الأخبار اللبنانية

فيصل كرامي في طرابلس: «وإلا»

فراغ سياسي مخيف عاشته طرابلس في يومي «الحرب» اللذين شهدتهما. انكفأ السياسيون، من مختلف الاتجاهات، أمام سطوة المقاتلين. وحده فيصل كرامي كان هناك واتخذ الموقف. إذ ليس لـ «الأفندي» مرقد عنزة خارج عاصمة الشمال
غسان سعود

لا ينفع الرئيس سعد الحريري «تويتر» هنا، ولا النائب سمير الجسر خبرته التشريعية، ولا النائب السابق مصباح الأحدب بهاء إطلالته. حقق المسلحون، بسرعة خيالية، ما يعجز «إخوتهم» عن تحقيقه في المدن السورية منذ أربعة عشر شهراً: استولوا على المدينة. سقطت الدولة: لم يعد الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة هنا، ولا محمد الصفدي وزيراً للمالي. للإمارة أميرها. إما تكون مع الثورة أو لا تكون: لا معنى الآن للوسطية هنا.

هي أساساً ثورة على وسطية النأي بالنفس، ومسلحون ينادون: أنا المرجعية. العشرات يرددون: «أنا المرجعية». حين تسقط الدولة تسقط معها الألقاب، فلا يعود فؤاد السنيورة دولة الرئيس، وبدر ونوس سعادة النائب. حين تسقط الدولة تتهدم جدران السجون، فلا يعود أشرف ريفي «سيادة اللواء». حل نائبا عكار معين المرعبي وخالد ضاهر محل نواب المدينة، واختفى الوزراء. ميقاتي اكتفى بزيارة سريعة على غرار زيارات رؤساء الدول الكبرى للمدن المنكوبة. محمد الصفدي وجدها فرصة ليلاحق بعض «الأعمال الخاصة» في السعودية. الوزير أحمد كرامي غائب عن السمع، والوزير نقولا نحاس ينأى بنفسه عن أجواء كهذه. للجهاديين جنة في عالم آخر، ولهؤلاء السياسيين جنات في بلاد أخرى.
أول من أمس، وفيما الجيش والمسلحون يلعبون بالوردة: ينتشر. لا ينتشر. ينتشر. لا ينتشر. ينتشر. لا، لا ينتشر. حسم شاب في الأربعين من عمره أمره. خبط يده على الطاولة، قائلاً لشبابه: أبلغوهم أن ينسحبوا وإلا. دوّى البلاغ في المدينة. تلعب هيبة الاقطاع السياسي والتجارب السابقة لعبتها في العقول. فتدوي أكثر تلك الـ«وإلا». كانت الساعة الخامسة عصراً، ولم تبلغ الثامنة حتى كان أنصار آل كرامي، وعدد شبابهم يتجاوز الخمسة آلاف، مستنفرين بالكامل من منزل الرئيس عمر كرامي في المعرض، مروراً بمنزل الوزير فيصل كرامي خلف مستشفى النيني، فـ«القصر» المطل على ساحة عبد الحميد كرامي أو ساحة النور، إلى مختلف الأحياء الشعبية. ويستكمل الرسم: لا يستفز السلفيّ أكثر من الحبشيّ، ولا يستفز الحبشي أحد أكثر من السلفيّ. وفي المدينة أكثر من ألف حبشيّ. ها هم يستنفرون هم أيضاً من المصلى في أول شارع عزمي، مروراً بمركزهم في شارع المئتين قرب مدرسة الروضة فمؤسساتهم الكثيرة. ومن الأحباش إلى الصوفيين: يعلم هؤلاء أن المعركة بالنسبة إليهم واضحة «قاتل أو مقتول». في دول الثورات العربية كانوا هم المقتولين، لذا يمكن القول إن طرابلس باتت آخر معاقلهم. رئيس حركة التوحيد – 2 هاشم منقارة لا يزال القوة العسكرية الأولى في منطقة المينا، فيما يخرج فجأة مقاتلو حركة التوحيد – 1 بقيادة بلال شعبان من منازلهم إلى مختلف الشوارع الممتدة من منطقة أبو سمرا إلى منطقة الزاهرية. ويكشف القوميون وبعض أصدقائهم النقاب عن مربع أمني جديد يمتد بطول شارع الـ«سيتي كومبلكس»، من مركزهم عند مشارف ساحة النور حتى مواقع منقارة عند مشارف المينا. مع العلم أن الجيش أحاط بمركز القوميين الذي لم يبق فيه غير مسنّ واحد. أما جبل محسن فيتحدث أهلها دون حرج، عما يملكون من سلاح. تريدون أخذ المدينة؟ تسأل 8 آذار قوى 14 آذار، وتدلهم عند الساعة الثامنة من أول من أمس على خريطة الطريق لتحقيق ذلك: ليست المعركة بين جبل محسن وباب التبانة. ستكون المعركة في كل حي طرابلسي وشارع وبناية.
ليس في فراغ المدينة إلا سياسي واحد، اسمه فيصل كرامي. بعد قضائه ثلاثة أيام متنقلاً بين مكتبه ومنزل والده ومنزله، ملّ من اللعبة. أعلم من يحترمهم من الإسلاميين أن لديهم في ذمة القضاء اللبناني حقوقاً هو يتعهد بالعمل الجدي لإعادتها لهم. رفض مبدأ «الأمن بالتراضي وتحول الجيش إلى قوات فصل». ودعا من يعنيهم أمر المدينة إلى تحمل مسؤولياتهم.
يقول المطلعون هنا إن «أشاوس» المدينة يتغدون عند النائب محمد كبارة، يتعشون عند فيصل كرامي. يقول هؤلاء أيضاً إن ثمة رجلين لا يملكان ــــ كأكثرية الطرابلسيين ــــ مرقد عنزة خارج طرابلس، هما: أبو العبد وأبو رشيد. فهم كبارة الـ«وإلا» الكرامية. سعى للتهدئة. لاقاه كرامي في منتصف الطريق عبر مقابلة إلكترونية سريعة: «سنصبر ليلة اضافية ان كان هناك فعلا قرار بإنهاء هذا الوضع». وسرعان ما تراجعت حدة الأزمة.
حلها «القبضايات». يشير وزير الشباب والرياضة رداً على سؤال «الأخبار» إلى أن الاتصالات تكثفت في لحظة ما مع المقاتلين لإبلاغهم أن أفق ثورتهم محدود. يشرح أن أبناء مدينته يتواصلون من دون قفازات في ما بينهم عند الشدّة. ويخص خصمه المفترض، النائب محمد كبارة، بتنويه على الجهود التي بذلها للتهدئة. إضافة إلى الرئيس سعد الحريري «الذي كان جدياً في السعي لإنهاء الأزمة».
أعادت «وإلا» فيصل كرامي التوازن إلى المدينة. قالت للمسلحين إن الاستيلاء على المدينة ليس بالسهولة التي يتخيلون، ولن يوفقوا بالتالي في سعيهم إلى إبعاد «شبح الاقتتال السني ــــ السني» عن المدينة. وما افترضوه نزهة سهلة باتجاه المنطقة العازلة المفتوحة على سوريا سيكون حرباً تستنزفهم وتشغلهم عن سوريا.
من الآن وصاعداً راقبوا فيصل كرامي.
الاخبار – غسان سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى