حقوق الإنسان

قراءة قانونية …..التوصيف القانوني #لاتفاق الإطارالثلاثي بين لبنان و”إسرائيل” برعاية #الولايات_المتحدة

ان التسمية لا تحدد طبيعة الوثيقة إنما مضمونها .

إن النص المعروض إعلاميا لا يمكن اعتباره مجرد إعلان نوايا سياسي أو وثيقة تفاهم غير ملزمة، بل يتجاوز ذلك إلى إنشاء التزامات قانونية وسياسية وأمنية متبادلة بين الجمهورية اللبنانية و “إسرائيل” برعاية وضمانة الولايات المتحدة الأميركية، بما يجعله، من حيث المضمون، اتفاقًا دوليًا بالمعنى المقصود في القانون الدولي، بصرف النظر عن تسميته “اتفاق إطار”.

فالعبرة في القانون الدولي ليست لعنوان الوثيقة، وإنما لمضمونها وما تنشئه من حقوق والتزامات. وهذا النص يتضمن التزامات واضحة ومحددة، منها إنهاء حالة النزاع، والالتزام بالتفاوض المباشر، ووضع ترتيبات أمنية ملزمة، وإنشاء آليات تنفيذ وتحقق، وتشكيل مجموعات عمل، وإنشاء لجنة للتنسيق العسكري، وربط المساعدات الدولية بتنفيذ الالتزامات الواردة فيه، وكلها عناصر تدل على أن الوثيقة ليست مجرد بيان سياسي.

كما أن الاتفاق ينص صراحة على أن هدفه هو التوصل إلى “سلام” دائم وإنهاء حالة الحرب رسميًا، ويقرر التزامات مباشرة على الحكومة اللبنانية، منها نزع سلاح الجماعات المسلحة، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة مع “اسرائيل”، والامتناع عن اتخاذ إجراءات سياسية أو قانونية ضد إسرائيل في المحافل الدولية، وهي التزامات تمس جوهر السيادة الوطنية والسياسة الخارجية والدفاع الوطني.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذا الاتفاق يخضع للأصول الدستورية اللبنانية الخاصة بإبرام المعاهدات الدولية، ولا يكفي توقيعه من قبل السلطة التنفيذية حتى يصبح نافذًا.

فالمادة 52 من الدستور اللبناني تميز بين مرحلة التفاوض والتوقيع، وبين مرحلة التصديق والنفاذ. فالتفاوض يتم من قبل رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلا أن أي معاهدة لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، أما المعاهدات المتعلقة بسلام الدولة أو سيادتها أو حدودها أو التي ترتب التزامات أساسية على الدولة، فلا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب أيضًا.

وبتطبيق هذه القاعدة على اتفاق الإطار، يتبين أنه يتناول بصورة مباشرة:

  • إنهاء حالة الحرب بين لبنان و”اسرائيل”.
  • إقامة علاقات “سلمية” بين الدولتين.
  • ترتيبات أمنية وعسكرية.
  • التزامات تمس سيادة الدولة واستخدام القوة.
  • التزامات مالية مرتبطة بالمساعدات وإعادة الإعمار.
  • إنشاء آليات دائمة للتنسيق والتنفيذ.

ويضاف إلى ذلك أن البند الثالث عشر لا يقتصر على تنظيم العلاقة السياسية بين الطرفين، بل يتضمن التزامًا باتخاذ إجراءات ، من بينها وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية. ومهما يكن نطاق تفسير هذا الالتزام، فإنه يمس بصورة مباشرة حرية الدولة اللبنانية في اللجوء إلى الوسائل القانونية الدولية للمطالبة بالمسؤولية عن الجرائم الانتهاكات والاعتداءات التي تعرض لها لبنان، أو لملاحقة ما قد يشكل خروقات للقانون الدولي أو للقانون الدولي الإنساني. ومن ثم، فإن الاتفاق لا ينظم فقط مسائل أمنية وسياسية، بل يرتب آثارًا قانونية تمس المركز القانوني الدولي للجمهورية اللبنانية وحقوقها في مباشرة وسائل الحماية القانونية الدولية، الأمر الذي يشكل دليلًا إضافيًا على أنه معاهدة ذات طبيعة قانونية ملزمة، وليس مجرد إعلان سياسي أو تفاهم غير ملزم.

ولذلك فإن ما سمي اتفاق اطار يدخل بصورة واضحة ضمن فئة المعاهدات التي تستوجب موافقة مجلس الوزراء وموافقة مجلس النواب قبل أن تكتسب أي قوة إلزامية داخل النظام القانوني اللبناني.

ويترتب على ذلك أن أي توقيع على هذا الاتفاق، من دون استكمال الإجراءات الدستورية، لا يؤدي إلى إدخاله حيز النفاذ في لبنان، ولا ينشئ التزامًا دستوريًا ملزمًا للدولة اللبنانية، لأن السلطة التنفيذية لا تستطيع، منفردة، الالتفاف على الاختصاصات الدستورية لمجلس الوزراء أو مجلس النواب.

بل إن مباشرة تنفيذ الالتزامات الجوهرية الواردة في الاتفاق قبل التصديق عليه قد تثير إشكاليات دستورية جدية، لكونها تعني تنفيذ معاهدة لم تستكمل شروط نفاذها وفق أحكام الدستور.

ومن جهة أخرى، فإن الفقرة الثانية عشرة من الاتفاق تنص على إنشاء مجموعات عمل لإعداد اتفاق شامل “للسلام” والأمن، ما يعني أن هذا الإطار لا يشكل الاتفاق النهائي فحسب، بل يؤسس لمسار قانوني تفاوضي جديد بين لبنان و”إسرائيل”، ويضع التزامات نافذة على الطرفين منذ لحظة التوقيع، الأمر الذي يعزز طبيعته القانونية كاتفاق دولي وليس مجرد إعلان سياسي.

وعليه، فإن التوصيف القانوني الصحيح لهذا النص هو أنه اتفاق دولي إطاري ذو طبيعة ملزمة، يؤسس لمعاهدة سلام وتسوية شاملة، ويستوجب، وفق الدستور اللبناني، موافقة مجلس الوزراء ثم موافقة مجلس النواب قبل أن يصبح نافذًا وملزمًا للجمهورية اللبنانية.

وأي محاولة لاعتباره مجرد وثيقة سياسية لا تحتاج إلى التصديق تتعارض مع مضمونه الحقيقي، لأن الالتزامات الواردة فيه تمس مباشرة سيادة الدولة، ووضعها العسكري والأمني، وعلاقاتها الخارجية، وهي جميعها من المسائل التي أحاطها الدستور اللبناني بضمانة الرقابة الدستورية المتمثلة بموافقة السلطتين التنفيذية والتشريعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى