الأخبار اللبنانية

موقع الإعلام في فكر الوسطية

وكان اليوم الأول من المؤتمر قد شهد جلستين، حملت الأولى عنوان “موقع الإعلام في فكر الوسطية”،

ورئستها وزيرة الاعلام الاردنية السابقة ليلى عبدالحميد شرف، وتضمنت 4 أوراق، تقدمتهم ورقة رفيق خوري رئيس تحرير جريدة الانوار الذي تناول فيها “الموضوعية وشخصنة الإعلام”، فقال: “لا يمكن الحديث عن موضوعية في ظل الأنظمة الشمولية، على عكس الأنظمة الديمقراطية التي يمكن الحديث فيها عن نوع من الموضوعية الإعلامية..فالإعلاميون جزء من حيوية المجتمع، واذا فقد الأخير حيويته، فهذا معناه أنّ الإعلام سيعاني ضيق أفق. فالإعلام رسالة معرفة لا عرفان، وكما يوصف فهو أول مسودة للتاريخ، ومن المعروف انّ المسودات تخضع لتصحيح، وهذا ما يدفعنا إلى القول بضرورة أن لا يخجل الإعلام أو الصحف من التصحيح”، موضّحا أنّ الإعلام الموضوعي يقوم على الحريّة المثلّثة التي تتضمن حرية التفكير والتعبير والتغيير ، فالتعبير بدون تغيير دوران في الفراغ، وحرية التعبير بدون المعلومات تعني فقدان الجوهر، وعندما يكرر الإعلام نفسه لا يستطيع أن يكون متوازنا”، ومشددا على أنّ الإعلام الجيد هو الإعلام الذي يفتح الملفات حتى النهاية، وأنّ هناك خطورة على الحرية الإعلامية نفسها التي تتعرض لضغوط من خلال محو الحقائق، وإغراق الحقائق، مختتما بالتطرق إلى ديكتاتورية الصورة وإلى أنّ الصحفيين لا يملكون الاّ الكلمات.

 

ثمّ تناول  الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور ساسين عساف موضوع “الإعلام وثقافة التغيير” معتبرا أنّ الثقافة اصطلاحا عبارة عن “أنظمة معارف ومناهج تفكير ومنظومات قيم وأنماط سلوك، وانّ الثقافة السياسية قوامها الوعي في مستوى التفكير والإصابة في مستوى التقرير والنزاهة في مستوى التدبير”، شارحا العلاقة بين الإعلام وأنظمة الحكم، ولافتا إلى انّ العلاقة في الحكم الأوتوقراطي هي علاقة احتكار، في حين أنها في النظام الديمقراطي علاقة انفتاح تقوم على حرية مقيدة بقوانين وأنظمة مرعية الإجراء يحددها دستور الدولة الضامن للحريات العامة ومنها حرية التعبير. ومحذّرا من أنّ الحريةّ الإعلامية في الأنظمة الديمقراطية قد تستغل في بعض الأحيان لتكون غلافا لما يناقض جوهرها ووظيفتها التغييرية عبر تحكّم رأس المال بها، أو عبر تحكّم الإعلان بها. وموضّحا أنّ الإعلام الباحث عن زبائن سواء أكان إعلاما تجاريا يتوخى الربح المادي أو إعلاما سياسيا يتوخى الكسب الشعبي، هو إعلام فاشل ،  داعيا إلى ضرورة خلق البيئة القانونية والثقافية المساعدة كي يتمكن الإعلام من لعب دوره في ثقافة التغيير.

وتطرّق الاستاذ  رمزي النجار   في ورقته لـ “من هو جمهور الوسطية، وما هي احتياجاته الفكرية”، معتبرا  أنّ الوسطية المتحررة من قيود المصطلح الظالم تعاني من القاء التهم عليها جزافا مثل كل المدارس السياسية الأخرى دون استثناء، لكن ما يميز الهجوم على الوسطية حصرا الانطباع المعمم والمسطّح الذي تجنح اليه بعض العقول من باب السهولة وما يعرف بـ”عداوة ما نجهل”. مضيفا أنّ الوسطية في طرفي اليسار واليمين هي الخلاصة، فاذا بلغ الاصطفاف لدينا اليوم مداه الأقصى بين 8 و14 آذار، فالوسطية أيضا وأيضا هي الخلاصة. ثم ضرب النجار عددا من الأمثلة عن الثوابت المنطقية والدلائل التاريخية القديمة والمعاصرة عن الوسطية، مشيرا إلى انّ الوسطية ليست مبتدعة وانما راسخة منذ بدء نضج العقل البشري أمثلة من التاريخ السياسي الحديث عن الوسطية، واختتم بالقول انّ الوسطية، المستقلون أو الأكثرية الصامتة كلها مرادفات لمفهوم واحد مقتبسا كلاما للرئيس الأمريكي الراحل أيزنهاور يفيد فيه منذ أكثر من 60 عاما أنّ وسط الطريق يعني المساحة السليمة للسير وللاستعمال، بينما طرفي الطريق الأيمن والأيسر يشكلان حدود الانزالاق والتهوّر.

