم من أزمات «إسرائيل» الداخلية على مستوياتها المختلفة ولو بعد حين، ويتوقع ان تتصدرها قطاعات الشباب الصاعد في السُلّم الاجتماعي وعموم شرائح الطبقات الوسطى.
صحيفة الوطن القطرية

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development