وانهى فايز السنكري صاحب جريدة التمدن هذه الجلسة بالحديث عن “دور الإعلام كسلطة رابعة في تعزيز ثقافة الوسطية” مشيرا إلى انّه وعلى الرغم من التداعي الكبير الذي أصاب هيكل الدولة في مراحل حرجة عديدة، الاّ أنّ الإعلام الوسطي استطاع أن يبقى، ولم يسقط في فخ اثارة الغرائز وبقي عصيا عن التطويع وكان عليه أن يلعب دورا رياديا وقياديا على مستوى لبنان والوطن العربي، مستخدما المساحة المتاحة له وان ضاقت. وأضاف” عندما تغيب كافة السلطات الأخرى، تبرز أهمية الإعلام وسلطته وهنا تكون مسؤوليته أكبر. وبخلاف ما يعتقد الكثيرون، فانّ مسؤولية الإعلام المكتوب أكبر من أي إعلام آخر….وأنّ الوسطية لا تعني أبدا عدم الانحياز إلى الحق أخلاقيا وإنسانيا تجاوبا مع حريات الناس وتطلعاتهم وآمالهم، والوسطية لا تعني أيضا تنازلا أو خضوعا أو خنوعا، ومسؤوليتها الحفاظ على السلم الاجتماعي ورفع الظلم والدفاع ضد العدوان والتوعية من المخاطر”، داعيا إلى ضرورة النظر إلى الأمور برؤية أبعد من حماسة قد تكون انتحارية أو تهوّرية.

المفاهيم والدلالات المعززة لثقافة الوسطية
أمّا الجلسة الثانية، فقد حملت عنوان “المفاهيم والدلالات المعززة لثقافة الوسطية”، ورئسها صلاح سلام رئيس تحرير جريدة اللواء الذي مهد لمداخلته بالقول أنّ لدولة الرئيس ميقاتي دور بارز في اقتراح كتلة الوسط التي ستثبت الانتخابات النيابية المقبلة أنّ نوابها لهم لون لبناني وطعم بلدي ورائحة وطنية. وتطرق سلام إلى الفكر الوسطي مؤكدا أنه ليس ظاهرة جديدة في الثقافة الإنسانية وانّ الإسلام بشّرنا به قبل 1500 عام عندما وصف القرآن الكريم أمّة المسلمين بالأمة “الوسط”. ومشيرا إلى انّ فكر الوسط قادرا على التعايش والتفاعل مع ما يحيطه من تنوع ثقافي وديني وحضاري بيسر وايجابية لا تتوافر عند أهل التطرف في طروحاتهم ولا عند أهل التعصب في ممارساتهم، ومعتبرا انّ الثقافة الوسطية تقوم على 3 مفاهيم، الاول هو الاعتراف بالآخر والقبول به والتعايش معه، والثاني هو الاعتدال، والثالث هو عدم التذبذب أو التردد بين موقف آخر، فهي دائما إلى جانب الحق والعدل والخير ضد الشر والباطل والظلم. واختتم بتعديد الدلالات المعززة لثقافة الوسطية ومنها “العلم والعمل والاتحاد، والتعارف، داعيا إلى ضرورة توفير البيئة المناسبة لتعزيز الوطنية وتعميمها من خلال تحسين أوضاع البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

امّا عبدالحليم عويس ، رئيس تحرير جريدة التبيان المصرية فقد تناول “الأسس والمفاهيم الإعلامية المعززة لثقافة الوسطية” لافتا إلى انّ المنهزم واليائس لا يمكن أنه يصنع حضارة أو وسطية، مركزا على أهمية التيارات الشعبية ضاربا المثال بالشعب التركي الذي أوصل أردوغان وغول عبر فعل شعبي استطاع أن يوظّف المساحة القليلة جدا المتاحة له من الحرية في أن يخلق بدائل ووسائل لتحدث التغيير المطلوب. ثم تحدّث عن مهمات التوظيف والتأثير الإعلامي ومنها تشكيل الوعي والتنشئة الاجتماعية والتبليغ والاتصال الإنساني، ومستعرضا العلاقة بين الإعلام العام والإعلام الإسلامي ليصل إلى خلاصة تؤكّد مدى الاتفاق بين الإعلاميين فيما يتصل بالموضوعية والعلمية وأسس الإعلام ومفاهيمه، ومختتما بالقول انّ خصيصة المنهج الإسلامي والإعلام الإسلامي هي خصيصة الوسطية التي تشكّل الطريق الواضح الفطري المنقذ لحضارة الإنسان.

ثم ناقش زكي الميلاد  رئيس تحرير مجلة الكلمة السعودية موضع “تجدد مفهوم الوسطية في الخطاب الإسلامي المعاصر” وذلك من خلال الاشارة إلى انّ تجدد مفهوم الوسطية مرتبط بثلاث مسائل متّصلة في الاطار الإسلامي المعاصر. الأولى تتعلق بتطور الخطاب المعاصر داخل التيار الإسلامي حول مفهوم الوسطية، حيث أخذ الحديث عن هذا المفهوم يتسارع دافعا مختلف الأوساط الفكرية والسياسية إلى التدافع اليه والتسابق عليه لمحاولة تمثيله والتعبير عنه والتعريف عن أنفسهم من خلاله. امّا المسألة الثانية، فتتعلق في التطور الحاصل في مفهوم النظر إلى الوسطية من خلال التخاطب مع الذات بعد أن كان ذلك ينحصر في اطار النظر والتخاطب مع الآخر. امّا المسألة الثالثة فتتعلق بفحص مفهوم الوسطية لتحديده وكشف أبعاده وتبيان معالمه وازالة ما يشوبه من ضبابية وغموض وذلك نظرا للتدافع والانتساب إلى هذا المفهوم من قبل جهات متعددة وهو ما يفرض ضرورة إخضاعه للفحص كي لا يصبح مجالا للادّعاء من قبل  الغير.

ثم عالج محمد الخطيب مساعد عميد كلية الشريعة في الأردن موضوع “العوامل الإعلامية المعيقة في تعزيز ثقافة الوسطية” مجملا اياها بـ10 معوقات رئيسية لا يمكن العمل على نشر الوسطية دون اجتيازها ومنها أزمة الهوية واختلال القيم والمعايير في العديد من وسائل الإعلام التي عملت على طمس الهوية وهدم القيم في كثير مما تبث، ومنها غياب أجندة مدروسة موحدة لوسائل الإعلام واتجاهها لتكون مجرد تابع للإعلام الغربي، ومنها ظاهرة النفاق عند بعض وسائل الإعلام العربية التي اصبحت بوقا للأنظمة أو الأشخاص بشكل يجعلها غير قادرة على القيام بالمهام الموكلة اليها. ثم تابع الحديث عن المعوقات وشملت التباس الفهم في مفهوم الوسطية، والافتقار إلى النمو ذج القدوة في الإعلام، والحرب النفسية ضد العرب والمسلمين، وربط الفكر المنحرف بكبار المفكرين، وعدم افساح المجال للرأي الآخر، والإغراق في مواجهة التطرف بتطرف آخر، والهم التجاري والكسب المالي على حساب المبادئ والقيم.

امّا هايل عبدالحفيظ،استاذ كلية الشريعة في الأردن  فقد تحدّث عن “العوامل الإعلامية المساعدة في تعزيز ثقافة الوسطية”، معتبر انّ الإعلام يلعب دورا حيويا في صياغة العقول والرأي العام والتحولات السياسية والاجتماعية خاصة بعد انتشار الفضائيات والانترنت، علما انّ الإعلام يستخدم في الدعوة الإسلامية وهذا ما يجعل الأمة الإسلامية أمّة إعلامية في أصلها. كما ودعا هايل إلى أن يكون الإعلام مسؤولا وملتزما ومعبرا عن ثقافة وقيم الأمة والحضارة الإسلامية، وإلى ترسيخ المفاهيم الصحيحة للإسلام وتخليصه من الأوهام وتدعيم الثقافة الإسلامية والالتزام بالضوابط الشعرية كالدقة في نقل المعلومات والتثبت منها وضرورة استخدام الكلمة الطيبة وان يتّصف الإعلام بالإنصاف وعدم التحيّز والتوازن.

واختتم عبدالحميد الأنصاري استاذ في كلية القانون في قطر الجلسة بورقة حول “الخطاب الإعلامي للوسطية:كيف يجب أن يكون؟” معتبرا انّنا نواجه تحدّ خارجي متمثل بالعدو الصهيوني وتحد داخلي متمثّل بالتخلف، وداعيا إلى ضرورة التمييز بين الوسطية كفكر ومبدأ وقيمة من جهة، وبين ممارسات وسلوك وخطاب يروّج له بالساحة على أنه خطاب وسطي، مطالبا بالحاجة إلى تفعيل ثقافة الاعتدال والتسامح عبر إجراءات عملية، ومؤكدا على أنّ الوسطية هي الرهان المستقبلي والخيار الصائب الذي لا بد من دعمه عبر منهجية وآلية وخطط تعمل على تفعيله عمليا وتحكم الإطار الديني.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى